Share

الفصل الثالث عشر

last update Petsa ng paglalathala: 2026-08-21 05:37:09

كانت الكلمات تتردد في تجويف جمجمتها كدوي انفجار لا ينتهي، تمزق كل ما تبقى من أشرعة اليقين في سفينة عقلها الغارقة. «الرجل الذي حاول قتلكِ... هو والدكِ!». لم تصرخ، لم تبكِ، بل غرقت في حالة من الشلل الإدراكي التام، حيث تجمدت الدماء في عروقها، وتحولت ملامحها إلى قناع من الشمع البارد. كيف يمكن للرجل الذي كانت تعتبره الملاذ الآمن، والذي بكت دماً حين رأته ممدداً تحت رحمة الأجهزة الطبية في القبو المظلم، أن يكون هو ذاته الجلاد الذي فخخ سيارتها بدم بارد؟ الصدمة لم تكسرها فحسب، بل سحقتها، وجعلتها عجينة طيعة بين يدي هذا الشيطان العاشق الذي استغل هشاشتها المطلقة في تلك اللحظة ليحكم قبضته عليها بشكل نهائي ولا رجعة فيه.

لم يمنحها فرصة لاستيعاب الفاجعة أو ترتيب شتات روحها. في غضون ساعات قليلة، وقبل أن تشرق شمس الصباح التالي، كان قد انتزعها من القصر، ونقلها وسط حراسة أمنية مشددة، وموكب من السيارات المصفحة السوداء، إلى الميناء الخاص السري التابع لإمبراطوريته. وهناك، وجدت نفسها على متن يخت أسطوري ضخم، أشبه بقلعة عائمة من الفولاذ والزجاج الأسود، يخت يحمل اسماً محفوراً بحروف ذهبية بارزة على هيكله، اسماً يجسد هوسه المرضي بها: «ملك روحي». بمجرد أن وطأت قدماها سطح اليخت، أبحرت السفينة العملاقة شاقة عباب البحر المتوسط، تاركة خلفها اليابسة، وكل فرصة للهروب، وكل أمل في التواصل مع ذلك الرجل المقنع ذي القناع الفضي. كان البحر من حولها يمتد بلا نهاية، أزرق، عميقاً، وقاسياً، تماماً كعيني الرجل الذي يقف الآن على قمة السلطة، يحاصرها بالماء من كل جانب، جاعلاً من نفسه أرضها الوحيدة، وملاذها الإجباري.

وقفت قمر في جناحها الخاص، الفاخر حد الاستفزاز، تتأمل الأمواج المتلاطمة من خلف الزجاج البانورامي الواسع. كان العقل الباطن لديها يعمل بسرعة جنونية تفوق سرعة الرياح التي تضرب أشرعة اليخت. أدركت، وسط زحام الألم وصدمة الخيانة الأبوية، أن المقاومة الجسدية أو التمرد الصريح ضد هذا الرجل، في وسط المحيط، هو ضرب من الانتحار المجاني. هذا الرجل لا يُقهر بالقوة، ولا يُهزم بالصراخ. إنه زعيم مافيا محنك، يقرأ النوايا قبل أن تُولد، ويخضع العالم كله لنفوذه. إذا أرادت النجاة، وإذا أرادت الوصول إلى غرفة الاتصالات المشفرة على متن هذا اليخت لطلب المساعدة أو فهم حقيقة ما يجري، عليها أن تلعب اللعبة بقواعده، بل وبقواعد أكثر قسوة. عليها أن تكتب نصاً جديداً لحياتها، وتتقمص دور العاشقة المستسلمة ببراعة تفوق براعة أعظم الممثلات. قررت قمر في تلك اللحظة الفارقة أن سلاحها الوحيد هو أنوثتها، وأن طريقها الوحيد لاختراق حصونه هو إيهامه بأن صدمتها في والدها قد دفعتها للارتماء في أحضانه طواعية، وأنها استسلمت أخيراً لجنون عشقه.

مع اقتراب الشمس من المغيب، تحولت السماء فوق المحيط إلى لوحة درامية ملطخة بألوان الدماء والنار، انعكاس مثالي للمشاعر المحترقة التي تغلي على متن هذا السجن العائم. اختارت قمر فستاناً صيفياً من الحرير الأبيض الرقيق، ينسدل بنعومة على منحنيات جسدها، ويتطاير مع نسيم البحر كأجنحة ملاك سقط للتو في الجحيم. تركت شعرها الطويل حراً تعبث به الرياح، وتخلت عن حذائها لتسير حافية القدمين على الأرضية الخشبية الفاخرة لسطح اليخت.

كان هو يقف هناك، عند مقدمة اليخت، يعطي ظهره لها، ناظراً إلى الأفق المشتعل بغروب الشمس. كان يرتدي قميصاً أسود مفتوح الأزرار العلوية، وبنطالاً من الكتان الداكن، ويداه تستقران في جيوبه بثقة مفرطة. هالته الطاغية كانت تفرض سطوتها حتى على أمواج البحر الغاضبة. اقتربت منه بخطوات هادئة، صامتة، ومدروسة بعناية. لم تتردد حين وصلت خلفه مباشرة، بل رفعت يديها المرتجفتين بصدق اصطنعته ببراعة، ولفتهما حول خصره الصلب، مسندة جبهتها على ظهره العريض، فوق ذلك الوشم المخيف الذي يخفيه قميصه، وسمحت لتنهيدة طويلة، عميقة، ومحملة بالاستسلام أن تهرب من بين شفتيها.

تصلب جسده بالكامل في اللحظة التي تلامست فيها أجسادهما. كانت هذه هي المرة الأولى التي تبادر فيها هي بلمسه، المرة الأولى التي تأتيه طائعة دون أن يسحبها هو بالقوة أو يفرض حضوره عليها. استدار ببطء شديد، كمن يخشى أن تكون هذه اللحظة مجرد هلوسة من هديان عشقه. التقت عيناه الزمرديتان اللتان تعكسان حمرة الغروب، بعينيها الواسعتين اللتين تعمدت أن تملأهما بنظرة من الضياع والاحتياج المطلق.

«لم يعد لي أحد غيرك...» همست بصوت متهدج، تتقن فيه نبرة الانكسار والخضوع، ورفعت يدها لتتلمس خط فكه النحاسي القاسي بنعومة مفرطة. «لقد كان العالم كله كذبة، وأنت الحقيقة الوحيدة التي نجت من الحريق. أنا متعبة من الهرب، متعبة من الشك... أريد أن أبقى هنا، في ظلك.»

اخترقت كلماتها أعتى حصونه كسكين ساخن يمر في الزبد. توهجت عيناه بنار الرغبة والشغف المجنون، لكن قمر، بذكائها الأنثوي الحاد، التقطت تلك اللمعة الخفية من الشك المبطن في قاع حدقتيه. هو رجل لا يثق في التحولات المفاجئة، ويدرك أن الحيوان الجريح قد يتظاهر بالموت لينقض في اللحظة المناسبة. لكنها لم تمنحه ثانية واحدة لتحليل شكوكه؛ وقفت على أطراف أصابعها، ورفعت وجهها لتطبق بشفتيها على شفتيه في قبلة جريئة، مبادرة، ومشتعلة بشكل لم يعهده منها قط.

كانت القبلة طقساً من طقوس السحر الأسود، مزجت فيها قمر بين برائتها المعهودة وغواية متعمدة أربكت كل حواسه. تذوقت طعم اليود والتبغ على شفتيه، وتوغلت بيديها في خصلات شعره الكثيف، تجذبه إليها بقوة تلغي كل مسافة ممكنة. للحظة واحدة، قاوم عقله هذا الاستسلام المفاجئ، لكن جسده وروحه العطشى إليها خانا كل منطق. انقضت يداه الكبيرتان على خصرها، يرفعها عن الأرض لتلتف ساقاها حول خصره، بينما تحولت قبلته من استجابة متفاجئة إلى اجتياح كاسر، مفترس، يمتص رحيق شفتيها بضراوة رجل وجد واحة بعد سنوات من العطش في صحراء قاحلة.

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل ١١٦

    لم تكن تلك الرسالة المشفّرة والغامضة التي ومضت على الشاشة الصغيرة في ركن الكوخ الجبلي المعزول لتنتهي عند حدود الإنذار النظري أو التهديد العابر، إذ ما كاد صدى الكلمات المرعبة يتردد في أرجاء المكان حتى اخترق سكون الليل العاصف والصقيع القاتل رنين خادش ومفزع صادر مباشرة من جهاز الاتصال العسكري المشفر والمربوط بالأقمار الصناعية الخاصة بقصر العائلة الكبير في القاهرة، وهو رنين مخصص حصرياً لنداءات الموت والطوارئ القصوى التي لا تحتمل أي تأخير أو تأجيل. لم يكن هذا النداء يشبه أي تنبيه استخباراتي سابق؛ بل كان صرخة استغاثة إلكترونية حمراء اللون، عالية الأولوية، ومصحوبة بتسجيل صوتي مباشر ومتقطع ينقل صرخات الرعب والهلع من غرفة الحراسة المركزية في أعمق أجنحة قصر العائلة بمصر، حيث تفيد التقارير الميدانية العاجلة بأن أسراباً من المرتزقة والفرق الهجومية التابعة للمنظمة العالمية، التي ظنوا أنهم أجهزوا على قاعدتها السيبرانية قبل ساعات، قد ظهرت كالأشباح من العدم مستغلة انشغال ملك الظلال وقمر بالرحلة السويسرية، لتشن هجوماً مباحتاً ووحشياً لا رحمة فيه على الأسوار التاريخية للقصر بهدف واحد لا حياد عنه ولا

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل ١١٥

    لم تكن تلك الرسالة المشفّرة التي ومضت على شاشة الجهاز الصغير سوى الفتيل الذي أعلن عن نهاية الهدوء الوهمي في ذلك الكوخ الجبلي المعزول على قمة جبال الألب، إذ ما كادت أنفاس الطمأنينة تستقر في الصدور حتى مزق سكون الليل القارس صوت حفيف خافت ومقشعر لأقدام ثقيلة تسحق طبقات الثلج الكثيفة في محيط الكوخ الخشبي، مترافقة مع وميض أشعة تحت حمراء تفحص النوافذ بحذر شديد. انتبه ملك الظلال بحواسه الفائقة التي لا تتبلد أبداً، فتحولت ملامحه في جزء من الثانية من العاشق الهائم إلى المحارب الأقسى والأكثر شراسة، حيث أدرك أن فرق الموت التابعة للمنظمة قد تعقبت أثرهما ونجحت في اختراق الطوق الأمني للوصول إلى مخبئهما الأخير. لم يضيّع البطل ثانية واحدة في التردد؛ بل نهض بقامته الممشوقة والمهيبة، واتجه بخطوات سريعة ومدروسة نحو الحقيبة العسكرية الكبرى، ليخرج منها ترسانة متقدمة من الأسلحة الآلية القابلة للتعديل، والذخائر الخارقة للدروع، وعبوات ناسفة دقيقة تعتمد على استشعار الحرارة والضغط. بحنكة عسكرية خاضت أشرس المعارك في مختلف أصقاع الأرض، بدأ البطل يتحرك بصمت مطبق حول أرجاء الكوخ الداخلي، موزّعاً الفخاخ الحرارية

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل ١١٤

    لم تكن تلك اللحظة التي تلت رنين الإنذار المبكر في الكوخ الجبلي المعزول على قمة جبال الألب سوى إيذاناً بمعركة من نوع آخر، معركة رقمية وافتراضية شرسة دارت رحاها على الشاشات المضيئة وسط العتمة والصقيع، إذ ما كادت نيران المدفأة الحجرية تشتعل بدفء حتى تحولت شاشة جهاز التشفير العسكري فجأة إلى اللون الأحمر القاني، متلألئة بسلسلة من الأكواد الخبيثة والرموز المتسارعة التي تحاول بقوة وحشية اختراق جدار الحماية الخاص بالشبكة المحلية، وتتبع أثر الإرسال الأخير الذي وجهته يدا البطل نحو الجهات الأمنية الدولية والنائب العام العالمي. تصاعدت دقات القلب في صدر الكوخ المظلم، وتطاير الشرر الوهمي من عيون الحواسيب المحمولة بينما كانت الخوارزميات الهجومية للمنظمة الدولية تضغط بكل طاقاتها لتدمير النسخ الاحتياطية وسحب الموقع الجغرافي الدقيق للكوخ قبل أن تفلت الفرصة من أيديهم وتضيع أسرارهم في مهب الريح. وقف ملك الظلال وذراعاه ممدودتان بقوة على جانبي الطاولة الخشبية، وعيناه الزمرديتان تشتعلان بنظرات حارقة وفولاذية تتابع باهتمام بالغ هذا الهجوم السيبراني المباغت، مستعداً للتحرك الفوري وإطلاق بروتوكولات التدمير ا

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل ١١٣

    لم تكن تلك المتاهة الثلجية التي أفرزتها أزقة زيورخ العتيقة سوى فصل تمهيدي لعاصفة أشد قسوة، إذ ما كادت سيارة الدفع الرباعي المصفحة تخترق بوابات الحدود المفتوحة حتى انطلقت بسرعة جنونية صعوداً نحو المرتفعات الشاهقة لجبال الألب السويسرية، حيث تتناثر الغابات الصنوبرية المظلمة وتتراكم طبقات الجليد العميقة لتخفي عن عيون البشر أي أثر للحياة. وسط ذلك البياض الناصع والقاتل، وفي نقطة قصية ومعزولة تماماً عن العالم، وقف كوخ خشبي قديم ومهيب يصارع رياح الشتاء العاتية، ليصبح هو الملاذ الوحيد والآمن الذي اختاره ملك الظلال لإخفاء قمر وحماية الأسرار التي تحملها بين يديها. وما إن توقفت السيارة أمام باب الكوخ الخشبي حتى هبط الاثنان بسرعة، محاطين بصقيع يقطع أنفاس الحجر، ليدفع البطل الباب الخشبي الثقيل ويغلقه بإحكام خلفهما، عازلاً طوفان البرد القارس عن دفء مؤقت كاد يتلاشى. كان الداخل عبارة عن مساحة دافئة ومكتسية بخشب البلوط العتيق، تتوسطها مدفأة حجرية ضخمة تتصاعد منها ألسنة اللهب برفق وتلقي بظلالها الراقصة على الجدران الخشبية. لم يضيّع البطل ثانية واحدة؛ فبدل أن يستسلم لإرهاق المطاردة الطويلة، أخرج من حقي

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل ١١٢

    لم تكن بوارق الفجر الباردة التي انعكست على واجهات المباني التاريخية الكلاسيكية في مدينة زيورخ السويسرية سوى نذير بيوم أشد قسوة واختباراً لصلابة القلوب، إذ ما كادت خيوط الضوء الشاحبة تلامس طبقات الثلج المتراكمة على أرصفة شوارع المدينة العريقة حتى كان ملك الظلال وقمر يخطوان بخطوات ثابتة وواثقة وسط أجواء الجليد القارس نحو أحد أعرق البنوك الخاصة وأكثرها تحصيناً في قلب سويسرا؛ ذلك البنك الذي يحمل في أقباعها السرية أسراراً مدفونة منذ عقود تمس جذور المنظمة الدولية وتاريخ والد قمر الراحل. كان الهواء المحيط محملاً ببرودة لا تكاد تُحمل، تتقطع معها الأنفاس لتشكل سحباً بيضاء شفافة، لكن حرارة العزيمة والإصرار داخل صدريهما كانت كفيلة بإذابة جبال الجليد بأسره. مرتدياً معطفه الأسود الطويل الذي يتطاير بخفة مع هبات الرياح الشمالية، كان البطل يسير محيطاً بكتف قمر بذراعه القوية، عيناه الزمرديتان تمسحان الأفق بوعي حاد ومحارب لا يغفل عن شاردة أو واردة، بينما كانت قمر تمسك بيده الأخرى بكف مرتعشة قليلاً بفعل التوتر الممزوج واللهفة الشديدة لمعرفة الحقيقة المطلقة. وما إن وصلا إلى البوابة الضخمة المصنوعة من ا

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل ١١٠

    لم تكن رحلة العودة إلى أسرار قصر ملك الظلال مجرد انتقال جغرافي من جحيم البحر الأحمر المشتعل إلى رحاب العاصمة المحصنة، بل كانت عبوراً ملحمياً من عتبات الموت المحقق إلى فضاءات الخلود والسيادة المطلقة، إذ ما كادت أجنحة المروحيات الخاصة تحط بسلام على المهبط الرخامي للقصر وسط هدوء الليل العليل، حتى كانت التقارير الاستخباراتية والأمنية العاجلة تتوافد تباعاً لتؤكد الخبر اليقين؛ فرق الإنقاذ البحري التابعة لخفر السواحل، مدعومة بأحدث غواصات البحث والمسح العميقة، عثرت على بقايا معطف سليم وحطام السترة التكتيكية التي كان يرتديها غורقة في أعماق السحیقة للمنطقة التي هوى فيها، لتنطوي بذلك صفحة الفتنة الكبرى والتمرد الدموي الذي قاده الشقيق المنشق إلى غير رجعة، معلنة رسمياً إدانته بنهاية حتمية ومأساوية أراحت ضمير العاصمة وأسدلت الستار على كابوس طال ليله. وفي ذات اللحظة التي أُعلِن فيها تأكيد غرق التوأم الخائن، بدأت الدوائر المالية والتقنية التابعة للإمبراطورية العظمى في استعادة السيطرة الكاملة على كافة الأصول والأرصدة والشركات التي تم العبث بها؛ حيث نجح الفريق التقني المركزي، بفضل الشفرة الكمومية غير

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status