Inicio / الرومانسية / أسرني شيطاني المفضل / الفصل الثالث: لمسة منتصف الليل

Compartir

الفصل الثالث: لمسة منتصف الليل

last update Fecha de publicación: 2026-08-01 22:33:00

ساد الصمت المريب أرجاء القصر بعد أن خمدت صفارات الإنذار المدوية وعادت الأضواء الخافته تتسلل عبر الممرات الرخامية، عقب الانفجار التكتيكي الذي اتضح أنه مجرد اختبار أمني قاسي أجراه حراس البطل لتفقد جاهزية الدفاعات. سحبها البطل من وسط ذلك الهرج إلى جناحها الخاص، محيطاً إياها بحراسة مشددة مضاعفة، وأغلق الباب الفولاذي الضخم خلفه، تاركاً إياها في مواجهة عتمة الليل ورأسها الذي يغلي بالأسئلة والتناقضات. أصبحت الساعات تتسرب ببطء كأنها دهور، وظلت هي تستلقي على الفراش الوثير تتظاهر بالنوم العميق، تنصت بإصغاء شديد لأي حركة خارج الجناح حتى اطمأنت أن القصر قد غرق في سكون منتصف الليل القاتل. فتحت عينيها في الظلام الداكن، وانزلت أقدامها الحافية على السجادة النحيفة ببطء شديد يمنع أي حفيف لقماش فستانها الأسود الناعم. تحركت كالأشباح في أرجاء الغرفة الشاسعة، تدفعها غريزة البقاء وذكاؤها الفطري الذي يحارب غشاوة الذاكرة الممسوحة، تتفحص الجدران الخشبية المزخرفة والنوافذ المغلقة بسلاسل فولاذية صلبة لا تتزحزح. اقتربت بخطوات متهيبة نحو الباب الرئيسي للجناح، وضغطت بكفها المرتجف على اللوحة الإلكترونية الملحقة بالجدار. أضاءت الشاشة الصغيرة بنور أزرق خافت، وعرضت ماسحاً ضوئياً متطوراً مرفقاً بماسح نسيجي للعين وسماعة التقاط صوتي عالية الدقة، قبل أن يظهر نص رقمي يوضح أن فتح الأبواب وإلغاء حظر التجول الأمني داخل الجناح يتطلب حصراً بصمة العين ونبرة الصوت الخاصة بمالك القصر وحده! جمدت الدماء في عروقها حين أدركت عمق السجن المخملي الذي وُضعت فيه؛ سجن تكنولوجي متكامل لا يمكن اختراقه بالمهارة البشرية العادية ولا بالهروب التقليدي. تراجعت إلى الخلف ببطء ونبضات قلبها تضرب قفصها الصدري بجنون، مسحت وجهها بكفيها تحاول كبح دموع العجز، وأثناء عودتها للجلوس على حافة الفراش لترتيب أفكارها، تصادم رأسها بوسادة الحرير السميكة المطرزة بخيوط الذهبي. أحدثت الوسادة صوتاً خفيفاً يشبه احتكاك الورق المقوى، فقبضت بكفها على زاوية الوسادة وتفقدت حشوتها الداخلية بذكاء حاد، لتكتشف وجود شق صغير مخفي بعناية في البطانة الداخلية. أدخلت أصابعها النحيلة بحذر شديد، وسحبت قطعة قماشية كتانية قديمة، متهالكة الحواف ومطوية بشدة. فتحت القطعة القماشية بحذر تحت الشحوب الضوئي المتسلل من قمر الليل، لتكتشف أنها خريطة تفصيلية قديمة للقصر وأنساق ممراته السرية وأقبية الخروج الخفية المطلة على الغابة المجاورة، وتحت الخريطة كتبت عبارة بخط يدها ذاته بلون أسود داكن: "القفل الفولاذي لا يفتحه سوى الصوت الذي تخافين عشقه.. ابحثي عن مفتاح الهرب في قلبه قبل جسده يا قمر!"

اهتزت حدقتا عينيها برعب متجدد وهي تقرأ اسمها المكتوب بخط يدها "قمر!"؛ الاسم الذي يتردد كأنغام سحرية في عقلكِ ويؤكد هوية روحها التي يحاول البطل احتكارها. طوت الخريطة الكتانية بلهفة وجنون، وضغطت عليها بين كفيها تصارع دقات قلبها المتسارعة، وفي تلك اللحظة بالذات التي همت فيها بإخفاء الخريطة تحت ثيابها... انحجب ضوء القمر المنساب من فتحات الشيش الخشبي كلياً، وتلاشى الصوت الإلكتروني للباب بصفير خافت للغاية، ليتدفق من خلفه سكون مرعب أشد خطورة من صوت الانفجارات. لم تسمع خطوتين، بل شعرت بهالة جسدية قاهرة تقتحم عتمة الغرفة وتزنق الهواء في حنجرتها. استدارت برعب جارف، لتجده يقف في منتصف الظلام كأنه طيف شيطاني نُسج من عتمة الليل ذاته. كان قد خلع سترة بذلته الرسمية، وفتح الأزرار الأولى لقميصه الأسود الفاخر ليكشف عن بياض عنقه العريض وأعلى صدره المنحوت، بينما كان شعره الأسود منثوراً بقدر من الفوضى المربكة على جبهته. لم يقل كلمة واحدة، بل تحرك نحوها بخطوات مفترسة محسوبة، تنبعث منه رائحة التبغ الممتزج بعبير عطرها الذي استقر على جسده منذ عشاء التملك.

تراجعت هي إلى الخلف بآلية مرعوبة حتى ارتطم ظهرها بالجدار الرخامي البارد للغرفة، وصار بينهما وبين الفرار مسافة مستحيلة. لم يمنحها حتى فرصة للتنفس؛ بل خطى خطوته الأخيرة وألصق جسده الضخم بجسدها النحيل، واضعاً كفيه الثقيلين على الجدار الرخامي على جانبي رأسها، ليحاصرها كلياً داخل إطار جسده الصلب كالفولاذ. كان تصادم أنفاسهما الساخنة في الظلام الدامس يخلق كيمياء مشتعلة تجعل الهواء بينهما يغلي بالحميمية والصراع النفسي القاتل. رفعت كفيها المرتجفين ووضعتهما على صدره العريض في محاولة دفاعية واهية لدفعه بعيداً، غير أن كفها اليمنى كانت لا تزال تقبض على الخريطة الكتانية المخبوءة. شعرت بسخونة جسده المتدفقة عبر القماش الخفيف لقميصه، وبضربات قلبه القوية السريعة التي تتناغم بأسلوب مريب مع ضربات قلبها المذعورة. انحنى برأسه نحوها حتى باتت شفته تلامس خط أذنها ووجنتها الملتهبة، يهمس بنبرة رخيمة، عميقة، تحترق بالشغف المظلم والغضب المكتوم: "ألم أقل لكِ إن الليل في هذا القصر لا يستر السرائر يا قمر؟ تتسللين في العتمة لتفحصي أقفالي؟ تسألين الشاشة الميتة عن مخرج وأنا المخرج والمدخل الوحيد لحياتكِ؟"

انقبضت أحشاؤها وهي تسجل نطق اسم "قمر" من بين شفتيه بتلك النبرة التملكية الحارقة التي تسلبها القدرة على التفكير السليم. رفعت رأسها لتواجه عينيه الزمرديتين اللتين تشتعلان في الظلام كجمرتين، وقالت بصوت متهدج، يحاول التظاهر بالصلابة رغم الارتجاف الذي يسري في عروقها: "ابتعد عني! أنت تسجنني خلف جدران فولاذية وتظن أنك تملكني! أنا لست لعبة في يديك، وإن كنتَ تمسح ذاكرتي كلما استيقظت، فإن روحي ترفض هذا الأسر وترفضك مع كل نبضة!"

ابتسم ابتسامة خفيفة، مظلمة، وسحرتها بجمالها القاسي في منتصف العتمة. لم يبتعد بل زاد من اندماج جسديهما؛ انزلق بيده الكبيرة الثقيلة من الجدار لتلتف حول خصرها المشدود، ويسحبها إليه بقوة قاهرة ألغت كل مليمتر من الفراغ بينهما، ليرتطم حوضها بصلابة جسده، وتتسارع انفاسها بدرجة جنونية. انحنى أكثر وطبع قبلة بطيئة، عميقة، وحارقة على منحنى عنقها، يمتص بها شهد بشرتها ويثير في أعماقها قشعريرة حميمية جارفة جعلت أطراف أقدامها تتلاعى وركبتيها تعجزان عن حملها. كانت لمساته مزيجاً معقداً من السيطرة المفترسة والرقة العاشقة المفرطة، كل لمسة من أصابعه على طول ظهرها كانت تذيب خطوط دفاعها النفسية، وتزرع في أعماق عقلها المجهد تناقضاً رهيباً؛ كيف لعقلها أن يراه سجاناً مرعباً يمسح تاريخها، بينما كل خلية في جسدها تستجيب لحرارة شفتيه بلهفة وشوق قديم لا تستطيع إنكاره؟

داعبت أصابعه العريضة أسفل ذقنها، يرفع رأسها لتتلاقى أعينهما في مسافة حابسة للأنفاس، وجعل شفتيه تحومان فوق شفتيها المرتجفتين دون أن تلامسهما كلياً، ليعذبها بدفء أنفاسه وشهوة الاقتراب. همس بصوت خافق، يفيض بالعشق المجنون الذي يتجاوز حدود العقل: "حاربيني كما تشائين يا قمر.. صرخي، واكرهيني، وابحثي عن ثغرة في جدراني، لكنكِ في النهاية ستعودين إلى هذا الصدر. أنفاسكِ تعرفني، وجسدكِ يذكرني حتى لو خانتكِ ذاكرتكِ. القفل الفولاذي ليس على الأبواب.. القفل الحقيقي هو ما زرعته أنا في قلبكِ ولن يفتحه أحد غيري."

انقضت شفته على شفتيها بقبلة متملكة، عاصفة، ومشتعلة بالمشاعر الكثيفة، قبلة استنزفت كل قوتها وتحديها، واختطفت أنفاسها في حريق روماني لا يرحم. تجاوبت معه رغماً عنها، وانفتحت شفتيها لتستقبلا شغفه الجارف، وارتفعت يدها اليسرى لتمسك بكتفه العريض وتغرس أصابعها في قماش قميصه، مستسلمة لدوار الحميمية الصافية التي تحرق الخوف وتترك العشق وحده سيداً للموقف. لكن، وفي ذروة الانصهار الحسي بينهما، وأثناء استغراقه الكامل في تقبيلها وضغط جسدها عليه... تحركت يده الأخرى النسرية بهدوء حذر نحو يدها اليمنى المطبوقة خلف ظهرها. وبحركة خاطفة، حاسمة، ودون أن يقطع قبلته المشتعلة، فتح أصابعها المرتجفة وسحب الخريطة الكتانية القديمة من بين كفيها!

توقفت حركة أنفاسها وسكنت ضربات قلبها كأنها تلقت طعنة ثلجية في منتصف الحريق. ابتعد بشفتيه عنها ببطء، تاركاً إياها تترنح وتستند إلى الجدار، تتنفس بصعوبة وعيناها تتسعان برعب لا حدود له. رفع الخريطة القماشية بين عينيه، ونظر إليها ببرود قاتل يختفي خلفه بركان من الغضب والغيرة التملكية. رفع عينيه الزمرديتين نحوها، وبنبرة هادئة للغاية تنضح بالتهديد والسيطرة الشرسة، أمسك بأطراف الخريطة الكتانية، ومزقها أمام عينيها إلى قطع صغيرة، ثم نثر شظاياها في الهواء لتتساقط فوق أقدامهما الحافية.

اقترب من جديد، ووضع يده على وجنتها المشتعلة بلمسة دافئة ومربكة، ليقول بصوت خافق ومظلم: "الخريطة الوحيدة التي تحتاجينها هي خطوط كفي يا قمر.. والانفجار الذي سمعتيه منذ قليل لم يكن خطأً أمنياً، بل كان رسالة من شخص يظن أنه يستطيع سرقتكِ مني. ولأنكِ تحبين الخرائط والألغاز..." توقف لحظة، وانساب بيده نحو رباط فستانها، يسحب سلكاً معدنياً رفيعاً مخفياً بدقة لم تلاحظه هي من قبل، ليضيف بابتسامة ساحرة ومرعبة: "... غداً عصراً، سأخذكِ إلى القبو السفلي للقصر، لترين بكتفيكِ الرجل الذي كتب لكِ هذه الخريطة وهو يستوسل الرحمة تحت قدميّ!"

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثامن والثلاثون

    «أنتِ لستِ أسيرتي، ولستِ شريكتي فقط... أنتِ الملكة المطلقة لكل ما أملك، لكل حجر في هذا المكان، ولكل نبضة في هذا القلب المظلم. أوامركِ هي القانون، وغضبكِ هو العاصفة، ورضاكِ هو غايتي الوحيدة في هذا الوجود الجحيمي».أدمعت عيناها أمام هذا الاعتراف الذي يحمل استسلاماً تاماً من رجل لم يعرف الاستسلام يوماً. رفعت يديها وطوقت عنقه، ودفنت وجهها في صدره، لتستنشق عبير رجولته الطاغية الذي يختلط برائحة الانتصار. لم تكن هناك حاجة للكلمات، فالتلاحم الجسدي والروحي بينهما كان يروي ملحمة كاملة من العشق والولاء. انحنى وحملها بين ذراعيه كأنها أثمن جوهرة في الكون، وخطا بها خارج غرفة التحكم، متجهاً نحو الجناح الملكي الخاص بهما، الجناح الذي لم يطأه أحد سواه، والذي سيشهد الليلة طقوساً جديدة، طقوساً تعيد كتابة مفهوم الحب وسطوة العشق المتبادل.دخل بها الجناح الملكي الشاسع، الذي كان يجسد الفخامة المطلقة بأسلوب يجمع بين الغموض الكلاسيكي والرفاهية الحديثة. كانت الجدران مكسوة بالحرير الأسود والذهبي العتيق، تتوسط الغرفة سرير دائري ضخم مغطى بمفارش من المخمل القرمزي العميق الذي يحاكي لون الدماء والشغف. الأضواء كانت خا

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السابع والثلاثون

    ترددت أصداء كلمات القائد الميداني في فضاء الغابة المظلمة كتعويذة موت قديمة، لتسقط على روح قمر كجبل من الجليد السام الذي جمد الدماء في عروقها وأوقف نبض قلبها لثوانٍ بدت كأنها دهر كامل. «أبي... هو المؤسس؟ هو من أمر بالإبادة؟» همست بها شفتيها المرتجفتين وهي تتراجع ببطء، وكأن الأرض تحت قدميها قد تحولت إلى رمال متحركة تبتلع كل ذكرياتها، كل دموعها، وكل صلواتها التي رفعتها للسماء طوال عشر سنوات من الحداد الممزق. في تلك اللحظة السريالية، انشقت صفوف الحراس التابعين لفريق البطل، ليتقدم من بينهم رجل يسير بخطوات واثقة، هادئة، ومفعمة بغرور طاغٍ لا يتناسب أبداً مع هيئة السجين المقهور الذي رأته على الشاشة قبل دقائق. كان يرتدي بذلة سوداء أنيقة لا تشوبها شائبة، ووجهه الذي ظنته محفوراً بعذابات الأقبية كان يشع بنضارة قاسية، وعيناه... عيناه كانتا تحملان نفس البرود الجليدي الذي رأته في عيني الزعيم الأكبر، بل أشد فتكاً. كان هذا هو الرجل الذي بكت على قبره الفارغ، الرجل الذي شكل غيابه فجوة سوداء في روحها، يقف الآن أمامها حياً يُرزق، ليس كأب حنون عاد من الموت، بل كشيطان متجسد تربع على عرش الخراب الذي دمر حيات

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السادس والثلاثون

    اتسعت عينا قمر وهي تستمع إلى هذا الاعتراف التاريخي المزلزل. الصراع النفسي الذي عاشته طويلاً، كراهيتها لوالد حبيبها، وشعورها بالذنب لعشقها لرجل ظنت أن عائلته أبادوا عائلتها، كل هذا انهار وتحول إلى رماد. الحقيقة تجلت أمامها قاسية، بشعة، لكنها مطهرة. لم يكن حبيبها وريثاً للدم والخيانة، بل كان ضحية مثلها تماماً، ضحية لجشع هذا الرجل العجوز الذي يقف أمامهما الآن. شعرت بموجة من الحب الجارف والامتنان تغمر قلبها تجاه الرجل الذي لم يكتفِ بحمايتها، بل غاص في مستنقعات الماضي ليغسل شرف عائلتيهما ويثبت براءتهما أمام محكمة التاريخ المظلم.أطلق الزعيم الأكبر قهقهة عالية، متوترة، محاولاً إخفاء ارتباكه من انكشاف خطته الكبرى. «وماذا إن كان هذا صحيحاً؟»، صرخ بتحدٍ، والجنون يطل من عينيه. «نعم، أنا من فعل كل ذلك! أنا من تلاعب بآبائكم الأغبياء، لأنهم كانوا مثاليين أكثر من اللازم، لم يمتلكوا القسوة الكافية لحكم العالم، بينما أمتلكها أنا! التاريخ يكتبه المنتصرون يا بني، وأنا المنتصر اليوم. معرفتك بالماضي لن تنقذ والدها من الحمض، ولن تنقذك من رصاص حراسي الذين يتجمعون الآن حول الساحة. لقد خسرت!».«التاريخ يكتبه

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الخامس والثلاثون

    «أبي...؟!» الكلمة خرجت من بين شفتيها المرتجفتين كحشرجة موت بطيء، همسة ممزقة شقت سكون الليل البارد وكأنها شفرة حادة تمزق نسيج الواقع ذاته. سقطت العصا الذهبية من يدها لتغوص في الوحل الأسود، بينما تسمرت عيناها المتسعتان برعب كوني على شاشة الجهاز اللوحي المضيئة. كان هناك، الرجل الذي بكته لعشر سنوات متتالية، الرجل الذي حفرت قبره بيديها في خيالها وذرفت عليه من الدموع ما يكفي لإغراق مدينة بأكملها. كان يقبع في زنزانة حديدية قذرة، وجهه شاحب كالموتى، ملامحه محفورة بأخاديد العذاب والقهر، وجسده الهزيل مقيد بسلاسل صدئة تتدلى من سقف خرساني يقطر رطوبة ويأساً. في تلك الأجزاء من الثانية، انهار العالم المادي من حول قمر، وتلاشت أصوات المطر، وتلاشى أنين الحراس الجرحى، وحتى أنفاس حبيبها اللاهثة بجوارها تبخرت في فراغ عقلي مرعب. لم تعد ترى سوى وجه والدها الذي ظنت أن تراب القبر قد طواه للأبد، ولم تعد تشعر سوى بنصل من الجليد يخترق قلبها، يمزق كل يقين بنته، وكل أمان زائف احتمت به. كانت الصدمة أكبر من أن يتحملها عقل بشري، صدمة زلزلت كيانها حتى النخاع، فتهاوت على ركبتيها مجدداً في الوحل الرطب، ويداها تعتصران حوا

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الرابع والثلاثون

    جلست قمر باعتدال، والتفتت لتنظر في عينيه بثقة امرأة ولدت من رحم النيران. «إذن، سنعطيه ما يريد. سأكون أنا الطعم»، قالتها بنبرة جليدية تحمل من القسوة ما يضاهي قسوته. «سنعود إلى القصر المدمر. سأرسل إشارة استغاثة عبر الترددات المشفرة التي زرعوها في عقلي أثناء غيبوبتي. سأخبرهم أنني هربت منك بأعجوبة، وأنك تحتضر في الكوخ الجبلي، وأنني أريد العودة إلى صفوفهم. رأس المافيا الأكبر لن يفوت فرصة تاريخية كهذه؛ سيأتي بنفسه ليستمتع بنشوة الانتصار، ليرى انكساري، وليأخذ مفاتيح إمبراطوريتك من يدي».تأملها البطل للحظات، وهو يشعر بمزيج من الانبهار والرعب من فكرة وضعها في خط النار. رفع يده ليتلمس وجنتها برقة، وهمس: «إنها خطة انتحارية يا قمر. إذا أدرك أنكِ تمثلين، سيقتلكِ قبل أن أتمكن من إطلاق رصاصة واحدة. لا أتحمل فكرة أن تبتعدي عن ناظري، أن يقترب منكِ ذلك الوغد بمسافة تسمح له بشم رائحتكِ». ابتسمت قمر بمرارة، ووضعت كفها فوق يده التي تستقر على وجنتها. «أنت علمتني كيف أكون قوية، وكيف أقف في وجه العواصف. سألعب دور الضحية المنسية، الفتاة المرعوبة التي فقدت ذاكرتها وتتوسل الأمان. سأجذبه إلى الفخ، وحين يظن أنه

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثالث والثلاثون

    تسمرت قدماه في مكانه، وتحول دمه إلى جليد يسري في عروقه وهو يحدق في تلك الحروف الدموية القانية التي دنست طهارة الثلج الأبيض. «اللعبة لم تنتهِ يا ظلي، لقد بدأت للتو». الكلمات تعبث بعقله كأصابع شيطان يعزف على أوتار الجنون، وإحداثيات مخبأه السري التي لا يعلمها أحد سواه تقف كشاهد قبر على كل وهم بالأمان قد بناه في الساعات الماضية. الخط... إنه خط يدها بلا أدنى شك، تلك الانحناءات المألوفة، وطريقة رسم الحروف التي حفظها عن ظهر قلب في كل رسائلها وملاحظاتها القديمة. كيف يمكن لهذا أن يحدث؟ هل نهضت في جنح الليل، وسارت على الثلج دون أن تترك أثراً لقدميها، وكتبت بدمائها هذه الرسالة المرعبة لتعود إلى حضنه وتصطنع ذلك النوم الملائكي؟ أم أن هناك عدواً خفياً، يمتلك من التكنولوجيا والمكر ما يجعله قادراً على استنساخ أدق تفاصيل حياتهما ليدفعهما نحو حافة الهاوية؟ الصراع النفسي الذي اجتاح كيانه في تلك اللحظة كان أشد فتكاً من أي رصاصة تلقاها في حياته المليئة بالموت. كان قلبه يصرخ بالولاء المطلق للمرأة التي أذابت جليد روحه، بينما كان عقله الحاد، عقل زعيم المافيا الذي نجا بفضل شكوكه الدائمة، يطالبه بقتلها قبل أن

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status