Share

الفصل 2

Author: موخه
وبلا مأوى، هربت إلى أعماق الجبال مع كلبي صخر.

لكن أهل القرية عثروا عليّ مجددًا، وأمام عينيّ سلخوا صخر حيًا، ذلك الذي كان رفيقي الوحيد في الحياة.

ثم طبخوه في قدرٍ من الحساء.

أمسكت بعظمة ساق صخر، وبكيت حتى تمزق قلبي.

في ذلك العام، كنت يتيمة الأب والأم، ولم أتجاوز السادسة عشرة.

حدّقت رحمة في وجهي الباكي على الشاشة الكبيرة وسخرت.

"شهد، أنتِ تستحقين هذه النهاية، أليس كذلك؟"

"لولا أنكِ تسترتِ على المجرم، هل كان الجميع سيعاملكِ بهذه الطريقة؟ وما زلتِ ترين نفسكِ مظلومة؟"

"أنتِ أقل شخص في هذا العالم يحق له أن يشعر بالظلم! يا من تسترتِ على المجرم، كل ما أصابكِ هو نتيجة أفعالكِ!"

وردد آخرون:

"يا لها من وقحة! وما زالت تجرؤ على ادعاء المظلومية؟"

"تريد استغلال هذه الذكريات البائسة لتستجلب الشفقة؟ يا للسخرية! من يتستر على مجرم فهو شريك له! ومكانها الجحيم!"

"من أين لها الجرأة على لعب دور الضحية؟ لقد تدمرت عائلة بكري بالكامل، فقد ماتت الابنة ريم، وجُنّت والدتها، من ليس أكثر بؤسًا منهم؟!"

في تلك اللحظة، انطلقت ضحكة فتاة صافية من الشاشة الكبيرة.

"ريم! تمهلي!"

ظهر وجه ريم البريء على الشاشة الكبيرة.

وسط امتداد شاسع من الجبال البيضاء المُغطاة بالثلوج، ركضت ريم نحوي بابتسامة مشرقة.

"خذي هذه!"

ورمتني بكرةٍ من الثلج.

"ابنتي!" صرخ والد ريم باكيًا وهو يهرع إلى الشاشة الكبيرة.

وعندما نظر إلى وجه ريم المبتسم على الشاشة، لم يستطع كبح دموعه وانفجر بالبكاء.

فمنذ أن انتحرت ريم قبل عشر سنوات، شاب شعر ذلك الرجل المرح كثير الكلام بين ليلةٍ وضحاها.

وخلال هذه السنوات، كان يذهب إلى مركز الشرطة يوميًا ليسألهم: "هل أُلقي القبض على المجرم؟"

لكن في كل مرة، كان يُقابل بهزّة رأسٍ عاجزة من الشرطة.

في ذلك الوقت، لم تكن هناك كاميرات مراقبة في القرية، وكان منزلي منفصلًا.

ولم يكن أحد يعلم من الذي تعقب ريم في تلك الليلة.

أما الوحيدة التي كانت تعرف الحقيقة، فهي أنا.

بعد وصلةٍ من الركض والمرح، جثوت بخشوع في إحدى دور العبادة، وتمنيت:

"أرجو من الله أن يحفظ صديقتي بالصحة والسعادة، وأن تدوم صداقتنا إلى الأبد..."

وعندما رأت رحمة مظهري المتديّن، لم تعد قادرة على كبح غضبها.

"شهد، أيتها الكاذبة المتصنعة! أيتها الجاحدة المنافقة!"

تقدمت نحوي بخطوات واسعة، مشيرة إليّ بغضب وهي تصرخ:

"ما زلتِ تجرؤين على استعادة ذكريات طفولتنا! من الذي تحاولين إحراجه؟!"

"عشر سنوات، ولم تنطقي بالحقيقة ولو مرة واحدة، فهل تستحقين أن تكوني صديقتنا؟"

وبالفعل، أظهر المشهد التالي وأنا أتخلص سرًا من حبة المانجو التي أعطتني إياها ريم.

فانفجر الحشد المحيط غضبًا:

"اللعنة! أعطتها الطعام، لكنها كانت تتظاهر أمامها وتتصرف بعكس ذلك خلف ظهرها!"

"السيدة رحمة وريم أحسنتا إليها كثيرًا، لكن كيف عاملت صديقتيها؟ إنها مجرد أنانية تقف متفرجة بلا رحمة!"

كانت رحمة تعلم أنني أعاني من حساسية شديدة تجاه المانجو.

لكنها لم توضح الأمر للحشد، بل استمعت إلى سخريتهم المستمرة:

"بالتأكيد لم تتوقع أن السيدة رحمة ستصبح أغنى امرأة في البلاد وتعود لمحاسبتها!"

"سيدة رحمة، استمري رجاءً! لا نطيق الانتظار لرؤية وجه المجرم!"

ومع سيل الشتائم وصيحات الاستعجال، تبدّل المشهد على الشاشة الكبيرة من جديد.

وانطلقت من الشاشة صرخة رحمة الممزقة للقلب:

"ريم! لا تموتي!"

كان ذلك اليوم الذي انتُشلت فيه جثة ريم من النهر.

في ذلك اليوم الماطر الكئيب، ارتميت أنا ورحمة أمام جثة ريم، نبكي بحرقةٍ تمزق القلوب.

كان جسدها قد انتفخ من الماء، وأصبح باردًا ومتصلبًا بالكامل.

ولم تعد تشبه إطلاقًا تلك الفتاة الجميلة والمرحة التي احتفظت بها في ذاكرتي.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أجبرتني محاكمة الذاكرة على الاعتراف، لكنها انهارت   الفصل 10

    انهارت أسهم مجموعة آل شريف، وراح كثيرون يهاجمون رحمة.لكن رحمة لم تعد تكترث بأي شيء آخر.فقد كان قلبها يغلي بذنبٍ شديد.اعتذرت لوالدي ريم، وجثت أمامهما.فضربها والدا ريم حتى سال الدم من رأسها، ثم طرداها من المنزل.ومنذ ذلك الحين، لم تجف دموعها، وكل ما كانت تريده هو التكفير عن خطئها.وفي المؤتمر الصحفي، أعلنت جرائم والدها على الملأ، ثم نقلت جميع ممتلكاتها إلى والدي ريم.ثم ذهبت إلى المستشفى، تتوسل إلى الأطباء أن ينقذوا حياتي مهما كلف الأمر.لكن الطبيب قال بأسى إنني أعاني من فشلٍ في عدة أعضاء، وإن عملية استخراج الذاكرة تسببت لي بأضرارٍ لا يمكن علاجها، ولم يعد أمامي أكثر من ساعة.وفي اللحظة التالية، انهارت تمامًا، وجثت على ركبتيها أمامي."شهد... أنا آسفة، أنا آسفة جدًا!""لم أكن أعرف شيئًا! لقد أسأت فهمكِ! كم كنت غبية!""لقد كنا صديقتين لسنوات طويلة، ومع ذلك شككت بكِ ولم أصدقكِ!"أمسكت يدي بقوة، وكانت دموعها تتساقط على ظاهر كفي، فتغمر قلبي بمرارةٍ موجعة.وكانت تبكي بجنون وهي تصرخ: "كيف يمكن أن تحمي المجرم؟ من المستحيل أن تفعلي هذا! لقد فعلتِ ذلك من أجلي... كنتِ تحمينني!"بدأ وعيي يتلاشى ش

  • أجبرتني محاكمة الذاكرة على الاعتراف، لكنها انهارت   الفصل 9

    جثا جابر والد رحمة أمام ريم، متوسلًا إليها بدموعٍ غزيرة أن تسامحه."ريم، أنا آسف، أرجوكِ سامحيني.""في ذلك اليوم، لقد أعمى الشيطان بصيرتي للحظة، كنت ثملًا. أنا لم أقصد...""أرجوكِ لا تخبري أحدًا، أرجوكِ..."كانت ريم ترتجف من شدة الصدمة، وشحب وجهها، ولم تتوقف دموعها عن الانهمار.غطت أذنيها بإحكام، ثم صرخت وركضت هاربة.وهذه هي الحقيقة التي كنت أخفيها بيأس!في ذلك اليوم، كنت أختبئ تحت الشجرة، وشعرت وكأن رأسي قد انفجر.كانت الحقيقة القاسية تنغرس في قلبي كسكينٍ حاد.وقفت هناك عاجزة لا أدري ماذا أفعل، أردت أن ألحق بريم، لكنني خشيت أن يزيد ظهوري من صدمتها.وفي تلك اللحظة، ركضت نحوها وأنا أصرخ باسم ريم.لكن الذكريات لا يمكن تغييرها، وريم لم تستطع سماعي.أردت أن أقول لها: ريم، أرجوكِ لا تستسلمي لليأس!ريم، لن تفقدينا!ريم، أرجوكِ عودي إلى الحياة!طوال هذه السنوات العشر، لم يمر يوم واحد دون أن ينهشني الندم.لماذا لم أُسرع إلى جانب ريم فور معرفتي بالحقيقة ذلك اليوم؟كنت أخشى أن أزيد من صدمتها، لكنني لم أدرك أن جبني دفع ريم إلى يأس وعزلة مُطلقين.لو بقيت معها حينها وتبعتها، فهل كانت ستموت؟وهل كنا

  • أجبرتني محاكمة الذاكرة على الاعتراف، لكنها انهارت   الفصل 8

    كانت حالتها المذعورة بعيدة كل البعد عن شخصيتها الهادئة والواثقة كسيدة أعمال."كيف يُعقل هذا! كيف يمكن أن يحدث هذا!""أبي... لقد توفي بسقوطٍ عرضي من الجرف في اليوم التالي مباشرةً لوفاة ريم!""لماذا أراد إيذاء ريم؟""لقد كان يعلم جيدًا أن ريم صديقتي!"أغمضت وفاء عينيها، وانهمرت دموعها، وامتلأ صوتها بألم لا يوصف:"لم تكن وفاة والدكِ حادثًا... بل كانت انتحارًا بسبب الشعور بالذنب!"وضجّ المكان مرةً أخرى بالذهول."في ذلك اليوم، كان يشرب مع أصدقائه حتى ثمل.""وفي طريق عودته إلى المنزل، صادف ريم التي كانت في طريقها للقاء شهد.""سارا معًا، ولا أدري كيف، لكن الشيطان أعمى بصيرته في لحظة، فانتوى الشر واعتدى على ريم..."وعند هذه النقطة، غمرها الخزي حتى عجزت عن رفع رأسها.ثم ارتمت على ركبتيها أمام والدي ريم، وهي تبكي بحرقة وتقول:"مدحت، شيماء، أنا آسفة حقًا!""عائلتنا هي من ظلمتكم!""بعد ذلك اليوم، امتلأ جابر بالندم والحسرة. كان مصدومًا ومرعوبًا، ولم يعرف كيف يواجهكما، ولا كيف يواجه ريم.""كان يتمنى أن يعتذر إلى ريم، وأن ينال منها الغفران.""لكنه لم يتوقع أنه بعدما رآها في المدرسة، ستُلقي بنفسها في

  • أجبرتني محاكمة الذاكرة على الاعتراف، لكنها انهارت   الفصل 7

    فتحت فمها، لكنها لم تعرف كيف تفسر ما حدث.وفجأة دفعت والدي ريم بعيدًا بعنف، واندفعت نحوي، وأمسكت بياقة ملابسي وهي تصرخ:"شهد! اشرحي الأمر بوضوح!"برزت عروق جبينها، وكانت تقف على حافة الانهيار التام."أسرعي وأخبري الجميع أن المجرم ليس أبي!""أبي رجل طيب إلى هذا الحد، وصاحب أخلاق نبيلة، كيف يمكن أن يكون مغتصبًا؟!"لكن مهما هزتني بعنف، لم أكن قادرة على الإجابة.ثم استدارت لتسأل الفنيين إن كانت الذكريات قد أخطأت.إلا أن الفنيين أكدوا لها بثقة أن جميع هذه الذكريات حقيقية، ولا يمكن تزويرها.ارتجف جسد رحمة، وكادت تفقد توازنها.نزعت الأجهزة الموصولة بجسدي بغضب، وأخذت تهزني بلا توقف وهي تطالبني بأن أستيقظ فورًا."افتحي عينيكِ! شهد، توقفي عن التظاهر بالموت!""اشرحي الأمر!""أنتِ تكذبين عليّ! تريدين الانتقام مني، أليس كذلك؟"وبينما كانت على وشك الانهيار تمامًا، وصلت وفاء والدتها إلى المكان. "رحمة!"قالت وفاء بعينين غارقتين في الدموع ويأسٍ لا يوصف:"شهد لم تكذب!""تلك الذكريات حقيقية!""والدكِ... هو المجرم!"ثم ساد صمت مطبق في المكان.تجمدت رحمة في مكانها، وارتجف صوتها."أمي... ماذا تقولين؟""كيف

  • أجبرتني محاكمة الذاكرة على الاعتراف، لكنها انهارت   الفصل 6

    "شهد، ماذا تريدين أن تقولي؟""أتظنين أن جعلي أشاهد وفاة والدي سيزيد جراحي ألمًا، أو سيكون وسيلتكِ للرد عليّ؟""دعيني أخبركِ، هذا مستحيل!""كان والدي أفضل أب في العالم، وكان معلمًا قديرًا يشهد له الجميع، وتلاميذه منتشرون في كل مكان! بينما أنتِ؟""كان والدكِ لصًا، ووالدتكِ تعاني من إعاقة ذهنية، أما أنتِ... فأنتِ امرأة حقيرة، شريرة، أنانية وعديمة الرحمة!"راحت رحمة تسبّ بلا انقطاع، وتطلق كل كلمة بذيئة تخطر ببالها.جلست في مكاني، وشعرت بوخزة ألم في أعماق قلبي.بينما انهمرت دموعي بصمت.وفي تلك اللحظة، ظهرت صورة أخرى على الشاشة الكبيرة.وشهق الحشد:"آه! ما هذا!""أليست هذه... أليست هذه ملابس المغتصب؟!"وكادت تلك النظرة أن تُفقد رحمة وعيها في الحال!ظهرت وفاء والدة رحمة وهي تُخرج الملابس التي كان يرتديها والد رحمة قبل وفاته وأحرقتها.وما إن رأت رحمة ملابس والدها حتى احمرّت عيناها."أمي، ملابس أبي ممزقة تمامًا..."أدارت وفاء رأسها بعيدًا، والدموع تنهمر على وجهها.كتمت رحمة شهقاتها وضغطت وجهها على الملابس، فبللت دموعها القماش الممزق."كنت قد وعدت أبي أن أشتري له الكثير من الملابس الجديدة عندما

  • أجبرتني محاكمة الذاكرة على الاعتراف، لكنها انهارت   الفصل 5

    "انظروا! إنه مسرح الجريمة!""يا إلهي... الحقيقة على وشك أن تُكشف!"تعالت صيحات الدهشة بين الحشود.استدارت رحمة بسرعة، وعيناها مثبتتان على الشاشة الكبيرة.كانت الغابة في تلك الليلة الماطرة موحشة ومرعبة بشكل خاص.كنت أمسك مظلة، وصرخت بخوف: "من؟ من هناك؟"لكن لم يُجب أحد.لم يكن هناك سوى المطر المنهمر بعنف، وهو يقرع سطح المظلة.وفجأة شقَّ البرق السماء، ولمح بصري ظلًا أسود مرّ بسرعة خاطفة، فسقطت على الأرض من شدة الفزع.ثم اختفى ذلك الظل بسرعة داخل الظلام.انقبضت حدقتا رحمة بشدة، وكادت تفقد السيطرة على نفسها، فصرخت غاضبةً في وجه الفنيين:"أين وجهه؟!""لماذا يظهر ظهره فقط؟""لماذا لا نستطيع رؤية وجهه؟!"أصيب الفنيون بالارتباك، وراحوا يعدّلون الإعدادات مرارًا في محاولة لتقريب الصورة.لكن الصورة على الشاشة ظلت ضبابية، ولم يظهر سوى ظهرٍ مبلل بالمطر.غمر العرق البارد جبين أحد الفنيين، وقال بعجز:"سيدة رحمة، السبب هو أن شهد لم ترَ وجه المجرم في هذه الذكرى على الإطلاق!""لذا لا يستطيع النظام استخراج سوى هذا الظهر."ارتجف جسد رحمة، ثم صاحت بحدة:"مستحيل!""لا أصدق أنها لم ترَ سوى ظهره!""رسالة انتح

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status