فات الأوان لاستعادة زوجتي السابقة

فات الأوان لاستعادة زوجتي السابقة

last updateLast Updated : 2026-04-08
By:  Adelina BestonOngoing
Language: Arab
goodnovel4goodnovel
10
4 ratings. 4 reviews
194Chapters
6.7Kviews
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

ملخص الرواية دخلت زهراء أحمد السجن لأن عائلتها قررت أنها "ورقة مهملة" يمكن التضحية بها في سبيل مصالحهم. كان زوجها، سامي فايز، يحتاج لإزاحتها من طريقه تماماً، بينما كانت عشيقته تنتظر في الظل لتنقضّ على مكانها. أما ابنهما، فقد شهد ضد أمه دون تردد، غارساً خنجر الخيانة في قلبها. عندما نالت زهراء حريتها، قدم لها سامي عرضاً توهم أنه "كرمٌ" منه: أن تعتذر، وتعود في صمت، وتكتفي بأن تحمل لقب "السيدة فايز" اسماً لا فعلاً. بل إن ابنهما جعل الأمر جلياً: لا يريد أي صلة تربطه بها. لكن زهراء اختارت الرد الذي لم يتوقعه أحد.. الرفض القاطع. طلبت الطلاق ووضعت مصيرها بين يدي باسل شريف؛ الرجل الذي نذر سامي حياته لتحطيمه في سوق العمل. لم يمنحها باسل كلمات العزاء، بل منحها الخنجر القانوني والمناورة الذكية. تحول الطلاق إلى فضيحة علنية وهزيمة ساحقة لسامي. خرجت زهراء وهي تسيطر على نصيب الأسد من الثروة والأصول، بينما خسر سامي ما هو أغلى من المال؛ تلطخت سمعته، وفرّ عنه شركاؤه، وتبخر النفوذ الذي كان يظن أنه لا يقهر. وبعدما تحررت من قيد زواجٍ سحق روحها، أعادت زهراء بناء كيانها المهني وقصتها الخاصة. سرعان ما فرضت احترامها على الجميع، وعاد اسمها ليضيء من جديد، ولكن هذه المرة.. دون أن يلتصق بكنية "فايز". بينما كانت حياة سامي تتهاوى بانهيارٍ منظم. العشيقة التي ضحى من أجلها كشفت عن وجهها الجشع. والابن الذي تبرأ من أمه أدرك - بعدما ضاع الأوان - من كان مأواه الحقيقي. أما العائلة التي طردت زهراء، فقد بدأت تتآكل من الداخل حتى الانهيار. عندما وقف سامي وابنه أخيراً على أعتاب بابها، كان الانكسار قد حلّ محل الكبرياء. جاءا يتوسلان عودتها، وكأن الصفح حقٌ مضمون لهما. استمعت زهراء بهدوء، ثم حسمت الأمر بكلماتٍ لا رجعة فيها: "لم أعد تلك التي تنتظر أن يختارها أحد." أما مسألة وجودهما في حياتها من عدمه، فقد أصبحت الآن ملكاً لإرادتها وحدها.. وهي إرادةٌ لا تملك أي سببٍ للاستعجال.

View More

Chapter 1

الفصل الأول: ما فعله ابني

وجهة نظر زهراء

استدعى ابني الشرطة لي.. والسبب "كلب".

خمسة عشر يوماً خلف القضبان كفيلة بأن تغيرك للأبد. عندما انغلق باب الزنزانة المعدني خلفي أخيراً، لم يكن صوت الارتطام هو ما يطاردني، بل صرخة طفلي ذي السنوات الست وهو يستجدي الضباط أن يأخذوا أمه بعيداً.

كانت الشمس ساطعة لدرجة مؤلمة. وقفتُ هناك، أشعر بالمهانة في ثيابي المجعدة، بينما كانت سيارة "بنتلي" سوداء تقبع في الجهة المقابلة كالوحش الكاسر. كان زوجي، سامي فايز، يتكئ عليها، ونظاراته الشمسية الفاخرة تخفي أي أثر للمشاعر. وبجانبه، يمسك بيده، كان ابننا وليد. نظر إليّ صغيري وكأنني شبح.. شبحٌ مرعب.

قبل أسبوعين، توسلتُ لسامي بينما كان الشرطة يقتادونني: "أرجوك.. استمع إلي".

لكنه اكتفى بالوقوف واضعاً ذراعه حول تلك المرأة؛ مريم، حبيبته السابقة التي يدّعي أنها "ملاكٌ طاهر"، وأخبر الضباط أنني غير متزنة عقلياً، وأنني بحاجة لتلقي "درسٍ" يعيد إليّ صوابي.

هذا هو حاله الآن أيضاً؛ متغطرس، وضجر. "هل انتهيتِ من التحديق يا زهراء؟" قطع صوت سامي البارد ضجيج المدينة، وأردف: "اركبي السيارة، نحن مغادرون".

قبل شهر واحد، كنت سأركض إليه. كنت سأبكي على قميصه الباهظ وأخبره عن الكوابيس، عن الزنزانة المظلمة، وعن الخوف الذي نهشني.

لكنني لم أتحرك إنشاً واحداً.

فُتح باب السيارة المجاور للسائق.

طرق.. طرق..

اصطدم كعب مريم بالرصيف، كانت كل خطوة منها بمثابة طعنة دقيقة في ذاكرتي. ترجلت وهي ترتدي عباءة من الحرير الشاحب، وشعرها مصفف بعناية لا تشوبها شائبة، بينما رسمت على وجهها ملامح القلق المصطنع.

"زهراء،" قالت بصوت يقطر عسلاً مزيفاً وهي تخطو نحوي برقة: "تبدين.. متعبة. أعلم أن ما حدث لـ 'ماكس' لا يزال يؤلمكِ، لقد كان حادثاً مأساوياً. لكن عليكِ تجاوز هذا الغضب، من أجل وليد. كل ما نريده هو أن نمضي قدماً كعائلة".

وضعت يدها الرقيقة فوق قلبها واصطنعت سعلة خفيفة. كان أداؤها للمسرحية متقناً لدرجة الغثيان.

غلى الغضب في جوفي، مرّاً وحارقاً؛ لقد كان الصديق الوحيد الذي رافقني طوال خمس عشرة ليلة.

"حادث".. تذوقتُ هذه الكذبة كأنها رماد.

كان "ماكس" من فصيلة الغولدن ريتريفر، ظلي الذي لم يفارقني لسبع سنوات. كنا نسير في مدخل المنزل عندما اندفعت سيارة مريم الرياضية الحمراء من عند المنعطف. كانت سريعة جداً.. دائماً ما تقود برعونة.

لمحها ماكس أولاً، فقفز بجسده الثقيل دافعاً إياي نحو العشب.

سمعتُ صوت الاصطدام.. ذلك الصوت البشع.

ثم.. ساد الصمت.

خرجت مريم واضعة يدها على فمها بشهقة مصطنعة: "يا إلهي! لقد ركض فجأة أمامي!"

لكنني رأيت وجهها خلف الزجاج الأمامي لثانية واحدة. لم يكن هناك صدمة، بل هدوء.. هدوء بارد ومقيت.

انكسر شيء ما في داخلي. لم أفكر، بل انقضضتُ عليها، أمسكت بكتفيها وأهزها بكل قوتي وأنا أصرخ: "أنتِ من فعلتِ هذا! نظرتِ إليه مباشرة ولم تتوقفي!"

في تلك اللحظة، وصلت سيارة سامي.

لم يطرح أي سؤال، ولم ينظر حتى إلى جثة ماكس. كل ما فعله هو أنه أمسك بي، وغرست أصابعه كدماتٍ في ذراعي وهو يلقيني بعيداً عنها. دفعني بقوة لدرجة أنني سقطت على الحصى.

ثم وقف بيننا، يحميها هي.. يدرأ عنها الأذى.

زمجر وعيناه تفيضان بالاشمئزاز: "ما خطبكِ؟ هل جننتِ؟"

ثم تعالت أصوات صفارات الإنذار.

وظهر وليد.. طفلي الصغير.. ركض من خلف مريم، وأشار إليّ بإصبعه الصغير وصوته يرتجف رعباً: "إنها تؤذي الخالة مريوم! يا شرطة! خذوا هذه الأم الشريرة بعيداً!"

قتلت كلماته شيئاً في أعماقي، شيئاً لن يعود أبداً.

أتقنت مريم دور الضحية: "لا بأس أيها الضباط.. إنها منهارة فحسب.."

لكن سامي، زوجي، تقدم قائلاً: "لقد اعتدت عليها جسدياً، أريد تقديم بلاغ رسمي ضدها".

وهكذا أخذوني. ولأن مريم كانت "متسامحة" للغاية، نلتُ خمسة عشر يوماً بدلاً من السجن الفعلي.

خمسة عشر يوماً في صندوق مغلق.

نظرتُ إلى السماء الآن. لن أبكي، لقد انتهى زمن البكاء.

كانت تلك الأيام جحيماً. أنا أرتعب من الأماكن الضيقة والمظلمة، وهم وضعوني في أحدها وأطفأوا الأنوار. كان الصمت صاخباً لدرجة خلتُ معها أنني سأفقد عقلي. صرختُ حتى تحشرج صوتي وضاع.

قال الجميع إن سامي كان رحيماً؛ لم يترك لي سجلاً جنائياً، مجرد "قرصة أذن" لزوجته الهستيرية.

لم يعلموا.. ولم يهتموا.

خلع سامي سترته ووضعها على كتفي مريم وهو يهمس برقة: "لا يجب أن تقفي في هذا البرد". كان صوتاً ناعماً لم يستخدمه معي منذ سنوات.

هتف وليد وهو يمسك بيدها: "خالة مريوم، سأبقيكِ دافئة!"

ابتسمت مريم له، ثم نظرت إليّ بشفقة: "كان عليّ أن آتي يا سامي. يجب أن ترى زهراء صدق نيتي. كيف لها أن تشفى إذا ظلت متمسكة بكل هذا الحقد؟"

أظلم وجه سامي والتفت إليّ بنظرة جليدية: "هي من خرقت القانون، من ماذا عليها أن تشفى؟" اقترب خطوة، وكان صوته منخفضاً وخطراً: "زهراء، هذا العبث ينتهي هنا. اعتذري لمريم، اعتذاراً حقيقياً، وبعدها يمكنكِ العودة للمنزل. لا يزال بإمكانكِ أن تكوني زوجتي".

حدقتُ فيه. في الرجل الذي أحببته منذ أيام الجامعة. الرجل الذي ساعدتُه في بناء إمبراطوريته باستخدام كل نفوذ وعلاقات عائلتي العريقة. الرجل الذي حذرني والداي منه؛ "سيستهلككِ حتى تنفدي"، هكذا قال أبي، ولم أستمع.

ثم ظهرت مريم، "الصديقة" من ماضيه. وفجأة، أصبحتُ أنا "أكثر مما ينبغي"؛ عاطفية جداً، ومتطلبة جداً.

حاربتُ لأجله، توسلتُ.. ولم يزد ذلك الأمر إلا سوءاً، فقد ابتعد أسرع.

الآن، في نظر العالم، أنا الزوجة المجنونة التي هاجمت "قديسة" بسبب كلب.

لا يعرفون شيئاً عن ذلك الصمت الذي يجعلك تتحدث إلى الجدران، ذلك الصمت الذي يجعلك تتساءل إن كنتِ قد متِّ بالفعل.

عضضتُ لساني حتى تذوقتُ طعم الدم. لستُ مخطئة.

خطئي الوحيد كان الوثوق به.

قلتُ بهدوء ولكن بوضوح: "لا.. لن أعتذر لها".

قفز وليد أمام مريم، ووجهه الصغير يتلوى غضباً: "أنتِ لئيمة! خالة مريوم طيبة! أنا أكرهكِ!"

قالت مريم وهي تضمه إليها بقوة لتستعرض ملكيتها له: "وليد، حبيبي، لا تقل هذا.. إنها أمك".

انفجر وليد في بكاء مرير، ونظر إليّ بعينين مليئتين بألم لم أره قط في عيني طفل: "لا أريدكِ! أتمنى لو كانت هي أمي!"

كان الألم بمثابة ضربة جسدية سلبت أنفاسي.

كان وليد معجزتي، وُلد قبل أوانه، صغيراً وضعيفاً. لسنوات، كان هو عالمي كله. سهرتُ بجانبه في كل حمى وكل كابوس. ظننتُ أنه قلبي الذي يمشي خارج جسدي.

لكن في تلك الزنزانة المظلمة، تعلمتُ الحقيقة القاسية: عندما لا تملك شيئاً، تدرك أن الشخص الوحيد الذي يمكنه إنقاذك هو نفسك. التمسك بحبٍ يقتلك ليس حباً، بل هو انتحار بطيء.

نظرتُ إلى سامي. نظرتُ إلى ابني الذي يبكي ليحظى بأم أخرى.

وتركتهم يرحلون عن قلبي.

غمرني هدوء غريب، سكنت العاصفة في داخلي، وأصبح كل شيء جلياً.

قلت بصوت هادئ بشكل مخيف: "سامي".

كان يراقبني، وعلى وجهه ابتسامة ساخرة، ينتظر انهياري المعتاد.

"أريد الطلاق".

اختفت الابتسامة، واتسعت عيناه بصدمة، ثم ضحك ضحكة قبيحة: "لا تكوني غبية. أنتِ لا تملكين شيئاً؛ لا مال، لا وظيفة، لا شيء بدوني. اركبي السيارة".

لم أجادله.

بل التفتُّ وناديتُ باتجاه أبواب مركز الاحتجاز:

"نواف! لننطلق! السيارة هنا!"

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters

reviews

Hala Siddig
Hala Siddig
من اروع قصص التطبيق التي لم يتم حذفها.... عشرة على عشرة... إلى الإمام
2026-04-27 08:09:15
0
0
خليل نوح
خليل نوح
استمروا......
2026-04-16 14:04:19
0
0
خليل نوح
خليل نوح
القصة جميلة ..استمروا بالنشر
2026-04-08 13:52:44
0
0
Alaa Bouafia
Alaa Bouafia
رواية جميلة جدا استمري
2026-04-05 06:04:18
1
0
194 Chapters
الفصل الأول: ما فعله ابني
وجهة نظر زهراءاستدعى ابني الشرطة لي.. والسبب "كلب".خمسة عشر يوماً خلف القضبان كفيلة بأن تغيرك للأبد. عندما انغلق باب الزنزانة المعدني خلفي أخيراً، لم يكن صوت الارتطام هو ما يطاردني، بل صرخة طفلي ذي السنوات الست وهو يستجدي الضباط أن يأخذوا أمه بعيداً.كانت الشمس ساطعة لدرجة مؤلمة. وقفتُ هناك، أشعر بالمهانة في ثيابي المجعدة، بينما كانت سيارة "بنتلي" سوداء تقبع في الجهة المقابلة كالوحش الكاسر. كان زوجي، سامي فايز، يتكئ عليها، ونظاراته الشمسية الفاخرة تخفي أي أثر للمشاعر. وبجانبه، يمسك بيده، كان ابننا وليد. نظر إليّ صغيري وكأنني شبح.. شبحٌ مرعب.قبل أسبوعين، توسلتُ لسامي بينما كان الشرطة يقتادونني: "أرجوك.. استمع إلي".لكنه اكتفى بالوقوف واضعاً ذراعه حول تلك المرأة؛ مريم، حبيبته السابقة التي يدّعي أنها "ملاكٌ طاهر"، وأخبر الضباط أنني غير متزنة عقلياً، وأنني بحاجة لتلقي "درسٍ" يعيد إليّ صوابي.هذا هو حاله الآن أيضاً؛ متغطرس، وضجر. "هل انتهيتِ من التحديق يا زهراء؟" قطع صوت سامي البارد ضجيج المدينة، وأردف: "اركبي السيارة، نحن مغادرون".قبل شهر واحد، كنت سأركض إليه. كنت سأبكي على قميصه البا
Read more
الفصل الثاني: الدفء الذي جلبه
وجهة نظر زهراءقطعت تلك البحّة الصغيرة، الواضحة والجميلة، حبال التوتر المشدودة بيننا."ماما! لقد أحضرتُ لكِ شيئاً!"تجمّد الثلاثة في أماكنهم عند سماع ذلك الصوت العذب وغير المتوقع. التفت رأس سامي بسرعة نحو أبواب مركز الاحتجاز، وتصدع قناع الهدوء المثالي على وجه مريم لثانية واحدة. أما وليد، فقد تلاشت ملامح غضبه وحلت مكانها حيرة محضة.وقبل أن يتحرك أي منهم، اندفع صبي صغير من خلف أحد ضباط السجن. كان كالإعصار الصغير بكنزته ذات القلنسوة (Hoodie) الواسعة عليه قليلاً، متجهاً نحوي مباشرة فوق الرصيف.لم يلقِ حتى نظرة واحدة على سيارة البنتلي أو الأشخاص الواقفين بجانبها. كان عالمه كله في تلك اللحظة هو جسدي المرتجف فوق درجات السلم الإسمنتية.لفّ ذراعيه الصغيرتين حول ساقي في عناق شديد، وفي الوقت نفسه، دفع في يدي المتجمدتين طرداً صغيراً ومجعداً.كيس صغير من اللوز المحمص اشتراه من آلة البيع.. كان دافئاً."السيدة عند مكتب الاستقبال أعطتني دولاراً،" همس وصوته يحمل سراً لي وحدي. ثم نظر إليّ بعينين جادتين وأردف: "يداكِ باردتان جداً".كان دفء الكيس بمثابة صدمة، لمسة من اللطف الإنساني البسيط كوت جلدي المتجم
Read more
الفصل الثالث: الوَطَن
وجهة نظر زهراءبينما انخرطت سيارة الأوبر في زحام الطريق، وصلتني آخر شظايا عالمهم المنهار.علا صوت وليد ببهجة متكلفة: "لقد رحلت! هل يمكننا تناول الفطائر الآن يا خالة مريوم؟"تنهدت مريم بندم زائف يقطر مَكراً: "أوه، يا سامي.. أشعر بضيق شديد. كل هذا الفوضى..."وجاء رد سامي، بارداً وقاطعاً ككلمة أخيرة لا رجعة فيها: "دعيها ترحل. لقد اختارت طريقها. ستعود عندما تصفعها الحقيقة على وجهها.. هي دائماً تعود".أُغلق زجاج النافذة، واختفت أصواتهم. ضممتُ نواف إليّ بقوة أكبر. كان سامي مخطئاً؛ تلك المرأة التي كانت تعود دائماً، ماتت في زنزانة الحبس الانفرادي.كانت شقتي في "الحي القديم" هي النقيض التام لشقته الفاخرة (البرج). كانت ضيقة، مليئة بذكريات الماضي، ولكنها —بشكل لا يقبل الشك— كانت دافئة بشكل رائع.أُغلق الباب خلفنا، وأفلتني نواف أخيراً. خلع حذاءه، لتنزلق جواربه فوراً فوق الأرضية الخشبية الصلبة. ترنح قليلاً، ثم استند إلى إطار الباب ونظر حوله بعينين متسعتين. وبعد لحظة، عاد وهو يجرّ لحافاً صوفياً قديماً من خلف الأريكة. سألني: "هذا هو بيتنا؟"أومأتُ برأسي، وشعرتُ بتلك الغصة تعود لحلقي. كانت رائحة المك
Read more
الفصل الرابع: الصمت الذي خلفته وراءها
وجهة نظر ساميشعرتُ بأن شقة "البنتهاوس" غريبة في اللحظة التي خطوتُ فيها للداخل.وقفتُ في الردهة الرخامية، وشعرتُ فجأة بثقل الحقيبة في يدي. كان الهدوء طاغياً، لكنه لم يكن هدوءاً يبعث على السكينة، بل كان هدوءاً أجوف.. ذلك النوع الذي يتردد له صدى. لم تكن تفوح في الأجواء رائحة ملمع الليمون أو عطر أزهار الأوركيد البيضاء التي كانت زهراء تصرّ على وضعها في المدخل. لم تكن هناك رائحة على الإطلاق، كأنك في متحف بعد ساعات الإغلاق.قطبتُ حاجباي؛ ثمة شيء خاطئ.سمعتُ قرقعة كعب مريم خلفي، كان صوتاً حاداً ومزعجاً أكثر من اللازم. هتفت ببهجة: "أخيراً في بيتنا الجميل!"، ثم نظرت حولها وتساءلت: "أين السيدة هندرسون؟". لم يكن لمدبرة المنزل أثر. بالطبع.ألقى وليد حقيبته على الأرض بارتطام جعلني أجفل، وصرخ: "أنا جائع!"التفتت مريم ووجهت له ألمع وأبهى ابتساماتها؛ تلك الابتسامة التي كانت تنجح دائماً مع المخرجين وكتاب الأعمدة الفنية. قالت: "يا لك من مسكين! سأقوم بإعداد شيء ما لك بسرعة".كدتُ أسخر منها. "إعداد شيء ما"؟ فكرة مريم عن الطبخ هي الإشارة بإصبعها إلى قائمة الطعام. لكنني لم أقل شيئاً، كنتُ مشغولاً بالتحديق
Read more
الفصل الخامس: المقابلة
وجهة نظر زهراءتركت مكالمة سامي في عروقي رواسب باردة، لكنها لم تكن من النوع الذي أراده؛ لم تكن خوفاً، بل كانت.. وضوحاً.وضعتُ الهاتف على طاولة المطبخ المخدوشة، وكانت يدي ثابتة. في الغرفة المجاورة، كنتُ أسمع صوت خربشة أقلام التلوين الخاصة بنواف على الورق. الأصوات العادية لحياتنا الآن —الصدى في هذه الشقة القديمة، رائحة المعكرونة بالجبن الجاهزة من العشاء— كلها التفّت حولي كدرعٍ واقي.لكن كلماته كانت تملك مخالب، تنهش في جروحٍ قديمة:"أنتِ لا تملكين شيئاً".ذات مرة، كان هذا صحيحاً. كنتُ الأولى على دفعتي في جامعة كولومبيا، وكان مستقبلي عبارة عن مخطط هندسي مفتوح على كل الاحتمالات. ثم جاء وليد، صغيراً بشكل مخيف، ونظر إليّ سامي بتلك العينين اليائستين والمحبتين قائلاً: "فقط حتى يصبح أقوى.. سأعتني بكل شيء، لن تضطري للقلق". منحني البطاقة السوداء؛ منحني قفصاً ذهبياً. استبدلتُ طاولة الرسم بمواعيد الأطباء، ونقاشاتي حول التصميم المعماري بجدالات حول أفضل أنواع زبدة الفول السوداني العضوية.أقنعتُ نفسي حينها أنها تضحية من أجل الحب، وأن قيمتي قد.. غيّرت شكلها فحسب.لكنه رآني كشخصٍ بلا قيمة؛ مجرد حيوان أل
Read more
الفصل السادس: باسل شريف
وجهة نظر زهراءكان عقلي يستعرض الإجابات النموذجية للأسئلة المعتادة، لذا عندما لم يتم اقتيادي إلى طاولة عادية، بل إلى مقصورة معزولة حيث يجلس رجل يظهر ظله فقط مقابل ضوء الصباح، تعثرت خطواتي.كنتُ أعرف هذا المظهر الجانبي جيداً؛ حدة فكه الصارمة، وهالة التركيز المكثف التي بدت وكأنها تخفض درجة حرارة المكان من حوله.إنه باسل شريف.العدو اللدود لسامي. كانت خصومتهما أسطورية في عالم الأعمال. بصفتي زوجة سامي السابقة، كنتُ أراه عبر القاعات المزدحمة؛ كان كعاصفة مظلمة وصامتة في بحر من الابتسامات الفارغة. لم نتبادل يوماً أكثر من التحيات الرسمية المقتضبة؛ فقد كنتُ بالنسبة له مجرد "قطعة من أثاث" حياة سامي.والآن، أقف أمامه، بلا عمل، ويائسة.لم يرفع نظره عن جهازه اللوحي. وعندما تحدث، كان صوته يشبه الرخام المغلف بالمخمل، منخفضاً ومباشراً: "اجلسي".انزلقتُ داخل المقصورة.رفع نظره أخيراً. كانت عيناه الرماديتان الكريستاليتان الباردتان تقيمانني بلا أي علامة تعرفة أو دفء. قال: "المقابلة هي كالتالي: حددي ثلاثة عيوب تصميمية جوهرية في هذا المكان. لديكِ ثلاثون دقيقة". أشار بذقنه بشكل غامض نحو المقهى ثم عاد إلى ش
Read more
الفصل السابع: العِراك
وجهة نظر زهراءلم تكن الضوضاء القادمة من منطقة الألعاب أصوات أطفال يلعبون، بل كان صوتاً حاداً، وحشياً؛ ذلك النوع من الأصوات الذي يخترق موسيقى "الجاز" في المقهى والأحاديث المهذبة كالسِّكين.حاول قلبي أن يقفز من حنجرتي. نواف.دفعتُ جداراً من البالغين —المندهشين، المتهامسين، المتشبثين بأطفالهم الثمينين—. كل ما استطعتُ رؤيته هو شعره الداكن، وظهره الصغير المشدود كوتر القوس. كان جاثماً فوق طفل آخر، يثبته بقوة على الأرض."نواف! أنا هنا!" خرجت الكلمات مني قبل أن يستوعب عقلي تفاصيل المشهد.كان الطفل الذي تحته يرفس بساقيه، ووجهه محتقن باللون الأحمر ومتشنج. وجهٌ أعرفه في منامي.. أعرفه في نخاع عظامي.إنه وليد.تصدّع عالمي إلى نصفين. ابني الذي من صلبـي، والابن الذي اختاره قلبي، يتدحرجان فوق بساط الألعاب كأنهما مقاتلا شوارع.التقت عينا وليد بعينيّ، وكانت تسبح بدموع غاضبة. لثانية واحدة غبية ومليئة بالأمل، رأيتُ ذلك؛ الطفل الصغير الذي يحتاج لأمه. أصلحي الأمر يا ماما.ثم رأى رُعبي المتجمد، وعجزي عن الانحياز له فوراً. مات الأمل في عينيه، قُتل غدراً بالخيانة. زمجر وهو يقاوم بعنف أكبر.صرخ بصوت طفولي مبح
Read more
الفصل الثامن: الألم
وجهة نظر زهراءطاخ!كان صوت الارتطام مثيراً للغثيان. وتبع ذلك ألمٌ فوري؛ وميضٌ أبيض ساخن من الوجع انطلق من ذراعي مباشرة إلى أحشائي. تخدرت ذراعي بالكامل لثانية، ثم اشتعلت بألمٍ نابض وعميق سرق الأنفاس من رئتيّ. صرختُ وأنا أترنح، وبدأ العالم يميل من حولي."ماما!" كانت صرخة نواف رعباً محضاً.نظرتُ للأسفل. كانت كدمة أرجوانية داكنة بشعة تزهو بالفعل فوق بشرتي الشاحبة، زهرة قبيحة من الوجع.وقبل أن أتمكن من استجماع أنفاسي، تحول نواف إلى كتلة من الحركة. اختفى كل تحكمه الهادئ، وحل محله غضبٌ وحشي وحمائي. اندفع نحو وليد بصوتٍ يشبه الزمجرة."نواف، لا!" اندفعتُ نحوه، وصرخت ذراعي المصابة احتجاجاً. لمست أطراف أصابعي ظهر قميصه.لكنني كنتُ بطيئة جداً.وقف وليد متجمداً، مذهولاً مما فعله ومن صرختي. انهال نواف بقبضتيه الصغيرتين على صدره؛ ثلاث ضربات سريعة وقوية مدفوعة بالأدرينالين الخالص.استغرق الأمر ثلاث ثوانٍ فقط.ثم ظهرت هي. تجسدت مريم وكأنها خرجت من العدم، بملابسها الرياضية الفاخرة وقبعة بيسبول ونظارات شمسية ضخمة تخفي وجهها. انزلقت بينهما، وجذبت وليد نحوها، وكانت يداها ترفرفان فوقه وكأنها تتفقد مزهرية
Read more
الفصل التاسع: ليتكِ مِتِّ فعلاً
وجهة نظر زهراءعلقت الكلمات في الهواء، تسمم المساحة الفاصلة بيننا.ليتكِ مِتِّ فعلاً.لم تكتفِ تلك الكلمات بضربي، بل أذابت شيئاً ما في داخلي؛ ذلك الخيط الهش الأخير الذي كان يربطني بالصبي الصغير الذي كان عليه يوماً.قبل ستة أشهر، عاد من الصف الأول بعبوسٍ يملأ وجهه. قال: "أم جيمي محامية، وأم كلوي تصمم ألعاب فيديو.. أما أمي فهي.. تجلس في البيت فقط". كانت كلماته خنجراً صغيراً مغلفاً بصراحة الطفولة. جثوتُ على ركبتي محاولةً الشرح، وصوتي يحاول اصطناع البهجة: "ماما كانت مهندسة معمارية يوماً ما، وبارعة جداً.. سأعود للعمل قريباً، أعدك".دفع يدي بعيداً؛ رفضٌ صغير لكنه وحشي. قال: "لو لم تسرقي أبي من الخالة مريوم، لكانت هي أمي.. هي نجمة مشهورة، وكان الجميع سيحسدونني".كانت تلك هي المرة الأولى التي أسمع فيها اسمها. شعرتُ حينها وكأن حجراً سقط في معدتي، يغوص بارداً وثقيلاً.في تلك الليلة، سألتُ سامي. أنكر بالطبع، وبسلاسة مقنعة. حتى إنه عاقب وليد بالحرمان من اللعب بسبب "قلة أدبه". شعرتُ بالراحة حينها؛ يا لها من راحة غبية وعمياء.لكنني رأيتُ النظرة في عيني وليد بعد انتهاء عقابه؛ لم تكن ندماً، بل كان حِ
Read more
الفصل العاشر: ابنك
وجهة نظر زهراءكان الأثر فورياً.انقطع نحيب وليد المصطنع، ورفع رأسه فجأة، محدقاً بي بصدمة مطلقة كأنما تلقى ضربة في أحشائه. "ابنك".. لم أقل "وليد"، ولم أقل "صغيري". بل قلت: ابنك.تشنج وجهه الملطخ بالدموع، وانهار في حالة من الدمار الصامت والحقيقي. انتهى العرض المسرحي الآن؛ كانت هذه هي الحقيقة، وقد آلمته أكثر من ارتطام المقعد الخشبي.أما سامي، فلم يلمح ألم ابنه، بل لم يسمع سوى كلماتي. واشتعل على وجهه غضبٌ داكن وغير مصدق.زمجر بصوت منخفض: "ماذا أسميتِهِ للتو؟"التقيتُ بعينيه. كان الأمر غريباً؛ فطوال سنوات زواجنا المهذب والخالي من الشغف، نادراً ما رأيته يفقد أعصابه حقاً. كنتُ أظنه "بليد المشاعر". ثم تذكرتُ تلك الصورة في الصحافة الصفراء وهو يدفع مخرجاً سينمائياً نحو الجدار لأنه أهان مريم. العنف بداخله كان حقيقياً، لكنه كان مدخراً فقط لمن يهتم لأمرهم.كنتُ غارقة في ذلك التفكير لدرجة أنني لم ألحظ حركته.اندفعت يده بسرعة، وأطبقت أصابعه حول ذراعي اليسرى المصابة، فوق الكدمة المتفتحة مباشرة.انفجر ألمٌ أبيض ساخن وأعمى في جسدي. انتُزعت شهقة من حنجرتي، ورقصت النجوم أمام عينيّ من شدة الوجع.زمجر سام
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status