登入خرجت صبا من المستشفى برفقة كرم بعد الاطمئنان على إصابتها.
كان المساء قد بدأ يرخي ستاره على المدينة. التفت إليها كرم بنبرة جادة قائلاً: "يجب أن تعودي إلى المنزل وترتاحي." رفعت صبا يدها المصابة قليلاً وقالت: "إنها مجرد التواء بسيط." عقد حاجبيه قائلاً: "الطبيب أوصى بالراحة." ابتسمت بخفة: "الطبيب قال راحة، لم يقل اعتزال العمل." تنهد كرم وقال: "صبا، صحتك أهم من أي مشروع." أجابته بثقة: "وهذا المشروع مسؤوليتي." أضافت: "لن أترك الفريق في منتصف الطريق." نظر إليها للحظات وكأنه يقيم إصرارها. قال أخيراً: "حسناً… لكن بشرط." سألت: "ما هو؟" قال: "لن تلمسي أي شيء ثقيل، وسأساعدك في كل التفاصيل." ابتسمت شاكرة: "اتفقنا." هز رأسه باستسلام خفيف. عادا إلى الشركة مباشرة. استقبلهم الفريق بنظرات قلقة. طمأنتهم صبا بأنها بخير. جلست أمام حاسوبها وبدأت مراجعة التقارير. كان كرم يجلس بقربها يتابع العمل معها. كلما حاولت استخدام يدها المصابة، كان يوقفها. قال ممازحاً: "قلتُ لن تلمسي شيئاً." ردت بابتسامة: "أنت صارم أكثر من اللازم." أجابها: "هذا جزء من مهامي." شعرت بالامتنان لطريقته الهادئة في الاهتمام بها. استمر العمل لساعات إضافية. أنهيا معظم المهام المعلقة. قال كرم: "الآن انتهى العمل فعلاً." أغلقت صبا الحاسوب أخيراً. شعرت بتعب يتسلل إلى جسدها. ودعها كرم عند باب الشركة. قال: "أرجوكِ ارتاحي هذه الليلة." أومأت برأسها: "سأحاول." عندما وصلت إلى المنزل، وجدت الأضواء مضاءة. دخلت بهدوء. كان سليم جالساً في غرفة المعيشة يعمل على حاسوبه. لم يرفع نظره فوراً. كانت صبا تنوي التوجه مباشرة إلى غرفتها. لكن صوته أوقفها. قال دون أن ينظر إليها: "كيف يدك؟" توقفت مكانها. لم تتوقع سؤاله. أجابت بهدوء: "بخير… مجرد التواء خفيف." رفع رأسه للحظة ونظر إليها. قال: "جيد." ثم أومأ برأسه وكأنه فهم. أعاد نظره إلى الحاسوب. ساد صمت قصير بينهما. شعرت صبا بشيء غريب. تساءلت إن كان قلقاً عليها فعلاً. لكنها سرعان ما أقنعت نفسها بأنه سأل فقط بسبب سلمى. قالت بهدوء: "تصبح على خير." رد دون أن يرفع نظره: "وأنتِ من أهله." اتجهت إلى غرفتها. جلست على السرير تفكر في الموقف. لم يكن اهتماماً واضحاً، لكنه لم يكن تجاهلاً كاملاً أيضاً. هزت رأسها محاولة طرد الأفكار. بعد فترة سمعت صوت الباب يُغلق. عرفت أن سليم خرج مجدداً. لم تحاول حتى أن تسأل نفسها إلى أين. استلقت على السرير ونامت سريعاً. في اليوم التالي، ذهبت صبا إلى العمل. لاحظت غياب سلمى بسبب إصابتها. كان هناك اجتماع مهم لبحث الخطوات التالية. حضر سليم هذه المرة بصفته ممثل شركته. جلست صبا بثبات أمام الحضور. بدأت عرضها باحترافية واضحة. شرحت تفاصيل المرحلة القادمة. عرضت خطط التنفيذ بدقة. ثم انتقلت إلى ذكر الأخطاء المحتملة. فاجأت الجميع عندما قدمت حلولاً جاهزة لكل احتمال. تبادل الحضور نظرات الإعجاب. كان اندهاشهم واضحاً. حتى سليم بدا متفاجئاً. نظر إليها مطولاً هذه المرة. ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة لم تدم طويلاً. لكنها لاحظتها. استمر الاجتماع ثلاث ساعات كاملة. خرج الجميع بعدها لتناول الطعام في مطعم قريب. جلسوا على طاولة طويلة. كان سليم يجلس في الجهة المقابلة لصبا. عامَلَها كأنها مجرد زميلة عمل. وهي فعلت المثل تماماً. تبادلا كلمات رسمية فقط عند الضرورة. بدأ بعض الحاضرين بالإشادة بعمل صبا. قال أحدهم: "تحليلها للمخاطر كان مذهلاً." أضاف آخر: "وجودها في المشروع مكسب كبير." ابتسمت صبا باحترام. شكرَت الجميع بهدوء. كان كرم ينظر إليها بفخر واضح. لاحظ أن سليم لم يعلق بشيء. استغرب صمته. لكنه لم يتدخل. كان اهتمام كرم بصبا واضحاً. قدم لها الطعام بنفسه بسبب إصابة يدها. قال لها: "لا تجهدي نفسك." ابتسمت شاكرة. لاحظ الجميع تصرفه. تبادل بعضهم نظرات خفية. أما سليم فبقي هادئاً. لم يُظهر أي رد فعل. كان يركز على هاتفه أحياناً. وأحياناً يشارك في الحديث العام. لكنه لم يوجه كلمة مباشرة لصبا. شعرت صبا ببرود غريب في داخلها. لم تعد تنتظر منه شيئاً. كانت تتعامل معه كمدير شركة لا أكثر. بعد انتهاء الغداء، عادوا إلى الشركة. استأنفوا الاجتماع لاستكمال بعض النقاط. مرت ساعتان إضافيتان من النقاش. بدأ التعب يظهر على الوجوه. فجأة، استأذن سليم من الحضور. قال: "لدي عمل طارئ يجب أن أتعامل معه." أومأ الجميع بتفهم. جمع أوراقه بسرعة. وقبل خروجه، نظر نحو صبا للحظة قصيرة. لكنها لم تلتفت إليه. كانت تراجع ملاحظاتها بهدوء. خرج سليم من القاعة بخطوات ثابتة. لاحظ كرم نظرة سريعة في عينيه قبل المغادرة. كانت نظرة يصعب تفسيرها. لكن صبا لم ترها. كانت منشغلة في العمل. أكملت الاجتماع حتى النهاية. وزعت المهام على الفريق. أنهت النقاط العالقة بدقة. عندما خرج الجميع، بقيت لحظة وحدها في القاعة. أخذت نفساً عميقاً. شعرت بأنها أصبحت أقوى من السابق.الفصل الثالث والتسعونبعد انتهاء حديثها مع نسرين...بقيت صبا واقفة في الحديقة الصغيرة أمام المطعم.كان الهواء البارد يمر بهدوء، يحرّك خصلات شعرها قليلاً، بينما كانت هي ثابتة في مكانها، تنظر أمامها دون أن ترى شيئًا.كلمات نسرين لم تغادر عقلها."أعطيه فرصة..."لم تكن هذه أول مرة يحاول أحد إقناعها بأن تتمسك بسليم.لكن الأمر كان مختلفًا هذه المرة.لأن نسرين لم تكن تحاول الدفاع عنه فقط.كانت تتحدث كأم...امرأة رأت ابنها يخطئ، ورأت صبا تتألم، ومع ذلك ما زالت تتمنى أن يصلح ما انكسر.تنهدت صبا ببطء."لماذا لا أستطيع أن أكرهه كما يجب؟"قالتها لنفسها بصوت خافت.كانت المشكلة أنها لم تعد تنتظر منه شيئًا.وهذا أكثر ما كان يؤلمها.في الماضي كانت تنتظر كلمة منه...اهتمامًا بسيطًا...نظرة مختلفة.لكن الآن، بعد كل تلك السنوات، تعلمت أن لا تطلب شيئًا من شخص لا يريد أن يعطيه.أغمضت عينيها للحظة، ثم عادت إلى الداخل.كان سليم جالسًا في مكانه، هادئًا كعادته.يمسك كوب القهوة وينظر أمامه، وكأنه كان غارقًا في أفكاره.جلست صبا مقابله دون كلام.مرّت لحظات من الصمت.حتى قال سليم فجأة:"تحدثتِ مع أمي."رفعت صبا ع
الفصل الثاني والتسعون بقيت صبا تنظر إلى صورة الزفاف لثوانٍ طويلة. الصورة أعادتها إلى زمنٍ ظنت أنها تجاوزته. زمن كانت فيه تؤمن أن كل شيء سيصبح أفضل. أن الزواج سيقربها من سليم. أن الأيام ستجعله يراها. لكن شيئًا من ذلك لم يحدث. أغلقت نسرين الصورة أخيرًا بعدما لاحظت الصمت الذي خيم على الطاولة. وقالت بابتسامة خفيفة: "مرت سنوات بسرعة." لم تجب صبا. واكتفت بخفض نظرها نحو كوب القهوة أمامها. أما سليم— فكان يراقبها بصمت. يعرف تمامًا ما الذي تتذكره. ويعرف أن تلك الذكريات ليست سعيدة كما تتخيل والدته. بعد دقائق— رن هاتف نسرين. اعتذرت منهما ونهضت للرد على المكالمة في الخارج. بقي سليم وصبا وحدهما. لكن هذه المرة لم يكن هناك ما يُقال. ولا ما يمكن إصلاحه بكلمات قليلة. نهضت صبا بعد لحظات. "سأذهب إلى الحمام." أومأ سليم بهدوء. وغادرت. كانت نسرين تقف قرب الممر المؤدي إلى الحديقة عندما خرجت صبا. وما إن رأتها حتى أنهت المكالمة. ابتسمت لها. لكن صبا لم تبتسم هذه المرة. لاحظت نسرين ذلك فورًا. وقالت بهدوء: "ما الأمر يا ابنتي؟" تنهدت صبا ببطء. ثم قالت بصراحة: "لماذا تفعلين هذا؟"
الفصل الحادي والتسعونبقي رامي واقفًا مكانه لثوانٍ بعد أن ابتعد سليم عن صبا.كانت ابتسامتها التي ظهرت قبل قليل لا تزال عالقة في ذهنه.منذ أن عرفها...رأى صبا تبتسم.وتضحك أحيانًا.لكن ما رآه الآن كان مختلفًا.طبيعيًا أكثر.وعفويًا أكثر.وكأنها نسيت للحظة كل الحواجز التي تضعها حول نفسها.أما صبا—فما إن أدركت أنها ضحكت أمام سليم بتلك الطريقة حتى شعرت بالضيق من نفسها.أمسكت حقيبتها بسرعة.وقالت:"يجب أن أعود للشركة."أومأ سليم بهدوء."سنلتقي في الاجتماع غدًا."ولأسباب لم تفهمها...لم يعجبها أنه أصبح يقول تلك الجملة كثيرًا.سنلتقي.وكأنه أصبح جزءًا ثابتًا من يومها من جديد.في المساء—كانت صبا تجلس مع ندى في الشقة.تراجع بعض المخططات بينما كانت ندى تشاهد مسلسلها المفضل.وفجأة—خفضت ندى صوت التلفاز.ثم استدارت نحوها."أريد أن أسألك شيئًا."رفعت صبا رأسها."اسألي."ضيقت ندى عينيها."هل أنا أتخيل... أم أن سليم تغير؟"تجمدت يد صبا فوق الورقة.ثم عادت للكتابة وكأن السؤال لم يؤثر فيها."لا أعرف."شهقت ندى."هذا ليس جوابًا."تنهدت صبا."أنا مشغولة."اقتربت ندى وجلست بجانبها."إذًا سأعتبر هذا هرو
الفصل التسعون تجمدت الأجواء داخل غرفة الجلوس لثوانٍ. صبا تنظر إلى سليم. وسليم ينظر إليها. أما نسرين— فكانت تراقبهما بهدوء شديد، وكأنها تنتظر ردّة فعل كل منهما. أول من كسر الصمت كان سليم. "مساء الخير." أجابته صبا بهدوء: "مساء النور." ثم عادت تنظر إلى فنجان القهوة أمامها. وكأن وجوده لا يعنيها. لكن نسرين التي تعرفها جيدًا— لاحظت التوتر الخفي في حركة أصابعها حول الفنجان. اقترب سليم من والدته وقبّل رأسها. "لم تخبريني أن لديك ضيفة." رفعت نسرين حاجبها. "ولو أخبرتك، هل كنت ستأتي؟" نظر إليها سليم لثانية. فابتسمت هي بانتصار صغير. أما صبا— فأدركت فورًا أن نسرين رتبت لهذا اللقاء عمدًا. ولم تعرف إن كان ذلك يزعجها أم لا. بعد قليل— انتقلوا إلى غرفة الطعام. حاولت نسرين أن تجعل الحديث طبيعيًا. سألت عن العمل. وعن المشروع. وعن المنارة. لكن المشكلة كانت أن وجود صبا وسليم على الطاولة نفسها جعل أي حديث يبدو غير طبيعي. قالت نسرين فجأة: "سمعت أن الموقع الجديد للمشروع رائع." أجابت صبا: "نعم، سنزوره غدًا." التفتت نسرين إلى سليم. "أليس كذلك؟" رفع نظره عن طبقه. "نعم." ثم أضا
الفصل التاسع والثمانونبقي سليم واقفًا داخل قاعة الاجتماعات بعد مغادرة صبا.هادئًا من الخارج...لكن أفكاره لم تكن هادئة أبدًا.ترددت كلماتها داخل رأسه مرة أخرى."المنارة منحتني فرصة لأتنفس."وما لم تقله كان أوضح.أنها كانت تختنق قبل ذلك.وأنه كان جزءًا من السبب.أغلق الملف الذي أمامه ببطء.ثم غادر القاعة.في الممر الخارجي—كانت صبا تسير برفقة رامي.يتحدثان عن بعض تفاصيل المشروع.لكن تركيزها لم يكن كاملًا.لاحظ رامي ذلك.فسألها بلطف:"هل حدث شيء؟"التفتت إليه.ثم هزت رأسها."لا."ابتسم بخفة."أصبحت أعرف متى تكذبين."اتسعت عيناها قليلًا.فضحك."لا تقلقي. لن أضغط عليك."شعرت بالامتنان.لأن رامي لم يكن من النوع الذي يطرح عشرات الأسئلة.ولا من النوع الذي يحاول اقتحام حياة الآخرين.كان يمنح الناس مساحة.وهذا ما جعل وجوده مريحًا.في مكان آخر من الشركة—كانت فرح تجلس مع كرم داخل مكتبه.تراجع بعض الملفات.لكنها لاحظت شروده أكثر من مرة.قالت وهي تغلق الملف أمامها:"أنت لست معنا اليوم."رفع نظره إليها."ماذا؟"ابتسمت بخفة."أقصد أن عقلك في مكان آخر."تنهد كرم.ولم يجب.أما فرح—فشعرت أن شكوكها ص
الفصل الثامن والثمانونمرّ بقية المساء ببطء على صبا.بعد الرسالة والصورة التي وصلت إليها، حاولت أن تقنع نفسها بأن الأمر لا يستحق التفكير.لكن الحقيقة—أنها كانت تفكر.ليس في الصورة.ولا في رامي.بل في الجملة المكتوبة أسفلها."يبدو أن زوجكِ لن يُعجبه ما يراه."أغلقت الهاتف بقوة.ثم ألقت به فوق الطاولة.قالت ندى التي كانت تراقبها منذ دقائق:"ما زلتِ تفكرين بالأمر."تنهدت صبا."أحاول ألا أفعل."اقتربت ندى وجلست بجانبها."هل تعتقدين أن سليم وصلته الصورة؟"رفعت صبا رأسها نحوها.ثم ضحكت بسخرية خفيفة."ولماذا يهمني أصلًا؟"رفعت ندى حاجبها.لكنها لم تعلق.لأنها تعرف صديقتها جيدًا.وتعرف أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى إجابة.في الجهة الأخرى من المدينة—كان سليم داخل شقته.يقف أمام النافذة المطلة على البحر.بين يديه هاتفه.والصورة معروضة أمامه منذ عدة دقائق.صبا.ورامي.يجلسان معًا.يبتسمان.يتحدثان براحة واضحة.أغلق الهاتف أخيرًا.لكن الصورة بقيت عالقة في ذهنه.بشكل أزعجه أكثر مما ينبغي.دخلت نسرين إلى غرفة الجلوس في تلك اللحظة.كانت قد جاءت لزيارته بعد انتهاء بعض اجتماعاتها الخاصة بالمشروع.وما







