LOGINكانت الكلمات تتردد في تجويف جمجمتها كدوي انفجار لا ينتهي، تمزق كل ما تبقى من أشرعة اليقين في سفينة عقلها الغارقة. «الرجل الذي حاول قتلكِ... هو والدكِ!». لم تصرخ، لم تبكِ، بل غرقت في حالة من الشلل الإدراكي التام، حيث تجمدت الدماء في عروقها، وتحولت ملامحها إلى قناع من الشمع البارد. كيف يمكن للرجل الذي كانت تعتبره الملاذ الآمن، والذي بكت دماً حين رأته ممدداً تحت رحمة الأجهزة الطبية في القبو المظلم، أن يكون هو ذاته الجلاد الذي فخخ سيارتها بدم بارد؟ الصدمة لم تكسرها فحسب، بل سحقتها، وجعلتها عجينة طيعة بين يدي هذا الشيطان العاشق الذي استغل هشاشتها المطلقة في تلك اللحظة ليحكم قبضته عليها بشكل نهائي ولا رجعة فيه.
لم يمنحها فرصة لاستيعاب الفاجعة أو ترتيب شتات روحها. في غضون ساعات قليلة، وقبل أن تشرق شمس الصباح التالي، كان قد انتزعها من القصر، ونقلها وسط حراسة أمنية مشددة، وموكب من السيارات المصفحة السوداء، إلى الميناء الخاص السري التابع لإمبراطوريته. وهناك، وجدت نفسها على متن يخت أسطوري ضخم، أشبه بقلعة عائمة من الفولاذ والزجاج الأسود، يخت يحمل اسماً محفوراً بحروف ذهبية بارزة على هيكله، اسماً يجسد هوسه المرضي بها: «ملك روحي». بمجرد أن وطأت قدماها سطح اليخت، أبحرت السفينة العملاقة شاقة عباب البحر المتوسط، تاركة خلفها اليابسة، وكل فرصة للهروب، وكل أمل في التواصل مع ذلك الرجل المقنع ذي القناع الفضي. كان البحر من حولها يمتد بلا نهاية، أزرق، عميقاً، وقاسياً، تماماً كعيني الرجل الذي يقف الآن على قمة السلطة، يحاصرها بالماء من كل جانب، جاعلاً من نفسه أرضها الوحيدة، وملاذها الإجباري. وقفت قمر في جناحها الخاص، الفاخر حد الاستفزاز، تتأمل الأمواج المتلاطمة من خلف الزجاج البانورامي الواسع. كان العقل الباطن لديها يعمل بسرعة جنونية تفوق سرعة الرياح التي تضرب أشرعة اليخت. أدركت، وسط زحام الألم وصدمة الخيانة الأبوية، أن المقاومة الجسدية أو التمرد الصريح ضد هذا الرجل، في وسط المحيط، هو ضرب من الانتحار المجاني. هذا الرجل لا يُقهر بالقوة، ولا يُهزم بالصراخ. إنه زعيم مافيا محنك، يقرأ النوايا قبل أن تُولد، ويخضع العالم كله لنفوذه. إذا أرادت النجاة، وإذا أرادت الوصول إلى غرفة الاتصالات المشفرة على متن هذا اليخت لطلب المساعدة أو فهم حقيقة ما يجري، عليها أن تلعب اللعبة بقواعده، بل وبقواعد أكثر قسوة. عليها أن تكتب نصاً جديداً لحياتها، وتتقمص دور العاشقة المستسلمة ببراعة تفوق براعة أعظم الممثلات. قررت قمر في تلك اللحظة الفارقة أن سلاحها الوحيد هو أنوثتها، وأن طريقها الوحيد لاختراق حصونه هو إيهامه بأن صدمتها في والدها قد دفعتها للارتماء في أحضانه طواعية، وأنها استسلمت أخيراً لجنون عشقه. مع اقتراب الشمس من المغيب، تحولت السماء فوق المحيط إلى لوحة درامية ملطخة بألوان الدماء والنار، انعكاس مثالي للمشاعر المحترقة التي تغلي على متن هذا السجن العائم. اختارت قمر فستاناً صيفياً من الحرير الأبيض الرقيق، ينسدل بنعومة على منحنيات جسدها، ويتطاير مع نسيم البحر كأجنحة ملاك سقط للتو في الجحيم. تركت شعرها الطويل حراً تعبث به الرياح، وتخلت عن حذائها لتسير حافية القدمين على الأرضية الخشبية الفاخرة لسطح اليخت. كان هو يقف هناك، عند مقدمة اليخت، يعطي ظهره لها، ناظراً إلى الأفق المشتعل بغروب الشمس. كان يرتدي قميصاً أسود مفتوح الأزرار العلوية، وبنطالاً من الكتان الداكن، ويداه تستقران في جيوبه بثقة مفرطة. هالته الطاغية كانت تفرض سطوتها حتى على أمواج البحر الغاضبة. اقتربت منه بخطوات هادئة، صامتة، ومدروسة بعناية. لم تتردد حين وصلت خلفه مباشرة، بل رفعت يديها المرتجفتين بصدق اصطنعته ببراعة، ولفتهما حول خصره الصلب، مسندة جبهتها على ظهره العريض، فوق ذلك الوشم المخيف الذي يخفيه قميصه، وسمحت لتنهيدة طويلة، عميقة، ومحملة بالاستسلام أن تهرب من بين شفتيها. تصلب جسده بالكامل في اللحظة التي تلامست فيها أجسادهما. كانت هذه هي المرة الأولى التي تبادر فيها هي بلمسه، المرة الأولى التي تأتيه طائعة دون أن يسحبها هو بالقوة أو يفرض حضوره عليها. استدار ببطء شديد، كمن يخشى أن تكون هذه اللحظة مجرد هلوسة من هديان عشقه. التقت عيناه الزمرديتان اللتان تعكسان حمرة الغروب، بعينيها الواسعتين اللتين تعمدت أن تملأهما بنظرة من الضياع والاحتياج المطلق. «لم يعد لي أحد غيرك...» همست بصوت متهدج، تتقن فيه نبرة الانكسار والخضوع، ورفعت يدها لتتلمس خط فكه النحاسي القاسي بنعومة مفرطة. «لقد كان العالم كله كذبة، وأنت الحقيقة الوحيدة التي نجت من الحريق. أنا متعبة من الهرب، متعبة من الشك... أريد أن أبقى هنا، في ظلك.» اخترقت كلماتها أعتى حصونه كسكين ساخن يمر في الزبد. توهجت عيناه بنار الرغبة والشغف المجنون، لكن قمر، بذكائها الأنثوي الحاد، التقطت تلك اللمعة الخفية من الشك المبطن في قاع حدقتيه. هو رجل لا يثق في التحولات المفاجئة، ويدرك أن الحيوان الجريح قد يتظاهر بالموت لينقض في اللحظة المناسبة. لكنها لم تمنحه ثانية واحدة لتحليل شكوكه؛ وقفت على أطراف أصابعها، ورفعت وجهها لتطبق بشفتيها على شفتيه في قبلة جريئة، مبادرة، ومشتعلة بشكل لم يعهده منها قط. كانت القبلة طقساً من طقوس السحر الأسود، مزجت فيها قمر بين برائتها المعهودة وغواية متعمدة أربكت كل حواسه. تذوقت طعم اليود والتبغ على شفتيه، وتوغلت بيديها في خصلات شعره الكثيف، تجذبه إليها بقوة تلغي كل مسافة ممكنة. للحظة واحدة، قاوم عقله هذا الاستسلام المفاجئ، لكن جسده وروحه العطشى إليها خانا كل منطق. انقضت يداه الكبيرتان على خصرها، يرفعها عن الأرض لتلتف ساقاها حول خصره، بينما تحولت قبلته من استجابة متفاجئة إلى اجتياح كاسر، مفترس، يمتص رحيق شفتيها بضراوة رجل وجد واحة بعد سنوات من العطش في صحراء قاحلة.انهارت دموعها كشلال ساخن يحرق وجنتيها. لم يكن حبه لها وليد اختطافها، ولم تكن علاقتهما نتاجاً لغسيل دماغ بعد الحادث. لقد كانا حبيبين، شريكين، وربما أكثر من ذلك بكثير! لقد كانت تعشقه بإرادتها الحرة، وكان هو يشاركها الحياة بكل تفاصيلها قبل أن يتدخل الموت ليفرق بينهما. زلزال من المشاعر المتضاربة ضرب كيانها؛ إذا كانا يعيشان كل هذا الحب الساحر، فما الذي أوصلهما إلى نقطة الدمار؟ لماذا حاول والدها قتلها؟ ولماذا أخفى هو عنها هذا الألبوم وهذا التاريخ المجيد من حبهما، مفضلاً أن يتحمل نظرات الكراهية والشك في عينيها على أن يخبرها بالحقيقة البسيطة: "لقد كنا عاشقين"؟لم تشعر بالباب الخشبي الثقيل وهو يُفتح، ولم تنتبه لخطواته التي توقفت فجأة في منتصف الغرفة. كان البطل قد أنهى تأمين اليخت وعاد ليواجهها، لكنه تسمر في مكانه حين رأى ظهرها المرتجف، ورأى الألبوم الجلدي المفتوح تحت ضوء المصباح. سقطت كل أقنعة القوة والسطوة التي يرتديها زعيم المافيا. انهار الدرع الفولاذي الذي بناه حول نفسه منذ أن فقدت هي ذاكرتها. تقدم نحوها بخطوات متعثرة، لا تشبه خطواته الواثقة التي ترعب أعتى الرجال.حين شعرت بظله يغطيها، التف
تسمرت قمر في مكانها، وكأن صقيع الموت قد زحف من أرضية الغرفة المعدنية ليتسلق ساقيها ويشل كل خلية في جسدها. كانت الكلمات التي انبعثت من جهاز الاتصال تتردد في جمجمتها كقرع أجراس الجحيم، لكن الرعب الحقيقي لم يكن في ذلك الصوت المشوه، بل في الجسد الضخم الذي يسد منفذ النجاة الوحيد. وقف هو في عتمة إطار الباب، يمسك بجهاز الإرسال اللاسلكي الذي انتزعه للتو من حارسه، وعيناه الزمرديتان تشتعلان بظلام لا قاع له، ظلام يبتلع كل ما تبقى من أكسجين في الغرفة الخانقة. لم ينطق بحرف، بل تقدم نحوها بخطوات بطيئة، ثقيلة، ومحسوبة، كفهد يحاصر طريدته على حافة الهاوية. كان كل شيء فيه ينضح بالتهديد؛ سكونه، اتساع صدره الذي يعلو ويهبط بغضب مكبوت، وتلك الهالة المرعبة التي تجعل الهواء يرتجف من حوله. تراجعت قمر لا إرادياً حتى اصطدم ظهرها بلوحة التحكم الباردة، وأنفاسها تتقطع في صدرها كشظايا الزجاج. توقعت أن ينقض عليها، أن يعاقبها على خيانتها وتسللها في جنح الليل، لكنه بدلاً من ذلك، رفع جهاز الإرسال الذي بيده، وبحركة خاطفة وعنيفة، سحقه بضربة واحدة على حافة الطاولة المعدنية، محطماً إياه إلى قطع متناثرة.«هل ترين كيف يتلاعب
كانت القبلة طقساً من طقوس السحر الأسود، مزجت فيها قمر بين برائتها المعهودة وغواية متعمدة أربكت كل حواسه. تذوقت طعم اليود والتبغ على شفتيه، وتوغلت بيديها في خصلات شعره الكثيف، تجذبه إليها بقوة تلغي كل مسافة ممكنة. للحظة واحدة، قاوم عقله هذا الاستسلام المفاجئ، لكن جسده وروحه العطشى إليها خانا كل منطق. انقضت يداه الكبيرتان على خصرها، يرفعها عن الأرض لتلتف ساقاها حول خصره، بينما تحولت قبلته من استجابة متفاجئة إلى اجتياح كاسر، مفترس، يمتص رحيق شفتيها بضراوة رجل وجد واحة بعد سنوات من العطش في صحراء قاحلة.حملها وهي لا تزال معلقة في عنقه وتغدق عليه بقبلات تسلبه إرادته، ومشى بها بخطوات متسارعة، ثقيلة، نحو الجناح الرئيسي المغلق في الطابق السفلي. ركل الباب بقدمه ليفتحه، ودخل بها إلى الغرفة الواسعة الغارقة في الظلال، والتي تضيئها فقط انعكاسات أضواء المصابيح الخافتة على أمواج البحر المتلاطمة خارج النوافذ الدائرية. ألقى بها برفق على الفراش الحريري الواسع، ولحق بها في جزء من الثانية، محاصراً إياها تحت ثقل جسده المشتعل.«هل تدركين ما تفعلينه الآن يا قمر؟» زمجر بصوت أجش، متقطع من فرط اللهاث، وعيناه ت
كانت الكلمات تتردد في تجويف جمجمتها كدوي انفجار لا ينتهي، تمزق كل ما تبقى من أشرعة اليقين في سفينة عقلها الغارقة. «الرجل الذي حاول قتلكِ... هو والدكِ!». لم تصرخ، لم تبكِ، بل غرقت في حالة من الشلل الإدراكي التام، حيث تجمدت الدماء في عروقها، وتحولت ملامحها إلى قناع من الشمع البارد. كيف يمكن للرجل الذي كانت تعتبره الملاذ الآمن، والذي بكت دماً حين رأته ممدداً تحت رحمة الأجهزة الطبية في القبو المظلم، أن يكون هو ذاته الجلاد الذي فخخ سيارتها بدم بارد؟ الصدمة لم تكسرها فحسب، بل سحقتها، وجعلتها عجينة طيعة بين يدي هذا الشيطان العاشق الذي استغل هشاشتها المطلقة في تلك اللحظة ليحكم قبضته عليها بشكل نهائي ولا رجعة فيه.لم يمنحها فرصة لاستيعاب الفاجعة أو ترتيب شتات روحها. في غضون ساعات قليلة، وقبل أن تشرق شمس الصباح التالي، كان قد انتزعها من القصر، ونقلها وسط حراسة أمنية مشددة، وموكب من السيارات المصفحة السوداء، إلى الميناء الخاص السري التابع لإمبراطوريته. وهناك، وجدت نفسها على متن يخت أسطوري ضخم، أشبه بقلعة عائمة من الفولاذ والزجاج الأسود، يخت يحمل اسماً محفوراً بحروف ذهبية بارزة على هيكله، اسماً ي
«ماذا رأيتِ؟» همس بصوت أجش، خشن، يشبه حفيف الأفاعي السامة، ونفث أنفاسه الساخنة والمحملة بعبق التبغ على شفتيها المرتجفتين، مما جعل قشعريرة عنيفة تضرب كل خلية في جسدها المحاصر.«ابتعد عني!» صرخت بصوت متهدج، وهي تتلوى بعنف تحته، محاولة يائسة لتحرير معصميها من قبضته التي لا تتزحزح. كانت دموع الخوف والارتباك تتجمع في مآقيها، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة جنونية ليحتك بصدره الصلب، مما أشعل شرارات من التوتر الحسي الذي زاد من تعقيد الموقف. «أنت وحش... لقد رأيتك... رأيت الوشم في الحريق... أنت كنت هناك في ليلة الحادث!»تصلب فكه بشكل مرعب، واختلجت عضلة بارزة في وجنته النحاسية، لكنه لم يتراجع، بل زاد من ثقل جسده عليها، دافناً إياها أعمق في الفراش الوثير. انخفض برأسه أكثر، حتى تلامست أنفاسهما الثائرة، وفي لحظة من التناقض المدمر الذي يميزه، تحولت قسوته الغاشمة إلى رقة مظلمة، سامة، ومربكة للحواس. حرر أحد معصميها، ليمرر أصابعه الخشنة ببطء قاتل وتعذيب لذيذ على طول خط فكها، نزولاً إلى عنقها النابض بالذعر، ثم مسح دمعة يتيمة هربت من زاوية عينها.«أنا كنت هناك بالفعل يا قمر،» همس بصوت رخيم، عميق، يتسلل إلى مسا
كان الظلام الذي ابتلع وعيها إثر سؤاله المرعب، وصدمة الذاكرة التي تفجرت في قاع جمجمتها، ظلاماً كثيفاً، لزجاً، ومحاطاً ببرودة الموت. لم تدرِ كم من الوقت مر عليها وهي تسبح في تلك الغيبوبة المؤقتة التي فرضها عقلها المنهك كآلية دفاعية أخيرة ضد الجنون. حينما بدأت حواسها تستيقظ ببطء شديد، كان أول ما تسلل إلى إدراكها هو رائحة المسك الأسود الفاخر الممزوج بعبق التبغ الرجولي الحار، رائحة احتلت مسامها وصارت بالنسبة لها تعريفاً حسياً للأمان والخطر في آنٍ واحد. شعرت بنعومة الحرير البارد تحت جسدها العاري الذي كان يرتجف بضعف، وبثقل غطاء مخملي دافئ يحيط بها كشرنقة واقية. رمشت بجفنيها المثقلين مراراً، محاولة طرد بقايا الضباب الذي يغلف بصرها. كانت الغرفة غارقة في عتمة هادئة، لا يكسرها سوى ضوء القمر الفضي الشاحب المتسلل من خلال الشقوق الرفيعة للستائر المخملية الثقيلة، ليرسم خطوطاً مضيئة على الأرضية الرخامية الفاخرة.حاولت قمر أن تتحرك، لكن جسدها كان مشلولاً من فرط الإرهاق العاطفي والجسدي الذي اجتاحها في الساعات الماضية. أدارت رأسها ببطء شديد نحو الجهة الأخرى من الفراش الوثير والواسع كساحة معركة، لتجده هن







