Home / الرومانسية / أسرني شيطاني المفضل / الفصل الرابع: أسرار المكتبة

Share

الفصل الرابع: أسرار المكتبة

last update publish date: 2026-08-01 22:36:28

تلاشى صدى تهديده البارد والدافئ في عتمة الجناح الملكي، ليحل محله سكون أثقل، محمّل برائحة التبغ والمسك والورق المحترق الذي تناثرت شظاياه القماشية تحت أقدامهما. استيقظت قمر في الصباح التالي على أشعة شمس ذهبية دافئة تنفذ من خلال الشيش الخشبي الذي فُتحت سلاسله جزئياً لأول مرة منذ استيقاظها في هذا القصر. لم يكن البطل بجانبها على الفراش الوثير، لكن حسّه القيادي وهالته المظلمة كانا يستوطنان كل زاوية في الغرفة. عندما خطت قدمها خارج الجناح، لم تجد الحراس يمنعونها كما اعتادت؛ بل تنحوا جانباً بانحناءة احترام قاطعة، مفسحين لها المجال لاستكشاف الممر الرئيسي الممتد نحو الجناح الشرقي، وكأن هناك أوامر جديدة صدرت بتوسيع نطاق قفصها الذهبي منحاً إياها وهم الحرية. تتبعت خطوط الرخام الأسود المصقول بكبرياء حذر، تحارب الدوار الخفيف في رأسها وذاكرتها التي ما زالت تبدو كصفحة بيضاء ممسوحة بعناية قاسية، حتى وقفت أمام بابين خشبيين ضخمين مصنوعين من خشب الأبنوس المعشق بالنحاس الخالص. فتحت البابين ببطء شديد، لتستقبلها رائحة عتيقة ساحرة؛ مزيج من أوراق الجلد القيمة، وحبر المطابع القديم، وألواح الخشب المعتق بعبير الصندل. كانت المكتبة الملكية للقصر مجرة مستقلة بذاتها؛ سقف ممتد على ارتفاع ثلاثة طوابق تطوقه شرفات خشبية دائرية، ورفوف شاهقة تتزاحم عليها آلاف المجلدات النادرة المجلدة بالجلد الطبيعي والمذهبة الحواف، بينما تنساب أضواء الشمس من نوافذ زجاجية ملونة كاشفة عن غبار أثري يرقص في الهواء.

تجوّلت قمر بين الرفوف بخطوات هادئة وحثيثة، تفحص عناوين الكتب بعينيها الثائرتين، تحاول الاستفادة من هذه الفرصة الذهبية لفك شفرات السجن الذي وُضعت فيه. كان ذكاؤها الفطري يعمل بأقصى طاقته؛ تدرك تماماً أن سماحه لها بدخول هذا المكان ليس مجرد دلال عاشق، بل هو اختبار أو ربما طعم ليراقب ردود أفعالها. سحبت عدة مجلدات تاريخية وجغرافية لتلقي عليها نظرة سريعة، لكنها لم تجد سوى تاريخ عائلات إمبراطورية ورسوم بيانية لأراضٍ شاسعة. أبحرت في الممر الأخير للمكتبة، حيث الرفوف المغطاة بطبقة خفيفة من الزجاج المقوى المقفل بسلاسل نحاسية صغيرة. وهناك، في عمق الرف الأوسط، أثار انتباهها مجلد ضخم غلافه مصنوع من الجلد الأسود المطفأ، لا يحمل أي عنوان عريض، بل ينطبع في منتصفه رمز محفور بالذهب البرونزي؛ رمز يمثل ثعباناً ممتداً يلتف حول خنجر ملكي حاد، وتتوج رأسه نجمة ثمانية الأضلاع. انقبض قلبها فوراً؛ إنه الرمز ذاته المحفور على الوشم الممتد فوق ظهر البطل، والمطبوع بحرفية على الخاتم الفضي الضخم الذي يطوق إبهام يده اليمنى!

قبضت على المقبض النحاسي للرف، ولدهشتها وجدته مفتوحاً غير مقفل كبقية الزجاج. سحبت المجلد الثقيل ببطء وحذر، وحملته نحو طاولة قراءة ضخمة مصنوعة من الخشب الملكي تتوسط الجناح. فتحت المجلد بحرص على صفحاته الأولى التي صُنعت من ورق البردي المقوى، لتكتشف أن النص ليس مكتوباً بلغتها اليومية ولا بأي لغة معروفة كالعربية أو الإنجليزية؛ بل كان عبارة عن شفرات رموز هندسية معقدة تتداخل فيها الحروف الأبجدية القديمة مع أرقام هيروغليفية ونقاط سريانية. غير أن عقلها لم يقف عاجزاً؛ تفرست في السطور بعناية جبارة، لتكتشف وجود هوامش مكتوبة بخط يده هو، تعيد ترجمة بعض الرموز الأساسية. بدأت تربط بين الدلائل بذكاء مذهل؛ فكت رموز العبارة الأولى التي كانت تشير إلى اسم منظمة تاريخية سرية تُدعى "حراس الظل"، ووصلت إلى سطر مشفر يتحدث عن "عمليات طمس الإدراك وحماية الأهداف الحيوية عبر مسح السجلات النفسية"! اتسعت حداقتا عينيها في صدمة عارمة؛ فالكتاب لا يحوي مجرد تاريخ عائلي، بل يضم تفاصيل النظام السرّي الذي استخدمه البطل لمسح ذاكرتها والسيطرة على كيانها!

ارتجفت يداها فوق الصفحات، وارتفعت ضربات قلبها لتشكل طنين شديد في أذنيها، وفي تلك اللحظة بالذات التي همّت فيها بنسخ بعض الرموز في سرها... لم تسمع صوت الباب وهو ينفتح، ولم تدرك وجود أي حركة حولها، لترى ظل شخص ضخم يتمدد فوق الطاولة ليحجب عنها ضوء النافذة كلياً. انحبست الأنفاس في حنجرتها، وقبل أن تتذوق طعم الهروب أو تغلق المجلد المفتوح، أحاطت بها هالة حرارية قاهرة نُسجت من عبق التبغ الفاخر، والمسك الأسود، ورائحة الجلود العتيقة.

تسللت يداه الطويلتان والقويتان من خلفها ببطء شديد وحزم أسطوري؛ وضع كفه الأيمن فوق يدها اليمنى المرتجفة التي تمسك بحافة الكتاب، بينما استقرت كفه اليسرى على الطاولة ليحاصرها بين ذراعيه الفولاذيتين، ومحيطاً بجسدها النحيل كلياً بدفء جسده الضخم كالجدار. التصق صدره العريض المنحوت بظهرها المرتعش، فتخللت حرارته المشتعلة ثيابها السوداء لتلامس بشرتها مباشرة، مجبرة أياها على إطلاق شهقة خافقة تلاقت مع أنفاسه الحارة التي بدأت تداعب منحنى عنقها وأذنها ببطء عاصف. لم يبتعد ولم يبدِ غضباً، بل انحنى برأسه أكثر حتى لامس فكه الصلب خط وجنتها الملتهبة، يضغط بكفه الثقيلة على يدها الثابتة فوق الصفحات، مجبراً أصابعها على التخلل بين أصابعه العريضة التي تحمل خشونة ذكورية حارقة.

"تدرسين تاريخي وتفكين شفراتي يا قمر؟"

خرج صوته رخماً، عميقاً، يتردد بأمواج صوتية منخفضة في صدره القوي، يفيض بنبرة إغواء وتملك متغطرس يجعل الدماء تتدافع في عروقها بجنون. رفع يده الأخرى من على الطاولة، وبأطراف أصابعه الدافئة، بدأ يمسح بخفة ورقة على طول عنقها، يداعب بشرتها النظيفة بنعومة مفرطة تثير قشعريرة حميمية جارفة سرت في أعماق كيانها كالحريق. تصادم صراعها النفسي في تلك اللحظة بضراوة لا ترحم؛ فعقلها يصرخ محذراً إياها من هذا الكتاب الذي يثبت جريمته في مسح ذاكرتها وسلبها حريتها، والرسالة المحذرة تتردد في أعماقها كجرس خطر، ولكن... جسدها المنهك والمتطرد كان يخونها في كل ثانية! كان دفء جسده الملتصق بظهرها، وقوة ذراعيه اللتين تطوقانها بحنان قاهر، ونبرة عشقه المظلم المنسابة في أذنها، كل ذلك يخلق كيمياء سحرية تشتت تفكيرها، وتجعل أطرافها ترتخي واستجابتها للحميمية تتصاعد رغماً عن كافة خطوط الدفاع التي تحاول بناءها.

حاولت أن تمسك بذراعيه لتدفعهما بعيداً، لكن قبضته على يدها الممسكة بالكتاب ازدادت تملكاً وقوة، وسحبها للخلف أكثر حتى غرق أسفل ظهرها في صلابة حوضه، لتشعر بضربات قلبه العنيفة المتسارعة التي تتناغم بدقة مرعبة مع نبضها المذعور. انحنى وشفتيه تلامسان الشحمة الحساسة لأذنها، يطبع قبلة بطيئة، حارة، وممتدة على خط فكها المرتجف، ثم همس بنبرة تنضح بشغف مفترس يذيب الخوف والمنطق: "الكتاب لا يكذب.. والرموز التي تفكينها تتحدث عن رجل أفنى عمره في الظلام، لكي يحمي الملاك الوحيد الذي يضيء عتمته. مسحتُ العالم من ذاكرتكِ كي لا تتذكري سوى لمساتي، وكي لا تنتمي روحكِ لسواي. فلِمَ تصارعين رغبتكِ في البقاء هنا بين أحضاني؟"

أغمضت عينيها بشدة تحارب دوار المشاعر الحارة التي تفجرت في أوصالها، وشعرت بركبتيها تعجزان عن حملها لولا ذراعه الثقيلة التي التفت حول خصرها المشدود، ترفعها إليها برفق قسري وتلصقها بكامله. تلاحقت أنفاسهما الثائرة في المساحة الضيقة بين وجهيهما، وأدار هو رأسها نحو الجانب بلمسة حنونة من إبهامه أسفل ذقنها، ليحكم سيطرته على عينيها الثائرتين الزمرديتين بفيض من الشغف والسيطرة. كانت لمسات أصابعه التي تحركت من عنقها نحو كتفها المكشوف تزرع حبوراً مشتعلاً يلتهم تحديها، ويجعل أسئلتها عن الذاكرة والمنافسة تتلاشى تحت وطأة الافتراس العاطفي الذي يمارسه ببراعة شيطانية.

انقضت شفته على شفتيها بقبلة متملكة، عميقة، وعاصفة، قبلة امتزجت فيها قسوة التملك مع رقة العشق الجارف، اختطفت أنفاسها وقطعت آخر حبل في مقاومتها النفسية. تجاوبت معه رغماً عن كل تحذيرات عقلها، وانفتحت شفتيها لتستقبلا حريق رغبته المشتعلة، وارتفعت يدها اليسرى النحيلة لتلتف حول عنقه العريض، متخللة بأصابعها المرتجفة في شعره الأسود الناعم، مستسلمة لانصهار حسي فاخر يجمع بين الخوف والشغف واللذة القاتلة. احتضنها بقوة أكبر، وركبتيها تكادان تلامسان الأرض من شدة الاسترخاء والذوبان في حضنه، وظل يمتص شهد شفتيها ببطء ولذة رجل يعيد إعلان ملكيته المطلقة على جوهرته الوحيدة.

ولكن... وفي ذروة هذا التلاحم المشتعل وفي اللحظة التي كانت فيها قمر تفقد كل قدرة على الابتعاد والتفكير، تحركت أصابعه التي تمسك بيدها فوق كتاب الشفرات، لينزع الورقة المترجمة من تحت كفها، ويرميها في سلة مهملات معدنية بجوار الطاولة، ثم يخرج من جيب بذلته ولاعة ذهبية فاخرة، ويشعل النار في الورقة لتلتهمها ألسنة اللهب في ثوانٍ معدودة. ابتعد بشفتيه عنها ببطء شديد، وهو يتنفس بعمق ويراقب وجهها الملتهب بالقبلات وعينيها الزجاجيتين الناطقتين بالتناقض، ثم انحنى وهمس ضد شفتيها بصوت خافق، داكن، وممتلئ بالسيطرة المطلقة: "فك الشفرات انتهى يا قمر.. والآن، حان الوقت لتكتشفي السر الذي كتبتِ الخريطة لأجله."

مسك يدها بحزم وسحبها خلفه بخطوات واثقة ونظرات حادة، ينزل بها عبر درج رخامي حلزوني سري مخفي خلف رفوف المكتبة، ينحدر نحو أعمق نقطة في القبو السفلي للقصر. كانت البرودة تتزايد في الهواء مع كل خطوة ينزلانها، وتفوح رائحة الرطوبة والحديد الصدئ، لتصل إلى باب مصفح ضخم تحيط به شاشات حراسة وكاميرات مغلقة. فتح الباب بصوت صفير إلكتروني حاد، ليتبدد الضوء ويظهر في منتصف الغرفة المعتمة رجل مربوط بسلاسل حديدية ثقيلة إلى كرسي معدني، وجهه مخفى بغطاء أسود وجسده يرتجف من الخوف.

اقترب البطل من الرجل المربوط، وبحركة سريعة ومفاجئة، سحب الغطاء الأسود عن وجهه، ليكشف عن رجل في أواخر الأربعينيات، ملامحه شاحبة ومذعورة، وعلى خده وشم مصغر يماثل رمز الثعبان والخنجر!

تجمّدت الدماء في عروق قمر، وتسارعت ضربات قلبها إلى حد الفزع حين نظر الرجل المربوط إليها بعينين متسعتين من الصدمة، وصرح بصوت متهدج، مبحوح، وممتلئ بالرعب الشديد قبل أن يمنعه الحراس: "أنتِ!.. كيف تكونين حية؟ إن زوجكِ هذا... هو من أمرني بإطلاق النار على سيارتكِ ومسح ذاكرتكِ كي لا تكتشفي أنه قتل والدكِ!"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السادس عشر

    انهارت دموعها كشلال ساخن يحرق وجنتيها. لم يكن حبه لها وليد اختطافها، ولم تكن علاقتهما نتاجاً لغسيل دماغ بعد الحادث. لقد كانا حبيبين، شريكين، وربما أكثر من ذلك بكثير! لقد كانت تعشقه بإرادتها الحرة، وكان هو يشاركها الحياة بكل تفاصيلها قبل أن يتدخل الموت ليفرق بينهما. زلزال من المشاعر المتضاربة ضرب كيانها؛ إذا كانا يعيشان كل هذا الحب الساحر، فما الذي أوصلهما إلى نقطة الدمار؟ لماذا حاول والدها قتلها؟ ولماذا أخفى هو عنها هذا الألبوم وهذا التاريخ المجيد من حبهما، مفضلاً أن يتحمل نظرات الكراهية والشك في عينيها على أن يخبرها بالحقيقة البسيطة: "لقد كنا عاشقين"؟لم تشعر بالباب الخشبي الثقيل وهو يُفتح، ولم تنتبه لخطواته التي توقفت فجأة في منتصف الغرفة. كان البطل قد أنهى تأمين اليخت وعاد ليواجهها، لكنه تسمر في مكانه حين رأى ظهرها المرتجف، ورأى الألبوم الجلدي المفتوح تحت ضوء المصباح. سقطت كل أقنعة القوة والسطوة التي يرتديها زعيم المافيا. انهار الدرع الفولاذي الذي بناه حول نفسه منذ أن فقدت هي ذاكرتها. تقدم نحوها بخطوات متعثرة، لا تشبه خطواته الواثقة التي ترعب أعتى الرجال.حين شعرت بظله يغطيها، التف

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الخامس عشر

    تسمرت قمر في مكانها، وكأن صقيع الموت قد زحف من أرضية الغرفة المعدنية ليتسلق ساقيها ويشل كل خلية في جسدها. كانت الكلمات التي انبعثت من جهاز الاتصال تتردد في جمجمتها كقرع أجراس الجحيم، لكن الرعب الحقيقي لم يكن في ذلك الصوت المشوه، بل في الجسد الضخم الذي يسد منفذ النجاة الوحيد. وقف هو في عتمة إطار الباب، يمسك بجهاز الإرسال اللاسلكي الذي انتزعه للتو من حارسه، وعيناه الزمرديتان تشتعلان بظلام لا قاع له، ظلام يبتلع كل ما تبقى من أكسجين في الغرفة الخانقة. لم ينطق بحرف، بل تقدم نحوها بخطوات بطيئة، ثقيلة، ومحسوبة، كفهد يحاصر طريدته على حافة الهاوية. كان كل شيء فيه ينضح بالتهديد؛ سكونه، اتساع صدره الذي يعلو ويهبط بغضب مكبوت، وتلك الهالة المرعبة التي تجعل الهواء يرتجف من حوله. تراجعت قمر لا إرادياً حتى اصطدم ظهرها بلوحة التحكم الباردة، وأنفاسها تتقطع في صدرها كشظايا الزجاج. توقعت أن ينقض عليها، أن يعاقبها على خيانتها وتسللها في جنح الليل، لكنه بدلاً من ذلك، رفع جهاز الإرسال الذي بيده، وبحركة خاطفة وعنيفة، سحقه بضربة واحدة على حافة الطاولة المعدنية، محطماً إياه إلى قطع متناثرة.«هل ترين كيف يتلاعب

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الرابع عشر

    كانت القبلة طقساً من طقوس السحر الأسود، مزجت فيها قمر بين برائتها المعهودة وغواية متعمدة أربكت كل حواسه. تذوقت طعم اليود والتبغ على شفتيه، وتوغلت بيديها في خصلات شعره الكثيف، تجذبه إليها بقوة تلغي كل مسافة ممكنة. للحظة واحدة، قاوم عقله هذا الاستسلام المفاجئ، لكن جسده وروحه العطشى إليها خانا كل منطق. انقضت يداه الكبيرتان على خصرها، يرفعها عن الأرض لتلتف ساقاها حول خصره، بينما تحولت قبلته من استجابة متفاجئة إلى اجتياح كاسر، مفترس، يمتص رحيق شفتيها بضراوة رجل وجد واحة بعد سنوات من العطش في صحراء قاحلة.حملها وهي لا تزال معلقة في عنقه وتغدق عليه بقبلات تسلبه إرادته، ومشى بها بخطوات متسارعة، ثقيلة، نحو الجناح الرئيسي المغلق في الطابق السفلي. ركل الباب بقدمه ليفتحه، ودخل بها إلى الغرفة الواسعة الغارقة في الظلال، والتي تضيئها فقط انعكاسات أضواء المصابيح الخافتة على أمواج البحر المتلاطمة خارج النوافذ الدائرية. ألقى بها برفق على الفراش الحريري الواسع، ولحق بها في جزء من الثانية، محاصراً إياها تحت ثقل جسده المشتعل.«هل تدركين ما تفعلينه الآن يا قمر؟» زمجر بصوت أجش، متقطع من فرط اللهاث، وعيناه ت

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثالث عشر

    كانت الكلمات تتردد في تجويف جمجمتها كدوي انفجار لا ينتهي، تمزق كل ما تبقى من أشرعة اليقين في سفينة عقلها الغارقة. «الرجل الذي حاول قتلكِ... هو والدكِ!». لم تصرخ، لم تبكِ، بل غرقت في حالة من الشلل الإدراكي التام، حيث تجمدت الدماء في عروقها، وتحولت ملامحها إلى قناع من الشمع البارد. كيف يمكن للرجل الذي كانت تعتبره الملاذ الآمن، والذي بكت دماً حين رأته ممدداً تحت رحمة الأجهزة الطبية في القبو المظلم، أن يكون هو ذاته الجلاد الذي فخخ سيارتها بدم بارد؟ الصدمة لم تكسرها فحسب، بل سحقتها، وجعلتها عجينة طيعة بين يدي هذا الشيطان العاشق الذي استغل هشاشتها المطلقة في تلك اللحظة ليحكم قبضته عليها بشكل نهائي ولا رجعة فيه.لم يمنحها فرصة لاستيعاب الفاجعة أو ترتيب شتات روحها. في غضون ساعات قليلة، وقبل أن تشرق شمس الصباح التالي، كان قد انتزعها من القصر، ونقلها وسط حراسة أمنية مشددة، وموكب من السيارات المصفحة السوداء، إلى الميناء الخاص السري التابع لإمبراطوريته. وهناك، وجدت نفسها على متن يخت أسطوري ضخم، أشبه بقلعة عائمة من الفولاذ والزجاج الأسود، يخت يحمل اسماً محفوراً بحروف ذهبية بارزة على هيكله، اسماً ي

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثاني عشر

    «ماذا رأيتِ؟» همس بصوت أجش، خشن، يشبه حفيف الأفاعي السامة، ونفث أنفاسه الساخنة والمحملة بعبق التبغ على شفتيها المرتجفتين، مما جعل قشعريرة عنيفة تضرب كل خلية في جسدها المحاصر.«ابتعد عني!» صرخت بصوت متهدج، وهي تتلوى بعنف تحته، محاولة يائسة لتحرير معصميها من قبضته التي لا تتزحزح. كانت دموع الخوف والارتباك تتجمع في مآقيها، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة جنونية ليحتك بصدره الصلب، مما أشعل شرارات من التوتر الحسي الذي زاد من تعقيد الموقف. «أنت وحش... لقد رأيتك... رأيت الوشم في الحريق... أنت كنت هناك في ليلة الحادث!»تصلب فكه بشكل مرعب، واختلجت عضلة بارزة في وجنته النحاسية، لكنه لم يتراجع، بل زاد من ثقل جسده عليها، دافناً إياها أعمق في الفراش الوثير. انخفض برأسه أكثر، حتى تلامست أنفاسهما الثائرة، وفي لحظة من التناقض المدمر الذي يميزه، تحولت قسوته الغاشمة إلى رقة مظلمة، سامة، ومربكة للحواس. حرر أحد معصميها، ليمرر أصابعه الخشنة ببطء قاتل وتعذيب لذيذ على طول خط فكها، نزولاً إلى عنقها النابض بالذعر، ثم مسح دمعة يتيمة هربت من زاوية عينها.«أنا كنت هناك بالفعل يا قمر،» همس بصوت رخيم، عميق، يتسلل إلى مسا

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الحادي عشر

    كان الظلام الذي ابتلع وعيها إثر سؤاله المرعب، وصدمة الذاكرة التي تفجرت في قاع جمجمتها، ظلاماً كثيفاً، لزجاً، ومحاطاً ببرودة الموت. لم تدرِ كم من الوقت مر عليها وهي تسبح في تلك الغيبوبة المؤقتة التي فرضها عقلها المنهك كآلية دفاعية أخيرة ضد الجنون. حينما بدأت حواسها تستيقظ ببطء شديد، كان أول ما تسلل إلى إدراكها هو رائحة المسك الأسود الفاخر الممزوج بعبق التبغ الرجولي الحار، رائحة احتلت مسامها وصارت بالنسبة لها تعريفاً حسياً للأمان والخطر في آنٍ واحد. شعرت بنعومة الحرير البارد تحت جسدها العاري الذي كان يرتجف بضعف، وبثقل غطاء مخملي دافئ يحيط بها كشرنقة واقية. رمشت بجفنيها المثقلين مراراً، محاولة طرد بقايا الضباب الذي يغلف بصرها. كانت الغرفة غارقة في عتمة هادئة، لا يكسرها سوى ضوء القمر الفضي الشاحب المتسلل من خلال الشقوق الرفيعة للستائر المخملية الثقيلة، ليرسم خطوطاً مضيئة على الأرضية الرخامية الفاخرة.حاولت قمر أن تتحرك، لكن جسدها كان مشلولاً من فرط الإرهاق العاطفي والجسدي الذي اجتاحها في الساعات الماضية. أدارت رأسها ببطء شديد نحو الجهة الأخرى من الفراش الوثير والواسع كساحة معركة، لتجده هن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status