Home / الرومانسية / أسرني شيطاني المفضل / الفصل الثاني والخمسون

Share

الفصل الثاني والخمسون

last update publish date: 2026-09-04 06:07:18

تسمرت عيناها على الشاشة المضيئة، وكأن الكلمات المكتوبة بحروف رقمية باردة قد تحولت إلى أفاعٍ سامة تلتف حول عنقها وتنهش في لحمها الحي. كان الهواء المحيط بها ينسحب ببطء مرعب، ليترك رئتيها تصارعان من أجل ذرة أكسجين في تلك الغرفة الواسعة التي تحولت فجأة إلى زنزانة خانقة. قرأت الرسالة المرفقة بصورة رسالتها القديمة مرة، ومرتين، وعشر مرات، وفي كل مرة كانت المعاني تتشابك لتشكل حبل مشنقة يلتف حول كل معتقداتها. لم تكن الرسالة مجرد تهديد بكشف سرها الدفين، بل كانت تحمل طعنة أعمق وأكثر تدميراً، طعنة موجهة مباشرة نحو صميم زواجها، نحو الرجل الذي تنام في كنفه وتحتمي بظله. كانت الكلمات واضحة، لا تقبل التأويل، وتقطر بخبث شيطاني: "هل تظنين أنكِ عرفتِ كل شيء؟ السيرك لم يبدأ بعد يا حلوتي.. وسرك الأكبر في قبضتي! ولكن قبل أن ترتعدي خوفاً مني، دعي عيناكِ تتأملان وجه الملاك النائم بجواركِ. اسأليه عن ماضيه الذي ابتلع ماضيكِ، اسأليه كيف نسج خيوط مسرحيته لتبدي وكأنكِ الصدفة الأجمل في حياته، بينما أنتِ ضحيته الأقدم. السر ليس في رسالتكِ فحسب، بل في من احتفظ بها، وفي من تلاعب بذاكرتكِ وأيامكِ قبل أن تلتقيا حتى".

سقطت الكلمات كقطرات من الرصاص المنصهر على قلبها، لتذيب كل حصون الأمان التي بناها لها منذ ساعات قليلة. ارتجف جسدها بعنف، ليس من برودة الطقس، بل من صقيع مباغت اجتاح روحها وجمّد الدماء في عروقها. التفتت ببطء شديد، وحذرٍ يشبه حذر الفريسة التي أدركت للتو أنها تتشارك العرين مع مفترسها الأعظم، نحو البطل النائم بجوارها. كان وجهه مسترخياً، ملامحه الرجولية القاسية التي لطالما أرعبت أعتى الرجال تبدو الآن في حالة سكون ملائكي يتناقض تماماً مع العواصف التي تضرب عقلها. صدره العريض يعلو ويهبط بانتظام، وأنفاسه الدافئة تلفح بشرتها وكأنها نسائم ربيعية كاذبة. راقبته بعينين محتقنتين بالدموع والشك المسموم، تتأمل تفاصيل وجهه الذي تعشقه حد الهوس، وتتساءل في قرارة نفسها بشكٍ يمزق أحشاءها: من أنت حقاً؟ هل أنت المنقذ الذي انتشلني من قاع الجحيم، أم أنت الجحيم ذاته الذي تنكر في هيئة طوق نجاة؟ هل كان حبنا الأسطوري، ولقاؤنا، وكل تفاصيل حياتنا مجرد رقعة شطرنج كنت تحركني عليها دون علمي؟

في غمرة هذا الصراع النفسي المرير، وبينما كانت تحاول كبح شهقات بكائها المكتوم، تحركت قليلاً لتسند ظهرها المرتجف إلى اللوح الأمامي للسرير. وأثناء حركتها غير المتزنة، انزلقت يدها التي كانت ترتكز على الفراش لتنزلق تحت حافة وسادته الوثيرة. لامست أصابعها المرتجفة شيئاً صلباً، بارداً، وذا ملمس معدني غريب لا ينتمي لنعومة الحرير المحيط به. حبست أنفاسها، وبدافع من فضول قاتل أذكته رسالة المجهول، سحبت يدها ببطء شديد كي لا توقظه، لتخرج ما وجدته خفية. في ضوء القمر الشاحب المتسلل عبر النوافذ الزجاجية، فتحت كفها لتتأمل ذلك الشيء. كان مفتاحاً! لكنه لم يكن مفتاحاً عادياً يشبه مفاتيح القصر الحديثة والمشفرة، بل كان مفتاحاً قديماً جداً، مصنوعاً من الحديد الأسود الثقيل، ذو أسنان معقدة ونقوش بارزة وغريبة على مقبضه الدائري. نقوش تشبه طلاسم قديمة، تتوسطها زهرة لوتس سوداء تلتف حولها أفعى صغيرة... شعار لم تره من قبل، أو ربما رأته في كوابيسها المنسية. لماذا يخبئ زعيم مافيا يمتلك أحدث تقنيات البصمة الرقمية مفتاحاً حديدياً قديماً كهذا تحت وسادته مباشرة؟ كأنه يحرس سراً لا يأتمن عليه حتى خزائنه الإلكترونية المعقدة!

أطبقت قبضتها على المفتاح البارد، فشعرت بأسفرة حادة تخترق جلدها، وكأن الماضي يرسل لها تحذيراً مادياً. لم تعد قادرة على البقاء في هذا السرير الذي تحول فجأة إلى ساحة أشواك تدمي روحها. نهضت بحذر شديد، حاملة معها هاتفها والمفتاح الغامض، وانسلت من تحت الأغطية الحريرية بخفة أتقنتها من كثرة العيش في ظل الخطر. ارتدت روباً طويلاً من المخمل الداكن ليقيها برودة شكوكها، واتجهت نحو الشرفة الواسعة الملحقة بالجناح. وقفت هناك، تستند بيديها المرتجفتين على السور الرخامي البارد، تواجه رياح الليل التي تعصف بحدائق القصر الشاسعة. رفعت وجهها نحو السماء الملبدة بالغيوم، تبحث عن قمر غائب يشاركها وحشتها. الصراع النفسي بداخلها كان يطحن عظامها؛ نصفها يصرخ بضرورة الهرب، بضرورة تصديق الشكوك التي تلتف حول عنقها، فالنار لا تنبعث من فراغ، وهذا المفتاح وتلك الرسالة دليلان لا يمكن دحضهما على أن الرجل الذي يحمل قلبها بين يديه يمتلك ماضياً أسود ابتلع حياتها دون رحمة. أما النصف الآخر، النصف العاشق والمتيم، فكان يتمزق ألماً، يتذكر لمساته الحانية، نظراته التي تذيب الجليد، صوته وهو يناجي طفلهما في أحشائها. كيف يمكن لكل هذا العشق أن يكون كذبة؟ كيف يمكن للرجل الذي كان مستعداً لحرق العالم من أجل دمعة من عينيها أن يكون هو من هندس مأساتها؟

بينما كانت أفكارها تتلاطم كأمواج عاتية في ليلة شتوية قاسية، لم تشعر بانسحاب جسده من الفراش. بالنسبة لرجل عاش حياته كذئب منفرد، كان مجرد اختفاء دفء جسدها من جانبه كافياً لإيقاظ كل حواسه الأمنية. فتح عينيه الزمرديتين بحدة، ومسح الغرفة بنظرة سريعة قبل أن يلمح طيفها يقف في الشرفة، محاطاً بهالة من الحزن والانكسار. نهض من سريره بخطوات صامتة لا تصدر صوتاً، خطوات قاتل محترف، خطوات عاشق مذعور يخشى أن تفلت حبيبته من بين يديه. اقترب منها من الخلف، ورائحة عطره الرجولي الممزوجة برائحة التبغ الفاخر تسبقه لتوقظ كل خلايا جسدها المتوترة. شعرت بحرارة جسده الصلب تلامس ظهرها المرتجف، قبل أن يلف ذراعيه الفولاذيتين حول خصرها وبطنها المنتفخ، يسحبها لتستند بالكامل عليه، دافناً وجهه في تجويف عنقها ليطبع قبلة عميقة، حارة، ومحملة بكل معاني التملك والاحتواء.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل التسعون

    انحنى فوق شفتيها المرتجفتين وضغط عليهما بقبلة حارة، طويلة، وعميقة للغاية؛ قبلة يتبادلان فيها حرارة الأنفاس وطعم الدموع الممزوجة بقطرات المطر العذبة. كانت قبلة انصهار روحي وتملك مطلق، يستشعر فيها البطل طراوة جسدها الأنثوي واستسلامها الشغوف بين يديه، بينما كانت قمر تلتصق ببدنه الحار بكل ما أوتيت من قوة متبقية، مستمدة من شفتيه ونبضات قلبه الحية كل الأمان والدفء الذي حرمت منه لسنوات تحت تهديد الموت والخيانة.انتقلا معاً، ويده الضخمة تطوق خصرها النحيل بحنان وغلظة حامية، نحو الجناح الملكي الداخلي المغلق والمضاء بنور الشموع الموزعة والموقد الذهبي الدافئ الذي يبعث الحرارة في أرجاء المكان. أجلست قمر زوجها على الأريكة المخملية الفاخرة المجهزة بجوار الموقد، وجلست بين قدميه على السجادة المشرقية الفاخرة، مرتدية ثوبها الأبيض وممسكة بوعاء ماء دافئ ومنشعة ناعمة لتنظيف جراحه ولطخات البارود عن وجهه وجسده الصلب.بدأت قمر تمرر قطعة القماش المبتلة بالماء الدافئ على خده الأيمن وعلى طول عنقه العريض بلمسات شفوقة ورقيقة للغاية، ودموعها لا تتوقف عن السيلان صامتة، تأثراً بحجم التضحيات والجراح التي تحم

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل التاسع والثمانون

    تجمد الزمن في أحداق ملك الظلال وهو يطالع الشاشة المتوهجة بذاك الطيف الغادر الذي يتسلل نحو مخبأ زوجته وطفلته، بينما كانت الابتسامة الشيطانية تتسع على شفتي فالكون الداميتين، ظاناً أن نبضات قلبه البيولوجية المربوطة بصاعق التفجير الخفي هي درعه الأخير ضد الموت المحتوم. غير أن ملك الظلال لم يكن رجلاً تحكمه الذعر أو تقتاده الخديعة إلى شلل الإرادة؛ إذ تفجرت في عروقه المجهدة شحنة متوحشة من الغضب الساطع والحب الأعمى الذي يستمد قوته من صورة قمر الرقيقة القابعة في ظلمات القاهرة. وبدهاء تكتيكي خاطف يحبس الأنفاس، لم ينزل نصل سكينه على حنجرة فالكون مباشرة، بل استخدم يده الأخرى لانتزاع مسدس شلل مغناطيسي عالي التردد من حزامه التكتيكي، وهوى به بقوة قاتلة على المفصل العصبي الأوسط لرقبة فالكون، مطلقا شحنة تثبيط حيوية جمدت إشاراته العصبية والإرادية في كسر من الثانية، مع إبقاء عضلة القلب تنبض بإيقاع اصطناعي بطيء ومستقر لا يتجاوز الحد الأدنى اللازم لمنع تفعيل الصاعق البيولوجي!تهاوى فالكون غائباً عن الوعي كجسد بلا روح، وقبل أن يسترد وعيه أو تتغير ترددات معصمه، انحنى البطل بقسوة جبلية وسحب ذراع القائد

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثامن والثمانون

    في هذه الأثناء، وفي أعمق نقطة من الحصن البركاني المظلم، اخترق البطل الجدار الفولاذي الأخير للمقر الرئيسي باستخدام عبوات البلازما الحارقة. انفجر الباب المصفح متناثراً إلى شظايا متوهجة، وانثقبت ألسنة الدخان الأبيض المعقم لتفسح المجال أمام جسده الشامخ للعبور إلى داخل قاعة القيادة العليا.كانت القاعة صرحاً هندسياً فخماً ومرعباً في آن واحد؛ جدرانها من الصلب الأسود المصفح، تحيط بها أجهزة كمبيوتر عملاقة تعكس خرائط العالم الجيوسياسية، وفي منتصفها ترتفع منصة استراتيجية دائرية تطل على حوض مائي عميق يضم غواصة استراتيجية مسلحة.لكن المفاجأة الكبرى التي جمدت الدم في عروق البطل الزمرديتين لم تكن وجود الأم أو التوأم التوأم... بل كانت الشخصية القابعة على الكرسي الجلدي الفاخر في صدر المنصة!نهض الرجل من كرسيه ببطء وثبات أسطوري، ليتجلى شخصاً في الخمسينيات من عمره، ذو بنية جسدية رياضية صارمة، وشعر فضي ممشط بعناية، يرتدي بدلة تكتيكية مدنية تحمل شارات وسيادية عالية المستوى. لم يكن هذا الرجل سوى "الجنرال فالكون"... القائد السابق لأعظم جهاز استخبارات دولي، والرجل الذي كان يُعتقد أنه تقاعد ومات

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السابع والثمانون

    امحت الرؤية من على شاشات السيطرة الكبرى في غرفة عمليات القصر بالقاهرة، واستحالت الصور الحية إلى شبكة متلاطمة من الخطوط الثلجية والموجات السوداء القاتمة، بعد أن بترت أمواج التشويش الكهرومغناطيسي العاتية كل خيوط الاتصال الفضائي والأثيري التي كانت تربط العاصمة بتلك البقعة النائية في عرض البحر الأحمر. انقطع الصوت الأبح القادم من المروحيات الشبحية في منتصف كلمة حاسمة كان ينطق بها البطل، ليعود الصمت الرهيب يغلف الجناح السفلي المعزول تحت الأرض، صمتٌ أشبه ببرودة المقابر الحجرية، لا يقطعه سوى النبضات الالكترونية المنتظمة لأجهزة تنقية الهواء والهمس الخفيض لمولدات الطاقة الاحتياطية.وقفت قمر في منتصف غرفة العمليات كتمثال من العاج المنحوت، تتأمل الشاشات المظلمة بعينين اتسعتا برعب خرافي، بينما انسحبت دماء الحياة من وجنتيها العاجيتين لتدع الشحوب الموتوي يستولي على ملامحها الآسرة. في تلك اللحظة القاتلة من العزلة والانقطاع المطبق، شعرت وكأن خنجراً مسنوناً يُغرس في قلبها ويُدار ببطء وحرقة؛ إذ كانت تعلم أن زوجها، ملك الظلال والرجل الذي اختصر العالم في وجوده، قد اندفع نحو جوف الحصن البركاني في عرض

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السادس والثمانون

    "إن كانت هذه المعركة هي الأخيرة..." همست قمر بين القبلات المتتالية التي يوزعها على جفنيها وخدها وعنقها، "فأعدني يا 'ظلي' أن تعود إليّ حياً... أعدني أن تطأ أعداءنا بقدميك وتعود لتضع طفلتنا بين ذراعي ونحن في أمان مطلق!"."أعدكِ بروحي، وعرشي، وبحبي الذي لا ينتهي يا قمر،" قال البطل ونبرته تتصلب بقوة فولاذية، طابعاً قبلة أخيرة مشتعلة على جبهتها. "سأعود إليكِ مطهراً الأرض من كل شيطان حاول المساس بكِ، وسنبني فوق ركام أعدائنا الملاذ الأبدي الذي ستحيا فيه طفلتنا بكرامة وسيادة!".انكسرت جدران الشك والصراع النفسي داخل روح قمر أمام هذا القسم الصادق، واستحالت مشاعر الخوف لديها إلى خطة عمل حاسمة وواضحة. انتقلا معاً مجدداً إلى منصة التوجيه الكبرى، لتشريع تفاصيل خطة الهجوم المزدوجة المعقدة التي ستنفذ ضد الحصن البركاني في جزر البحر الأحمر.اعتمدت الخطة الاستراتيجية على تقسيم الأدوار بصورة تكتيكية عالية الدقة بين العقل الرقمي والقدرة القتالية الميدانية؛ إذ تتولى قمر إدارة مركز القيادة والاتصالات السريّة من داخل غرفة عمليات القصر الحصينة بالقاهرة، لتكون العقل المدبر والعين الحارسة التي تخت

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الخامس والثمانون

    في أجزاء من الثانية شحنت بضغط عصبي هائل وتوتر يقطع الأنفاس، لم يمنح ملك الظلال ذلك الدخيل الخائن فرصة لتفجير عبوة الغاز غير المرئي؛ إذ اندفع كالبرق المظلم نحو الكائن المتسلل، مستلاً من حزامه التكتيكي حربة شلل عصبية مصغرة، وهوى بها في نقطة حيوية عند أسفل عنق المهاجم ليخر صريعاً دون أن يتيح له إطلاق حافز السم. وبلمح البصر، احتضن البطل طفلته الرضيعة بيده اليسرى بحرص أسطوري ورقة تامة، بينما سحب بيده الأخرى قمر المجهدة إلى أحضانه، وأصدر إشارة طوارئ حاسمة أغلقت الجناح الملكي بصفائح الفولاذ المصفح، لينقل الجميع عبر مصعد هيدروليكي مخفي إلى أعماق غرفة العمليات المركزية الحصينة القابعة أسفل أرضية القصر الرئيسي بالقاهرة، المكان الذي أقيم ليكون مركز السيطرة والتوجيه الأكبر لجميع تحركات إمبراطوريته.ساد السكون المعقم أرجاء غرفة العمليات المركزية، حيث كانت الجدران مغطاة بشاشات التتبع الرقمية العملاقة، وتنعكس عليها الأضواء الزرقاء والبيضاء الصادرة من الخرائط الكهرومغناطيسية وثلاثية الأبعاد. استقرت الطفلة الصغيرة في مهدها المعقم المجهز بأحدث أجهزة دعم الحياة داخل الجناح الطبي الملحق بالغرفة، بي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status