تسجيل الدخولتأججت في عينيها نيران الحقيقة المسحوقة تحت أقدام الأكاذيب، فتحولت دموع الانكسار إلى جمرات مشتعلة تكاد تحرق الهواء المحيط بها. لم تكن خائفة، بل كانت تحترق بغضب جارف يغلي في أعماق روحها كالبركان الثائر. وقفت شامخة رغم رجفة أطرافها، تحاول التقاط أنفاسها المتقطعة التي تشبه شظايا الزجاج الحارق. انحنى هو ببطء مهيب، التقط الأوراق المتناثرة من على الأرض الرخامية الباردة، ووقف بكامل هيبته وطوله الفارع أمامها، ممسكاً بالملف الطبي الذي يحمل تاريخها المسلوب. كانت ملامحه حجرية، خالية من أي تعبير بشري، كأنما خُلق من صخور العالم السفلي وقسوته المطلقة. تقدم نحوها بخطوات بطيئة، محسوبة ومدروسة، كفهد يطبق على طريدته المتمردة. تراجعت قمر إلى خلفها خطوة تلو الأخرى، حتى اصطدم ظهرها بسطح المكتب الخشبي الفاخر، لتجد نفسها محاصرة بين جسده الصلب الذي يبعث طاقة مرعبة وحافة الطاولة التي قطعت عليها كل منافذ الهرب. لم تكن هناك مسافة تذكر بينهما، مسافة تكفي لتشعر بحرارة أنفاسه التي تلامس وجهها، وبتلك الهالة التملكية الطاغية التي تكاد تسحق استقلاليتها وتجردها من إرادتها. ببطء شديد، مد يده الكبيرة، وأمسك بالأوراق من ي
تأججت في عينيها نيران الحقيقة المسحوقة تحت أقدام الأكاذيب، فتحولت دموع الانكسار إلى جمرات مشتعلة تكاد تحرق الهواء المحيط بها. لم تكن خائفة، بل كانت تحترق بغضب جارف يغلي في أعماق روحها كالبركان الثائر. وقفت شامخة رغم رجفة أطرافها، تحاول التقاط أنفاسها المتقطعة التي تشبه شظايا الزجاج الحارق. انحنى هو ببطء مهيب، التقط الأوراق المتناثرة من على الأرض الرخامية الباردة، ووقف بكامل هيبته وطوله الفارع أمامها، ممسكاً بالملف الطبي الذي يحمل تاريخها المسلوب. كانت ملامحه حجرية، خالية من أي تعبير بشري، كأنما خُلق من صخور العالم السفلي وقسوته المطلقة. تقدم نحوها بخطوات بطيئة، محسوبة ومدروسة، كفهد يطبق على طريدته المتمردة. تراجعت قمر إلى خلفها خطوة تلو الأخرى، حتى اصطدم ظهرها بسطح المكتب الخشبي الفاخر، لتجد نفسها محاصرة بين جسده الصلب الذي يبعث طاقة مرعبة وحافة الطاولة التي قطعت عليها كل منافذ الهرب. لم تكن هناك مسافة تذكر بينهما، مسافة تكفي لتشعر بحرارة أنفاسه التي تلامس وجهها، وبتلك الهالة التملكية الطاغية التي تكاد تسحق استقلاليتها وتجردها من إرادتها. ببطء شديد، مد يده الكبيرة، وأمسك بالأوراق من ي
كانت الكلمات المكتوبة بخط يدها على ظهر الصورة بمثابة صاعقة حية ضربت قاع جمجمتها، لتنسف في جزء من الثانية كل قصور الرمل التي بنتها على شاطئ استسلامها الأخير. «ليس من فخخ سيارتي.. بل هو من تلاعب بعقل والدي ليأمره بقتلي! إنه الجلاد الذي يرتدي قناع المنقذ.. لا تصدقي عينيه الزمرديتين أبداً!». ارتجفت أصابعها حتى كادت الصورة تسقط منها على الأرض الخشبية، بينما تحولت أنفاسها المنتظمة منذ قليل إلى لاهث مروع وخائف. هل كان كل ما عاشته من رومانسية طاغية واعترافات دامعة مجرد فصول مسرحية محكمة الصنع كتبها ليزيد من تخدير وعيها؟ هل كان يعلم بكل حرف مكتوب على تلك الصورة، وكان يلعب دور الضحية المنقذ ببراعة شيطان لا يضاهى؟ غرق قلبها في هاوية مظلمة من الشك المهلك، وأدركت أن بقاءها ثانية واحدة بين أحضانه يعني استسلامها التام للموت البطيء. تحولت دمشق الخوف في عروقها إلى طاقة حارقة للتمرد؛ لم تعد قمر تلك الفريسة الهشة التي تبكي على قهرها، بل تحولت إلى امرأة استيقظت على حافة الهاوية ولن ترتضي سوى الحقيقة المطلقة، حتى لو كلفها ذلك حياتها.أدارت رأسها ببطء شديد، وعيناها محملتان بمزيج مدمر من الكراهية والحنين ال
انهارت دموعها كشلال ساخن يحرق وجنتيها. لم يكن حبه لها وليد اختطافها، ولم تكن علاقتهما نتاجاً لغسيل دماغ بعد الحادث. لقد كانا حبيبين، شريكين، وربما أكثر من ذلك بكثير! لقد كانت تعشقه بإرادتها الحرة، وكان هو يشاركها الحياة بكل تفاصيلها قبل أن يتدخل الموت ليفرق بينهما. زلزال من المشاعر المتضاربة ضرب كيانها؛ إذا كانا يعيشان كل هذا الحب الساحر، فما الذي أوصلهما إلى نقطة الدمار؟ لماذا حاول والدها قتلها؟ ولماذا أخفى هو عنها هذا الألبوم وهذا التاريخ المجيد من حبهما، مفضلاً أن يتحمل نظرات الكراهية والشك في عينيها على أن يخبرها بالحقيقة البسيطة: "لقد كنا عاشقين"؟لم تشعر بالباب الخشبي الثقيل وهو يُفتح، ولم تنتبه لخطواته التي توقفت فجأة في منتصف الغرفة. كان البطل قد أنهى تأمين اليخت وعاد ليواجهها، لكنه تسمر في مكانه حين رأى ظهرها المرتجف، ورأى الألبوم الجلدي المفتوح تحت ضوء المصباح. سقطت كل أقنعة القوة والسطوة التي يرتديها زعيم المافيا. انهار الدرع الفولاذي الذي بناه حول نفسه منذ أن فقدت هي ذاكرتها. تقدم نحوها بخطوات متعثرة، لا تشبه خطواته الواثقة التي ترعب أعتى الرجال.حين شعرت بظله يغطيها، التف
تسمرت قمر في مكانها، وكأن صقيع الموت قد زحف من أرضية الغرفة المعدنية ليتسلق ساقيها ويشل كل خلية في جسدها. كانت الكلمات التي انبعثت من جهاز الاتصال تتردد في جمجمتها كقرع أجراس الجحيم، لكن الرعب الحقيقي لم يكن في ذلك الصوت المشوه، بل في الجسد الضخم الذي يسد منفذ النجاة الوحيد. وقف هو في عتمة إطار الباب، يمسك بجهاز الإرسال اللاسلكي الذي انتزعه للتو من حارسه، وعيناه الزمرديتان تشتعلان بظلام لا قاع له، ظلام يبتلع كل ما تبقى من أكسجين في الغرفة الخانقة. لم ينطق بحرف، بل تقدم نحوها بخطوات بطيئة، ثقيلة، ومحسوبة، كفهد يحاصر طريدته على حافة الهاوية. كان كل شيء فيه ينضح بالتهديد؛ سكونه، اتساع صدره الذي يعلو ويهبط بغضب مكبوت، وتلك الهالة المرعبة التي تجعل الهواء يرتجف من حوله. تراجعت قمر لا إرادياً حتى اصطدم ظهرها بلوحة التحكم الباردة، وأنفاسها تتقطع في صدرها كشظايا الزجاج. توقعت أن ينقض عليها، أن يعاقبها على خيانتها وتسللها في جنح الليل، لكنه بدلاً من ذلك، رفع جهاز الإرسال الذي بيده، وبحركة خاطفة وعنيفة، سحقه بضربة واحدة على حافة الطاولة المعدنية، محطماً إياه إلى قطع متناثرة.«هل ترين كيف يتلاعب
كانت القبلة طقساً من طقوس السحر الأسود، مزجت فيها قمر بين برائتها المعهودة وغواية متعمدة أربكت كل حواسه. تذوقت طعم اليود والتبغ على شفتيه، وتوغلت بيديها في خصلات شعره الكثيف، تجذبه إليها بقوة تلغي كل مسافة ممكنة. للحظة واحدة، قاوم عقله هذا الاستسلام المفاجئ، لكن جسده وروحه العطشى إليها خانا كل منطق. انقضت يداه الكبيرتان على خصرها، يرفعها عن الأرض لتلتف ساقاها حول خصره، بينما تحولت قبلته من استجابة متفاجئة إلى اجتياح كاسر، مفترس، يمتص رحيق شفتيها بضراوة رجل وجد واحة بعد سنوات من العطش في صحراء قاحلة.حملها وهي لا تزال معلقة في عنقه وتغدق عليه بقبلات تسلبه إرادته، ومشى بها بخطوات متسارعة، ثقيلة، نحو الجناح الرئيسي المغلق في الطابق السفلي. ركل الباب بقدمه ليفتحه، ودخل بها إلى الغرفة الواسعة الغارقة في الظلال، والتي تضيئها فقط انعكاسات أضواء المصابيح الخافتة على أمواج البحر المتلاطمة خارج النوافذ الدائرية. ألقى بها برفق على الفراش الحريري الواسع، ولحق بها في جزء من الثانية، محاصراً إياها تحت ثقل جسده المشتعل.«هل تدركين ما تفعلينه الآن يا قمر؟» زمجر بصوت أجش، متقطع من فرط اللهاث، وعيناه ت







