تسجيل الدخولتي جيهالصمت عقاب عظيم؛ اصمت، وسيفقدون جميعًا صوابهم.وهذه كانت طريقتي منذُ أن صعدت للطائرة حتى دخلت مكتب المحامي. جلستُ على كرسي جلدي فاخر داخل غرفة اجتماعات في مكتب محامي كبير وسط مدينة سياتل. كان الهوّاء ممتلئ برائحة القهوة والتشفي والثقة.يجلس بجواري أبي، وبجانبنا ثلاثة من أشرس محامي الولاية الذي أرسلهم جدي ليحموا مستقبلي.وعلى الجانب الآخر من الطاولة المستديرة، كان يجلس جاك وعمه.كان منظر جاك مزريًا للغاية، منظر يستحقه؛ ضمادات تغطي جبهته، ورقبة حول عنقه، وجبس يلتف حول ذراعه الأيمن، وكدمات زرقاء وأرجوانية تشوه وجهه بالكامل. ورغم ذلك، كانت هناك ابتسامة شامتة ومقززة ترتسم على شفتيه المنتفختين.كان محاميه رجلًا متصنعًا بالكامل وشديد الغرور، معروف باقتناص التعويضات المالِية المليونية من الشخصيات العامة حسب ما قاله أحد المحامين الثلاثة عنه في السيارة في طريقنا لهنا. بدأ محامي جاك الحديث بنبرة ساخرة هادئة، محركًا أوراقه على الطاولة:-يا لها من مفاجأة، ثلاثة من كبار المحامين لأجل شاب وقضية ضرب! بداية قوية جدًا يا دكتور مونرو.. ولكن..أشار المحامي بيده نحو جاك، وأردف بتلذذ:-شكل موكلي
جود في تلك اللحظة، لم أعد أحتمل. فتحتُ باب الغرفة بهدوء وخرجتُ إليهما، جمدت ناتالي في مكانها، وتفاجئ تومي. نظرتُ إليهما بهدوء وتساءلت بصوت بارد: -ما الذي يجب عليَّ أن أعرفه بالضبط؟ حاولت ناتالي التراجع بسرعة وارتبكت: -لا شيء يا جود، موضوع غير مهم بالمرة، تومي فقط يبالغ. قاطعها بصرامة وهو ينظر لي: -لا، الموضوع مهم للغاية، وأنا أرى أنه يجب أن تعرفي كل شيء. بدأ الاثنان يتكلمان في وقت واحد، وتداخلت أصواتهما بعصبية متصاعدة، حتى شعرتُ برأسى يكاد ينفجر من الضغط. رفعتُ يدي وصرختُ في منتصف الردهة اوقفهما: -اصمتا كِلاكما! ساد صمت مفاجئ, التفتُّ نحو تومي، ونظرتُ في عينيه وسألتُه بنبرة حازمة لا تقبل المناورة: -ماذا هناك يا تومي؟ ما الذي حدث؟ تنهدت ناتالي بقلة حيلة وزفرت بعصبية، كأنها تمت محاصرتها في زاوية ضيقة لا مخرج منها، فهربت، التفتت مولية ظهرها إلينا. نظر تومي لي وهمس بهدوء ثقيل: -جاك يريد رفع قضية جنائية ضد تي جيه، لأنه ضربه ضربًا مبرحًا ونقله إلى المشفى على أثره. اتسعت عيني بصدمة، شعرتُ بالدوار يسري في رأسي، وهززت رأسي دون استيعاب: -ضربًا مبرحًا؟! أنا..
جود لقد قررت المضي حول هذه الحفلة. قاعدتي الذهبية؛ تظاهر بالأمر حتى تحققه. أجل؛ لقد بكيت في السيارة لخمسة وثلاثين دقيقة، ثم تركت المشاعر تتموج عائدة نحو صدري، تغلي ثم تخبو خامدة فيتساوى كل شيء أمامي. عدت للبيت، أخذت حمام بارد، وجلست في الفراش مع كأس صودا ليمون مثلج، وشاهدت الموسم الأول من "هارت أوف ديكسي" اثنين وعشرين حلقة في ثمانية عشر ساعة، طلبت الطعام ثم أرسلت لي ناتالي أنها ستقضي الليلة عند تومي، ثم طلبت المزيد من الطعام، ثم سقطت في النوم بعد الحلقة الأخيرة. استيقظت بحالة أفضل، مرحلة تظاهر أكثر إتقان، وقررت ألا أتحدث عما حدث. لن أفكر فكيف بدا مختلف، اختفت النظرات المغرورة، الثقة المندفعة، ولم يكن به شيئا سوى إنهاك، فقدان للطاقة والشغف والقدرة على تكوين جملة مفيدة، ليس وكأنه يملك واحدة. ولكنني غير مهتمة على الإطلاق، غير مهتمة بأنه كان يعاني حمى واضحة، بشرته كانت مشتعلة، عيناه نصف ناعسة بسبب التعب، لأنه أمر لا يخصني. خمسة أيام مرّت وأنا أتحرك كأن الأمور اعتيادية، أخرج في الصباح، أذهب إلى الصالة الرياضية، أركض حتى تخور قواي، ثم أعود البيت، أفكر في خطوتي التالية
تي جيه فوضى مغلفة برؤية أوضح ماذا أريد؟ أريدها ولكن لا يمكنني حتى التواجد في مكان هي فيه بالصدفة، لا أعرف ماذا أقول، كيف أقول، أو إن كنت أستحق فرصة. ولكن كيف يمكن أن أعيش إذا لم أحاول؟ رأسي يدور بسرعة تكاد تسقطني. ما رأيته من أبي منحنى صورة أعمق، ولكنه لا يعرف كل شيء، هناك أشياء أحملها وحدي، وأن أخبره بعد أن عقد سلامه بالطريقة التي تريحه سيكون واحد من أحكامي السيئة، ولكن مظلة غضبي اختفت فلا يمكنني العودة لتلك النسخة. كل ما يمكنني فعله من أجله هو قبول مساعدته، قبول فكرة أنني أحتاجه. قبلني كابتن إلياس كان الكابتن إلياس واحد من أشهر مدربي السباحة الأولمبيين في البلاد، وله ثقل إعلامي ورياضي هائل، وكان يحمل لأبي جميلًا كبيرًا؛ إذ إن أبي هو من أجرى عملية جراحية دقيقة معقدة لقلب ابنه قبل سنوات وأنقذ حياته. طلب أبي منه أن يتولى تدريبي شخصيًا حتى موعد الأولمبياد، وبما أنني لم أكن أوقع عقدًا احترافيًا خاصًا مع مونتي، بل أشارك باسم الجامعة تحت قيادته، ولأن الكابتن إلياس قامة لا يُرفض لها طلب، فبمجرد أن تواصل مع إدارة الجامعة وأبلغهم برغبته في تدريب السباح المرشح الأكبر لنيل الذ
تي جيه ضغط بكفه فوق كتفي متابعًا: -ليلى بحاجة لشعور أنها ما زالت مرغوبة، وقادرة على النجاح، ولكنني لست الطبيب النفسي الذي سيقول لها أفيقي يا ليلى، لا يمكن أن تعيدي ليلى ذات الثمانية عشر عامًا مرة أخرى، أن قراركِ بالزواج كان خاطئ، لكنني في الوقت نفسه لا أستطيع أن أقول لها إنني لا أهتم لأمرك ولا أريد معرفتك، هذه النسخة منها قد شاركت في صنعها، وإذا كان الثمن الذي علىَّ دفعه هو المال وجعلها تصدق حجم سيطرتها فهو هين. لأول مرة في حياتي، كنت أرى الصورة بوضوح من وجهة نظر أبي، حقيقة مجردة خالية من الغضب المشوش، عجزت عن النطق، نظرت آسفًا دون كلمة. هو لا يستحق أن يعرف ما أعرفه عن ليلى، يكفي ما يحمله. ربتت فوق كتفي: -لست المخطئ تي جيه، لأنك لم تكن تعرف كل هذا، بل أنا لأنني لم أحاول أن أفهمك واشرح لك، لأنك بالنسبة لي كنت دائمًا تي جيه الصغير صاحب الأربعة عشر عامًا، الذي لا أريده أن يرى تلك الصورة عن أمه، المراهق الذي ظننت إنه يمكنني التحايل عليه، لم أكن أتخيل أن هذه التراكمات ستشكل داخلك معنى مشوه وعنيف عن الحب، تجعلك ترفض العلاقات، وتتعامل مع كل شخص سيقترب منك أو يكون له تأثير عليك،
تي جيه حدقت فيه دون أن أنطق بكلمة، فنظر إليَّ وأكمل: -أنا أعلم كل هذا جيدًا، لكن هناك أشياء كثيرة لا تعرفها أنت عن علاقتنا، أشياء كانت قبل ولادتك، وأشياء كنت وقتها أصغر من أن تستوعبها. خرج مني شبح ابتسامة ساخرة ممتلئة بالمرارة، وهززت رأسي ليفتح المسرحية. تنهد أبي بعمق، ونظر إلى الفراغ يسترجع سنوات شبابه: -أنا أحببت أمك في سنتي الأولى في كلية الطب، أحببنا بعضنا بعنف وشغف كبيرين، حب الشباب الاندفاعي، وكنت مصممًا على الزواج منها بسرعة، صحيح أنني من عائلة ثرية ومشهورة، لكنني في ذلك الوقت لم أكن أملك شيئ خاص بي، كان جداك رافضين لهذه الخطوة المبكرة جدًا، لكنني أصررت، وتزوجنا، أمك درست تصميم الأزياء لأربع سنوات، وأنا اخترت أصعب تخصص في الطب، دراسة شاقة، مجهدة، وتتطلب تضحيات هائلة ليس فقط من الطالب، بل من كل من حوله. ثم أردف بصوت يحمل نبرة اعتراف بالذنب: -اختياري للزواج في ذلك السن كان خطأ كبير منى، لأنني ومن دون أن أقصد، خيرتها بين أن تبقى معي وبين مستقبلها وحياتها، لقد أنجبتك مبكرًا جدًا، أتيت أنت بعد سنتين من زواجنا، وكان عمرها حينها مجرد واحد وعشرون عامًا، وأنا أكبر بسنتين
جود التصق جسدي بجسده الضخم ولم أعد أفرق بين دقات قلبي ودقات قلبه الشرسة التي تضرب صدري العاري إلا من حمالة صدر سوداء مبتلة تمامًا. القبلات لم تعد مجرد قبلات حارة؛ كانت التهمامًا لاهثًا، صراعًا جارف أسقط كل حصوني وعنادي تحت أقدام رغبته الطاغية. كانت يده الكبيرة تدفع ظهري بقوة نحو سيراميك الحا
جود كنت أغرق في محيط أزرق يدعى عينيه. هذا النوع من الغرق الذي لا ترغب أبدًا من النجاة منه، غرق لذيذ يوازي لذة وجودي هنا في غرفة الاستحمام الخاصة به معه وحدنا. التوتر الحسي المشتعل، الحرارة والجاذبية، التحدى والرغبة العميقة في الاستسلام؛ كل المشاعر التي نثيرها في بعضنا دون تحكم منا تصاعدت في
أخذت نفسًا طويل ثم تابعت كأنها انتظرت طويلًا للتحدث: -حاولت متابعة التدريب، أخبرت مدربتي أنني أتدرب صولو وأنني مستعدة للمنافسة التالية، ودفعت نفسي فوق خوفي وقفزت ولكن لم أستطع التحرك، محاطة بالناس وخائفة من كل واحد منهم، لا لم أستطيع، وعلاج التعرض لم يكن ناجح معي وقتها، لذا ماما كرهت بابا لذلك وت
جود ارتطم جسدي بالماءشعرت أنني أوزن مئات الأطنان، أن في كلا قدمي صخرتين ضخمتين تسحبني نحو العمق، حاولت تحريك يدي ولكنها بدت كتمثال جرنيت من حضارة بائدة غرقت بالكامل، أحاول التشبث بالواقع، ولكن عيني تتسع بفزع ونبضات قلبي تتسارع حينما أجد نفسي في المحيط مرة أخرى! صوت ضحكات أمي، ومحاولات أبي في







