LOGINالحقيقة التي أخفاها آدم
لم تستطع ليان النوم تلك الليلة. كانت مستلقية على سريرها تنظر إلى سقف غرفتها، بينما تدور عشرات الأفكار داخل رأسها. صورة سارة و هي تمسك بذراع آدم لم تفارق خيالها. حاولت إقناع نفسها أن الأمر لا يعني شيئًا. لكن قلبها كان يرفض التصديق. تنهدت و أغلقت عينيها. ـ ليه بتفكري فيه أصلًا؟ همست لنفسها. لكنها كانت تعرف الإجابة. لأن آدم لم يعد مجرد صديق بالنسبة لها. أصبح أهم من ذلك بكثير. في صباح اليوم التالي وصلت إلى الجامعة و هي تشعر بالإرهاق. لم تنم سوى ساعات قليلة. و ما إن دخلت الحرم الجامعي حتى رأت آدم يتجه نحوها. ابتسم فور رؤيتها. لكن ابتسامته اختفت عندما لاحظ ملامحها المتعبة. ـ إنتِ كويسة؟ ـ أيوة. ـ شكلك تعبان. ـ عادي. نظر إليها للحظات. ثم قال: ـ لا مش عادي. لكنها غيرت الموضوع بسرعة. ـ عندنا محاضرة. و أكملت طريقها. ظل آدم يراقبها وهي تبتعد. و كان متأكدًا أن هناك شيئًا يحدث. شيء لا تخبره به. في فترة الاستراحة كانت ليان جالسة مع مريم. و فجأة جاءت نور و جلست معهما. ابتسمت نور. ـ عاملة إيه يا ليان؟ ـ الحمد لله. لاحظت نور هدوءها غير المعتاد. لكنها لم تعلق. و بعد دقائق سألت مريم فجأة: ـ هو صحيح إن سارة معجبة بآدم؟ رفعت نور حاجبها. ـ من زمان جدًا. تجمدت ليان. بينما أكملت نور: ـ تقريبًا من أول سنة في الجامعة. ـ و آدم؟ سألت مريم. ضحكت نور. ـ آدم؟ عمره ما شافها غير زميلة. شعرت ليان ببعض الراحة. لكن ليس بالكامل. في الجهة الأخرى... كان آدم يجلس مع صديقه كريم. فقال كريم فجأة: ـ هتفضل ساكت لحد إمتى؟ ـ عن إيه؟ ـ ليان. تنهد آدم. ـ كريم. ـ لا بجد. ـ مش وقته. ضحك كريم. ـ إنت بقالك شهور بتقول مش وقته. سكت آدم. ثم نظر بعيدًا. ـ في حاجات لازم تتحل الأول. ـ زي إيه؟ صمت للحظة طويلة. قبل أن يقول: ـ الماضي. لم يفهم كريم قصده. لكن آدم كان يعرف جيدًا ما يقصده. كان هناك سر لم يخبر به أحدًا تقريبًا. سر يعود إلى سنوات مضت. قبل أن يدخل الجامعة. قبل أن يصبح الشخص الذي يعرفه الجميع الآن. في المساء... عاد آدم إلى المنزل. و صعد إلى غرفته. فتح أحد الأدراج القديمة. و أخرج صندوقًا صغيرًا. ظل ينظر إليه لثوانٍ. ثم فتحه ببطء. في الداخل كانت توجد صور قديمة ورسائل و ذكريات كثيرة. أشياء حاول نسيانها. لكنه لم يستطع. أخذ صورة معينة بين يديه. و نظر إليها طويلًا. ثم أغلق عينيه. في اليوم التالي... كانت ليان خارجة من المكتبة عندما رأت آدم يجلس وحده في الحديقة. كان شاردًا بشكل غريب. على غير عادته تمامًا. ترددت للحظة. ثم اقتربت منه. ـ آدم؟ انتبه فجأة. ـ ليان. ـ مالك؟ ابتسم ابتسامة صغيرة. ـ مفيش. جلست بجواره. ـ أنا عرفتك كويس. لما بتقول مفيش بيبقى في. نظر إليها. و لأول مرة شعر أنه يريد أن يخبرها بالحقيقة. لكن الخوف من رد فعلها منعه. بعد لحظات من الصمت قال: ـ ليان. ـ نعم؟ ـ عمرك ندمتي على حاجة؟ فكرت قليلًا. ـ أكيد. ـ و إيه أصعب ندم؟ نظرت أمامها. ـ إني وثقت في ناس غلط. ابتسم بحزن. ـ و أنا كمان. شعرت أن كلماته تحمل شيئًا أعمق من مجرد حديث عادي. و قبل أن تسأله أكثر... ظهر شخص لم يكن أي منهما يتوقعه. سارة. اقتربت بخطوات سريعة. و كان الغضب واضحًا على وجهها. ـ آدم. وقف بهدوء. ـ خير؟ نظرت إلى ليان ثم عادت إليه. ـ محتاجة أتكلم معاك لوحدنا. ـ قولي هنا. ازداد غضبها. ـ لو سمحت. تنهد آدم. ثم قال: ـ تمام. و غادر معها. بعد دقائق قليلة... كانت سارة تقف أمامه بعيدًا عن الجميع. ـ إنت بتحبها؟ سألته مباشرة. تجمد للحظة. ـ مين؟ ـ ليان. نظر إليها بصمت. و كان هذا الصمت كافيًا. ابتسمت بسخرية. ـ فهمت. ـ سارة. ـ لا متقولش حاجة. ثم أضافت: ـ بس خلي بالك. رفع حاجبه. ـ من إيه؟ نظرت إليه نظرة غامضة. وقالت: ـ من الحقيقة اللي هي متعرفهاش. شعر آدم بالقلق فورًا. ـ تقصدي إيه؟ لكنها ابتسمت فقط وغادرت. بقي واقفًا مكانه. و قلبه ينبض بسرعة. لأن سارة لم تكن تتحدث عن أي حقيقة. كانت تتحدث عن سره. السر الذي لم يخبر به ليان. السر الذي يخشى أن يدمر كل شيء بينهما إذا عرفته. و في تلك اللحظة فقط... أدرك آدم أن الماضي الذي حاول الهروب منه بدأ يعود من جديد. و قد يهدد علاقته بليان قبل أن تبدأ أصلًا. السر الذي قد يفرق بينهما ظل كلام سارة يتردد في عقل آدم طوال اليوم. "خلي بالك من الحقيقة اللي هي متعرفهاش." كان يعلم جيدًا ما تقصده. بل و يعلم أكثر أنها إذا قررت كشف ذلك السر بنفسها، فقد يخسر ليان للأبد. لأول مرة منذ شهور شعر بالخوف. خوف حقيقي. ليس على نفسه. بل على علاقته بها. أما ليان فكانت تراقبه من بعيد. منذ أن عاد من حديثه مع سارة وهو مختلف. صامت. شارد. و لا يبتسم كما اعتاد. حاولت تجاهل الأمر في البداية. لكنها لم تستطع. كانت تعرفه جيدًا الآن. و عرفت أن هناك شيئًا يزعجه. انتهى اليوم الدراسي. و كانت ليان تستعد للمغادرة عندما وصلتها رسالة منه. "ممكن نتكلم شوية؟" نظرت إلى الرسالة باستغراب. ثم كتبت: "أكيد." بعد دقائق كانت تجلس معه في الحديقة. الجو كان هادئًا. و الشمس بدأت تميل نحو الغروب.الاختيار المستحيلوقف آدم في مكانه، و عيناه لا تفارقان الرجل الذي اختفى خلف الباب السري."أنا عمك ياسر."كانت الجملة تتردد في رأسه بلا توقف.طوال حياته كان يعتقد أن والده لم يكن له سوى أخ واحد توفي منذ سنوات طويلة، و لم يتحدث أحد عنه مرة أخرى.فلماذا ظهر الآن؟و لماذا في هذا الوقت تحديدًا؟اقترب المحقق سامح منه و وضع يده على كتفه.ـ آدم... متتحركش لوحدك.أنت متعرفش ده مين و لا ناوي على إيه.ظل آدم صامتًا للحظات، ثم قال:ـ لو فعلًا عمي... يبقى عنده إجابات أنا بدور عليها من سنين.رد المحقق بحزم:ـ و ممكن يكون بيحاول يوقعك في فخ جديد.نظر آدم إلى الباب السري، ثم تنهد.ـ أنا هروح... لكن مش لوحدي.هز المحقق رأسه موافقًا.ـ تمام... كلنا هندخل.في الجهة الأخرى...كان ياسر يسير داخل ممر طويل تحت الأرض.لم يكن ينظر خلفه، و كأنه واثق أن آدم سيلحق به.وصل إلى غرفة واسعة تتوسطها طاولة خشبية قديمة.فوق الطاولة...إطار صورة.رفع الصورة بين يديه.ابتسم بحزن.كانت صورة تجمعه بوالد آدم قبل أكثر من ثلاثين عامًا.قال بصوت خافت:ـ سامحني يا أخويا...أنا اتأخرت أوي.عاد المشهد إلى آدم.دخل مع المحقق ورجال
الوجه الذي سقط عنه القناعارتفعت صفارات الإنذار في جميع أنحاء السرداب.كانت الأضواء الحمراء تومض بسرعة، بينما دوى صوت معدني غليظ في المكان:"تم تفعيل نظام الإغلاق."نظر رجال الشرطة إلى الباب الحديدي، و حاول اثنان منهم فتحه بكل قوتهما، لكنه لم يتحرك و لو سنتيمترًا واحدًا.قال أحد الضباط و هو يلهث:ـ الباب مقفول إلكترونيًا!ضرب المحقق سامح الباب بقبضته و قال:ـ دوروا على أي مخرج تاني!انتشر رجال الشرطة في أنحاء الغرفة، يفتشون كل زاوية، بينما ظل آدم واقفًا في مكانه، و عيناه معلقتان بالصورة القديمة التي وجدها.كانت الصورة تضم والده، و عمر، و سليم... و الرجل المجهول.لم يكن وجهه غريبًا.بل كان مألوفًا بشكل صادم.همس آدم:ـ مستحيل...اقترب منه المحقق.ـ آدم... مين الراجل ده؟رفع آدم الصورة ببطء.و قال بصوت متردد:ـ اسمه... فؤاد.قطب المحقق حاجبيه.ـ فؤاد مين؟ابتلع آدم ريقه.ـ كان المستشار القانوني للشركة.و أقرب صديق لوالدي.بل... كنت بناديه "عمو فؤاد".ساد الصمت.لم يصدق أحد ما سمعه.في الجهة الأخرى...داخل فيلا فاخرة خارج المدينة...كان رجل يجلس أمام شاشة ضخمة، يتابع كل ما يحدث داخل السر
اعتراف زيادكانت سيارات الإسعاف و الإطفاء قد غادرت المكان منذ ساعات، لكن رائحة الدخان ما زالت عالقة في الهواء، و كأنها ترفض أن تغادر مع أسرار ذلك المنزل.جلس آدم في غرفته بالمستشفى، و ذراعه ملفوفة بالضمادات، بينما كان ينظر بصمت إلى النافذة.كل ما حدث في الأيام الماضية كان يدور في رأسه بلا توقف.سليم... خالد... دفتر المذكرات... و الانفجار.و قبل كل ذلك...الورقة التي كُتب عليها: "الأخ الأكبر."طرق أحدهم الباب.دخل المحقق سامح يحمل ملفًا سميكًا.ابتسم ابتسامة خفيفة.ـ عامل إيه؟رد آدم وهو يعتدل في جلسته:ـ أحسن.بس دماغي مش واقفة.جلس المحقق أمامه.ثم قال:ـ عندي خبر ممكن يغير القضية كلها.نظر إليه آدم باهتمام.ـ إيه هو؟فتح المحقق الملف.ثم قال بهدوء:ـ زياد طلب يقابلك بنفسه.تجمد آدم.ـ يقابلني؟ـ أيوة.و قال إنه مش هيتكلم مع أي حد غيرك.بعد ساعة...دخل آدم غرفة التحقيق.كانت الإضاءة خافتة.و في الجانب الآخر من الطاولة...جلس زياد.بدا مختلفًا تمامًا.لحيته أصبحت أطول.و عيناه مرهقتان.و لأول مرة...لم يكن في ملامحه أي غرور.رفع رأسه عندما دخل آدم.و قال بصوت هادئ:ـ اتأخرت.جلس آدم أ
الفخكانت عقارب الساعة تتحرك ببطء شديد، وكأن الزمن نفسه قرر أن يختبر صبر آدموقف أمام المنزل المهجور الذي وصل إليه بعد تتبع آخر خيط يقوده إلى سليم. كان المكان يقع في أطراف المدينة، بعيدًا عن الضوضاء، تحيط به أشجار يابسة وسور حديدي صدئ، بينما كانت النوافذ المكسورة تجعل المبنى يبدو كأنه مهجور منذ عشرات السنين.أوقف سيارته على بعد أمتار، وأطفأ المحرك.ظل ينظر إلى المنزل للحظات.كل إحساس بداخله كان يخبره أن هناك شيئًا غير طبيعي.لكن بعد كل ما مر به...لم يعد يخاف.ترجل من السيارة، و أغلق الباب بهدوء، ثم بدأ يتقدم بخطوات حذرة.كانت الرياح تحرك أغصان الأشجار، فتُصدر أصواتًا مخيفة تزيد المكان رهبة.وصل إلى الباب الرئيسي.كان مفتوحًا قليلًا.تبادل نظرة سريعة مع المكان، ثم همس:ـ يا رب...و دفع الباب ببطء.صدر صرير قوي كسر صمت المنزل.دخل آدم.كانت الأرضية مغطاة بالغبار، و آثار الأقدام القديمة تظهر في أكثر من اتجاه.انحنى قليلًا، و مرر يده فوق أحد الآثار.همس:ـ حد كان هنا من وقت قريب...رفع رأسه، و بدأ يتجول داخل المنزل.في الطابق العلوي...كان رجل يقف خلف نافذة مكسورة، يراقب آدم منذ دخوله.
سليموقف آدم في منتصف الشارع، و الورقة ما زالت بين أصابعه.قرأ الاسم مرة أخرى."سليم."لم يكن الاسم غريبًا عليه.بل كان يحمله معه في ذاكرته منذ سنوات.لكن كيف؟و لماذا عاد الآن؟اقترب المحقق منه.ـ مكتوب إيه؟ناول آدم الورقة إليه.قطب المحقق حاجبيه.ـ سليم؟أومأ آدم ببطء.ـ كنت فاكر إنه اختفى من زمان.ـ تعرفه؟تنهد آدم.ـ أيوة...سليم كان السكرتير الخاص لوالدي.و كان أكتر شخص والدي بيثق فيه.ساد الصمت.ثم قال المحقق:ـ يعني كان موجود وقت كل اللي حصل؟ـ أيوة.بل هو آخر واحد شاف والدي قبل ما يستقيل و يختفي فجأة.في صباح اليوم التالي...انتشرت قوات الشرطة حول الشركة القديمة.بدأ فريق الأدلة الجنائية يجمع أي شيء لم تدمره النيران.و بين الركام...عثر أحد الضباط على كاميرا مراقبة محترقة جزئيًا.أسرع بها إلى المحقق.قال:ـ يمكن نقدر نطلع منها أي تسجيل.ابتسم المحقق لأول مرة منذ أيام.ـ ابعتوها للمعمل فورًا.في الوقت نفسه...كانت ليان تجلس مع والدتها في المنزل.لكن عقلها لم يكن حاضرًا.كل ما حدث خلال الأيام الماضية جعلها تعيش في خوف دائم.قالت والدتها وهي تلاحظ شرودها:ـ مالك يا ليان؟ابتسمت
مفتاح الحقيقةخرج آدم من المستشفى و هو يقبض على المفتاح الصغير بقوة.ظل ينظر إليه طوال الطريق.كان مفتاحًا قديمًا من النحاس، تتدلى منه قطعة معدنية صغيرة نُقش عليها الرقم:17همس لنفسه:ـ يا ترى إيه اللي مستخبي من أربع سنين؟في الجهة الأخرى...كان خالد يقف داخل مكتبه الفخم.دخل عليه الرجل الذي كان يتنكر في زي عامل النظافة.انحنى باحترام.ـ آدم خد المفتاح.ابتسم خالد بهدوء.ـ زي ما توقعت.ـ نمنعه؟هز خالد رأسه بالنفي.ـ لا...خليه يوصل للخزنة بنفسه.الرجل استغرب.ـ ليه؟اقترب خالد من النافذة.و قال بابتسامة غامضة:ـ لأن الخزنة مش فيها الحقيقة بس...فيها الفخ كمان.في المساء...اتصل آدم بليان.ـ محتاج أشوفك.ردت بسرعة:ـ أنا جاية.بعد نصف ساعة...كانت تجلس أمامه في الكافيه المعتاد.لاحظت أنه يمسك شيئًا في يده.ـ إيه ده؟فتح كفه.فظهر المفتاح.ـ ده مفتاح خزنة.قالها وهو ينظر إليه.ـ عادل قالي إن فيها الدليل اللي هيخلص كل حاجة.ابتسمت ليان.ـ يبقى لازم تفتحها.تنهد.ـ عندي إحساس إن الموضوع مش سهل.ـ و أنا عندي إحساس إنك هتقدر.ابتسم وهو ينظر إليها.وجودها بجانبه كان يمنحه قوة غريبة.في صبا







