LOGINتأخرت صبا في العمل ذلك اليوم أكثر من المعتاد.
كانت تجلس مع كرم في قاعة الاجتماعات يناقشان تفاصيل دقيقة في المشروع. قال كرم وهو ينظر إلى الساعة: "لقد تجاوزنا التاسعة مساءً." ابتسمت صبا بإرهاق: "لم أشعر بالوقت." أجابها: "هذا لأنكِ تندمجين تماماً في العمل." أغلقت حاسوبها أخيراً. ودّعته عند باب الشركة. عاد كلٌ منهما إلى منزله. عندما دخلت صبا المنزل، كان هادئاً. توجهت إلى غرفة النوم بهدوء. وجدت سليم نائماً على السرير. بدا متعباً، وملامحه هادئة في نومه. وقفت للحظة تنظر إليه. لم تشعر بشيء واضح. ثم غيرت ملابسها واستلقت بعيداً عنه. أغمضت عينيها سريعاً. في صباح اليوم التالي، عادت صبا إلى العمل. لاحظت أن سلمى قد رجعت بعد تحسن إصابتها. كانت تتحرك بحذر لكنها تبتسم للجميع. رحبت بها صبا باحترافية. ردت سلمى بلطف مصطنع قليلاً. عند وقت الغداء، دخل سليم إلى مقر الشركة. اعتاد الموظفون على حضوره مؤخراً. كان يبحث بعينيه عن سلمى. لم يجدها في المكان المعتاد. لمح صبا تقف وحدها قرب النوافذ. تقدم نحوها بخطوات ثابتة. توقفت صبا عندما شعرت بوجوده. قال بهدوء: "أين سلمى؟" نظرت إليه بدهشة. لم تصدق أنه يسألها هذا السؤال. قالت ببرود: "لا أعلم." عقد حاجبيه: "أليست معكم اليوم؟" اشتعل شيء داخل صبا. قالت بصوت منخفض لكنه حاد: "هل تجرؤ على سؤالي عن حبيبتك؟" نظر حوله بسرعة ليتأكد أن لا أحد يسمع. همس: "اخفضي صوتك." قالت بغضب مكبوت: "وأنا ما زلت زوجتك!" أضافت: "كيف تهينني هكذا شدّ على أسنانه. أمسك بيدها فجأة. قال: "تعالي معي." حاولت سحب يدها لكنه كان حازماً. أخذها إلى سلم الطوارئ بعيداً عن الأنظار. أغلِق الباب خلفهما. سحبت صبا يدها منه بقوة. قالت: "تجاوزت الحد معي." أضافت: "هذا إهانة لا أقبلها." رد ببرود: "سلمى ليست حبيبتي." أكمل: "هي صديقة فقط." ضحكت صبا بسخرية موجعة. قالت: "أما زلت لم تخبرها بمشاعرك؟" تغيرت ملامحه فجأة. ظهر الغضب في عينيه. أدرك أنها تعلم. قال بصوت منخفض مشدود: "نعم… أحببتها." شعرت صبا بقلبها ينقبض. أكمل: "لكنني بقيت وفياً لكِ." قال بحدة: "لم أخنكِ يوماً." كادت دموعها تسقط. لكنها تماسكت بصعوبة. قالت بصوت مرتجف: "هذا لا يغير شيئاً." أضافت: "أنا أريد الطلاق." صمت فجأة. نظر إليها بصدمة واضحة. قال: "ماذا؟" أجابت بثبات مصطنع: "أطلب الطلاق يا سليم." أكملت: "لا أستطيع الاستمرار هكذا." مد يده وكأنه يريد إيقافها. لكنها ابتعدت بسرعة. قالت: "كفاية… تعبت." فتحت الباب قبل أن يرى دموعها. خرجت مسرعة من السلم. تركته واقفاً مكانه مذهولاً. في تلك اللحظة، كانت سلمى قد عادت إلى الطابق. أخبرها أحد الموظفين أن سليم حضر. وأضاف: "أخذ صبا معه إلى سلم الطوارئ." استغربت سلمى قليلاً. لم تربط الأمر بشيء خطير. لكنها اتجهت نحو السلم. عند اقترابها، رأت الباب يُفتح. خرجت صبا بسرعة. لمحت نصف وجهها فقط. كانت عيناها حمراوين. بدت وكأنها كانت تبكي. توقفت سلمى مكانها. ترددت في مناداتها. لكنها رأت صبا تغير اتجاهها بعيداً عنها. بدأ الشك يتسلل إلى قلبها. بعد ثوانٍ، خرج سليم من السلم. لمح سلمى تقف هناك. عاد إلى ملامحه الهادئة. قالت سلمى بنبرة عادية: "كنت أبحث عنك." أجاب: "لنذهب لتناول الغداء." لم يسألها إن رأت شيئاً. ولم تجرؤ هي على سؤاله. غادرا معاً وكأن شيئاً لم يحدث. أما صبا، فتوجهت مباشرة إلى الحمام. أغلقت الباب خلفها. نظرت إلى انعكاسها في المرآة. كانت دموعها تنساب بصمت. مسحتها بسرعة. قالت لنفسها: "كنتِ تعرفين الحقيقة." حاولت استعادة هدوئها. غسلت وجهها بالماء البارد. أعادت ترتيب ملامحها. خرجت من الحمام وكأن شيئاً لم يكن. عادت إلى مكتبها. لاحظ كرم شحوب وجهها فوراً. اقترب منها بقلق. قال: "هل أنتِ بخير؟" أجابت بابتسامة باهتة: "نعم." لم يقتنع. قال: "لم تتناولي الغداء بعد، أليس كذلك؟" هزت رأسها نفياً. قال بلطف: "تعالي نتناول الغداء معاً." ترددت للحظة. لكنها لم ترغب بالبقاء وحدها. قالت بهدوء: "حسناً." خرجا معاً من المكتب. كان كرم يمشي بجانبها بصمت داعم. لم يسألها عن شيء. لكنه كان يمنحها مساحة آمنة. شعرت بشيء من الطمأنينة بقربه. لأول مرة، لم تشعر بأنها وحدها تماماً.كانت صبا في غرفتها، وقد انتهت من قراءة الكتب التي أمامها.أغلقت الكتاب الأخير، ووضعته جانبًا على الطاولة، ثم استلقت على السرير وأسندت رأسها إلى الوسادة.بقيت للحظات تنظر إلى السقف، قبل أن تلتفت إلى الساعة.زفرت بهدوء.كان سليم قد تأخر في العودة إلى المنزل.لم يكن من عادته أن يتأخر إلى هذا الوقت، لذلك تساءلت في داخلها عن سبب غيابه، وإن كانت لم تهتم كثيرًا بالأمر.ربما لديه عمل.أو ربما حدث شيء في الشركة.لكنها لم تجد سببًا يدعوها للانشغال به.أغمضت عينيها، وبعد وقت قصير، غلبها النوم.---في منتصف الليل، فتحت صبا عينيها ببطء.احتاجت إلى لحظات حتى تستوعب المكان من حولها.ثم شعرت بوجود شخص إلى جوارها.اتسعت عيناها عندما رأت سليم نائمًا على السرير.بعدها استنشقة رائحته بقيت تنظر إليه بدهشة.لماذا ينام هنا؟كانت هذه غرفتها.وكان بإمكانه أن يذهب إلى غرفة الضيوف، كما اعتاد قبل أن يحضر والده.رفعت يدها قليلًا، وكادت أن توقظه وتسأله عن السبب، لكنها توقفت قبل أن تلمسه.أعادت النظر إليه.كان نائمًا بهدوء، وملامحه مختلفة عن تلك التي تراها عادة عندما يكون مستيقظًا.لم تعرف لماذا ترددت.لكنها في ال
كانت فرح تجلس في مكتبها، والهاتف بين يديها.بقيت للحظات تحدق في الشاشة دون أن تفعل شيئًا، وكأنها تفكر في الخطوة التالية جيدًا قبل أن تقدم عليها.ثم نهضت من مكانها.اتجهت نحو الباب وأغلقته بالمفتاح، وبعدها تحركت في أرجاء المكتب، وأغلقت جميع النوافذ بإحكام.تأكدت مرة أخرى من أن المكان أصبح مغلقًا تمامًا، قبل أن تعود إلى مكتبها وتجلس.أخرجت هاتفها، وبدأت بتنزيل تطبيق لتغيير الصوت.انتظرت حتى اكتمل التثبيت، ثم فتحته واختارت صوت رجل.جربت الصوت أكثر من مرة.استمعت إليه، ثم أعادت التجربة، إلى أن تأكدت من أن الصوت أصبح مختلفًا تمامًا عن صوتها.بعدها أخذت الهاتف الثاني.الهاتف الذي كانت تستخدمه للتواصل مع كامل.ظلت تنظر إلى شاشته للحظات، ثم ضغطت على رقم كامل.بدأ الهاتف في الجهة الأخرى يرن.انتظرت فرح، بينما كانت عيناها معلقتين بالشاشة.وفي الجهة الأخرى، أجاب سليم.لكنه لم يقل شيئًا.بقي صامتًا، ينتظر أن يتحدث الطرف الآخر.مرت عدة ثوانٍ.ثم جاءه صوت رجل:"مرحبًا، سليم."لم يجب سليم.ظل صامتًا للحظات أخرى، ثم قال:"من أنت؟"ابتسمت فرح ابتسامة خالية من الفرح.لقد كانت تشك فقط في أن سليم وصل إلى
أخذ سليم هاتف كامل معه قبل أن يغادر المكان.وقبل أن يتجه إلى الباب، أخرج بعض المال ووضعه أمام كامل.نظر كامل إلى المال باستغراب، وكأنه لم يفهم سبب تركه له.قال سليم بهدوء:"هذا ثمن الهاتف."لم يضف شيئًا بعدها، بل استدار واتجه نحو الباب.خطا بضع خطوات، لكنه توقف قبل أن يخرج.ظل واقفًا للحظة، ثم التفت إلى كامل.كانت نظرته باردة وحازمة، خالية من أي تردد.قال:"أنا لم أسامحك بعد."بقي كامل صامتًا.تابع سليم بعد لحظة:"وستحاسب على فعلتك هذه."لم ينتظر منه ردًا.استدار مرة أخرى، وخرج من المكان.ولم يتأخر قادر في الخروج خلفه، فأغلق الباب وتبعه مباشرة.---في المنزل، كانت صبا تجلس بهدوء، بينما كان رائد يقف أمامها ممسكًا بحقيبته، وقد بدا واضحًا أنه يستعد للمغادرة.قال وهو ينظر إليها:"كنت أريد البقاء لمدة أطول، خصوصًا في وضعك الحالي، لكن العمل يناديني."ثم تنهد، وعدل حقيبته قليلًا قبل أن يتابع:"لدي الكثير على عاتقي، ويجب أن أحلها بنفسي. لقد تأخرت كثيرًا."نظرت إليه صبا بابتسامة خفيفة.كان واضحًا أنها تفهم سبب اضطراره للمغادرة، رغم أنها كانت تفضل لو بقي لبعض الوقت.اقترب منها رائد، ثم قال بنبر
جلس سليم أمام كامل بهدوء، مستندًا إلى مقعده، بينما كانت ملامحه تحمل تلك الكاريزما الهادئة التي تجعل من أمامه يشعر بالتوتر حتى دون أن يرفع صوته.ظل ينظر إليه للحظات، ثم قال:"ماذا فعلت في آخر ليلة عملت فيها؟"أجابه كامل بسرعة:"قمت بعملي فقط."ظل سليم ينظر إليه، ثم قال بنبرة هادئة:"يبدو أنك لم تفهم ما أقصد."ساد الصمت للحظة، قبل أن يتابع:"سأغيّر السؤال... لماذا قمت بالاستقالة مباشرة بعد الحفل؟"أجاب كامل:"بسبب ظروف شخصية."اقترب سليم منه قليلًا، وقال:"ليس لأنك خائف؟"هز كامل رأسه سريعًا."لا... لم أفعل شيئًا حتى أخاف."بقي سليم صامتًا للحظات، ثم سأله:"هل تعلم من هي صبا؟"تغيرت نظرة كامل للحظة.لحظة صغيرة، لكنها لم تمر على سليم.سرعان ما قال كامل:"لا... من هي؟"ابتسم سليم.لم يجب.بدلًا من ذلك، مد يده وأخرج هاتفه، ثم فتح مقطع فيديو.كان الفيديو يظهر كامل وهو يحضر الكأس إلى سليم.وضعه أمامه، ثم ابتعد.أما سليم، فلم يشرب منه.ظل كامل يحدق في الشاشة.لم يكن في الفيديو ما يُظهر أن كامل وضع شيئًا في الكأس، لكن مجرد رؤية المشهد كانت كافية.رفع سليم عينيه عن الهاتف ونظر إليه.في تلك اللح
بعد وقت قصير... كانت سيارة سليم تشق الطريق بسرعة. كان ذهنه منشغلًا بالرجل الذي ظهر فجأة. النادل. الرجل الذي كان موجودًا في الليلة التي تناولت فيها صبا الشراب الذي أفقدها وعيها. منذ ان عرف ، وسليم يبحث عنه. لكن الرجل اختفى دون أثر. كل خيط قاد إليه كان ينتهي بلا نتيجة. والآن، بعد كل هذه المدة، ظهر فجأة في مكان بعيد عن المدينة. لم يعتبر سليم ذلك صدفة. كان هناك شيء يعرفه هذا الرجل. شيء يمكن أن يفسر جانبًا آخر مما حدث. وربما... ضغط سليم على دواسة الوقود أكثر. كان يريد الوصول إليه قبل أن تتاح له فرصة للاختفاء مرة أخرى. --- توقفت السيارة أمام موتيل قديم يقع بعيدًا عن وسط المدينة. كان المكان شبه مهجور. مبنى منخفض بلون رمادي باهت، تحيط به أشجار يابسة وأرض غير مستوية. بعض النوافذ كانت مكسورة، والممر الخارجي تغطيه طبقة من الغبار. أما اللافتة القديمة المعلقة فوق المدخل، فكانت تومض بضوء ضعيف ومتقطع. ترجل سليم. أغلق باب السيارة خلفه، ثم نظر إلى المبنى للحظة. لم يكن هناك ما يوحي بأن أحدًا يعيش هنا. لكنه لم يتردد. دخل. كان المكان هادئًا بشكل غريب. مصباح واحد في الممر يصدر ض
مرت عدة أيام... ومنذ خروج صبا من المستشفى، بدأت حالتها تتحسن تدريجيًا. استقر الحمل، واختفت معظم الأعراض التي أرعبتها في الأيام الماضية، ولم يعد الألم يلازمها كما كان في البداية. ومع ذلك، ظل الطبيب يكرر عليها التعليمات نفسها في كل مرة يطمئن فيها على حالتها: تجنب الإرهاق. تجنب الضغط النفسي. والأهم... ألا تتعامل مع تحسنها وكأنه يعني أن عليها العودة إلى حياتها السابقة دون أي تغيير. لكن صبا لم تكن من النوع الذي يعرف كيف يبقى بعيدًا عن العمل طويلًا. وبمجرد أن شعرت بأنها استعادت جزءًا كبيرًا من قوتها، عادت إلى الشركة. في اليوم الأول، حاول الجميع إقناعها بأن تمنح نفسها مزيدًا من الوقت. ندى كانت أكثر من أصر على ذلك، وكرم لم يفوت فرصة ليذكرها بتعليمات الطبيب، وحتى بعض الموظفين بدوا مترددين في تحميلها أي عمل. لكن صبا لم تستمع لأحد. عادت إلى مكتبها، وضعت حقيبتها جانبًا، ثم فتحت الملفات المتراكمة أمامها. كانت الأعمال قد تراكمت خلال فترة غيابها، والمشاريع لم تتوقف فقط لأنها كانت في المستشفى. وبالنسبة إليها، كان أفضل ما يمكن أن تفعله هو العودة إلى روتينها الطبيعي. بدأت أولًا بالملفا
بعد تناول الغداء، عادت صبا إلى العمل مع كرم.كان الصمت بينهما مريحاً هذه المرة.جلست خلف مكتبها وبدأت تكمل ما تبقى من مهام اليوم.لم تسمح لأفكارها أن تشتتها.ركزت على الملفات أمامها بدقة.مرّ الوقت سريعاً دون أن تشعر.انتهى الدوام أخيراً.أغلقت حاسوبها بسرعة.حملت حقيبتها وخرجت مسرعة من الشركة.طوا
خرجت صبا من المستشفى برفقة كرم بعد الاطمئنان على إصابتها.كان المساء قد بدأ يرخي ستاره على المدينة.التفت إليها كرم بنبرة جادة قائلاً: "يجب أن تعودي إلى المنزل وترتاحي."رفعت صبا يدها المصابة قليلاً وقالت: "إنها مجرد التواء بسيط."عقد حاجبيه قائلاً: "الطبيب أوصى بالراحة."ابتسمت بخفة: "الطبيب قال ر
عادت صبا إلى المنزل في وقت متأخر من المساء. فتحت الباب بهدوء ودخلت إلى الداخل. لاحظت أن المنزل كان ساكناً تماماً. لم تجد أي أثر لوجود سليم. لم تشعر بالدهشة هذه المرة. اعتادت غيابه المستمر في الفترة الأخيرة. توجهت مباشرة إلى غرفة النوم. جلست على حافة السرير تفكر بهدوء. كانت تعلم أنها يجب أن
جلست صبا أمام حاسوبها تحاول التركيز في العمل.لكنها كانت تفكر فيما حدث قبل قليل.استغربت من برود مشاعرها عندما رأت سليم يصطحب سلمى لتناول الغداء.توقعت أن تشعر بالغيرة أو الألم.لكنها لم تشعر سوى بهدوء غريب.أدركت أن شيئاً ما تغيّر داخلها.بدأت تقتنع بأنها فعلاً تتخطى حبها له.شعرت بشيء من الراحة ر







