Share

الفصل مئة وثلاثة

last update publish date: 2026-09-30 06:02:05

لم تكن تلك الإحداثيات المشتعلة التي استقرت على الشاشة الرقمية سوى إنذار أخير يعلن أن رقعة الشطرنج الكبرى قد دخلت مرحلتها الدموية الأخيرة، إذ أدرك ملك الظلال أن استدراج شقيقه التوأم "سليم" نحو المعبد الصحراوي المنسي بات خطوة لا مفر منها لتطهير الماضي من جذوره المسمومة، غير أن الترتيبات الأمنية الصارمة التي فرضه بنفسه لتأمين قصر القاهرة كان ينبغي أن تُفعل بأقصى درجات الحيطة قبل مغادرته لفترة وجيزة. في ذلك الوقت بالذات، وتحت جنح الليل الذي لف العاصمة بغطاء كثيف من السحب الداكنة، كان سليم يقف خارج البوابات الإلكترونية العملاقة للقصر، مرتدياً معطفاً أسود فاخراً يخفي خلفه عقلاً شيطانياً مدرباً على اختراق أعتى الحصون العسكرية في العالم. لم تكن أنظمة الحماية في قصر ملك الظلال مجرد كاميرات مراقبة عادية، بل كانت صرحاً تكنولوجياً متكاملاً يعتمد على التعرف البيومتري الفائق، وخوارزميات مسح شبكية العين، والبصمات الجينية الحرارية التي تستحيل محاكاتها أو اختراقها بأية تقنية تقليدية؛ غير أن مهندسي الظلام الذين دربوا سليم لسنوات طويله في معسكرات المنظمات الدولية الحاقدة قد وفروا له ما لم يكن في الحسبان: نسخة مطابقة تماماً للتوقيع الجيني والترددات العصبية الخاصة بشقيقه التوأم، مستغلاً ذاك التطابق البيولوجي المطلق لتضليل أحدث أجهزة الاستشعار الذكية. تحرك سليم بثقة وخطوات بطيئة ومدروسة نحو بوابة الدخول الرئيسية، وما إن وقف أمام عدسات المسح الرقمي حتى أطلقت الشاشة الضوئية وميضاً أزرق هادئاً، معلنة بصوت آلي بارد وواثق: "تم التحقق من الهوية بنجاح.. أهلاً بك يا سيد القصر"، لتنفتح البوابات الحديدية الثقيلة بصمت مطبق ومريب، كأن القصر نفسه قد فتح أذرعه ليستقبل ابنه العاق الذي عاد ليحرق كل شيء في طريقه. تسلل سليم بخفة وحذر عبر الممرات الرخامية الفخمة، ممتصاً سكون المكان ومتخفياً خلف الظلال العميقة للتماثيل الرخامية واللوحات الفنية الكلاسيكية التي تزين جنبات القصر، متوجهاً مباشرة بخطوات ثابتة نحو الجناح الملكي المحصن حيث كانت قمر تستغرق في هدوء مؤقت بعد ليلة طويلة ومضنية من الرعب والتوتر. في تلك اللحظة داخل الجناح الملكي، كانت قمر جالسة أمام مرآة طاولة التزيين الكبيرة، تراجع بقلب خافق تفاصيل ليلتها الماضية وتستحضر دفء كلمات زوجها الحبيب قبل أن يضطر لمغادرة الجناح مؤقتاً لتأمين محيط القصر الخارجي والتخطيط للخطوة التالية. فجأة، انفتح باب الجناح الثقيل ببطء شديد، وانسلّ الداخل بخطوات واثقة وساكنة لم تترك خلفها أي صوت يذكر؛ فوقع بصر قمر انعكاساً عبر مرآة الزينة على رجل يرتدي بذلة داكنة ويقف في منتصف الغرفة، مردداً بصوت أجش وعميق يكاد يطابق تماماً نبرة زوجها: "ألم تقولي لي إنك لا تخافين شيئاً مادمت في حضني يا قمري؟.. لماذا تبدين وكأنك ترين شبحاً؟".. خفق قلب قمر بقوة عنيفة كادت تحطم أضلعها، وتدفقت في عروقها شحنة هائلة من الارتياح السريع والمزيف الذي دفعها للالتفاف بسرعة والابتسام بلهفة مفرطة، مستعدة للارتمام في أحضان من ظنت أنه زوجها العائد قبل الأوان. غير أن تلك الابتسامة تجمّدت فجأة على شفتيها، وانكمشت ملامح وجهها العاجي حين تدققت حواسها الحادة في تفاصيل وجه الواقف أمامها؛ لم تكن تلك العيون الزمردية تحمل ذات النيران المشتعلة بالدفء والتقديس والعشق الأبدي الذي عرفته في عيني ملك الظلال، بل كانت عيوناً جامدة، صقيعية، تلمع فيها شرارة دهاء شيطاني ومكر أسود يقطر بالسُمّ الصريح، إضافة إلى رائحة خفيفة من عطر غريب يمزج بين روائح البارود والثلج، بعيداً كل البعد عن عطر المسك وخشب الأرز الذي اعتادت أن تستنشقه في أنفاس زوجها. تجمّدم الدم في عروقها، وأدركت بحسها الأنثوي الخارق وعقلها المستنفر أن الواقف أمامها ليس سوى "سليم"، التوأم الشرير الذي جاء لينفذ فصله الأخير من الدم والخراب. ومع ذلك، وبدلاً من أن تطلق صرخة فزع تهز أركان القصر أو تقع في فخ الانهيار العصبي الذي كان ينتظره بفارغ الصبر، فعلت قمر ما لا يتوقعه عقل بشري؛ إذ استبقت رعبها بإنشاء جدار فولاذي من الثبات والبرود الظاهري، وابتلعت غصتها المريرة، مرتدية قناع الطاعة العمياء والخضوع الكامل لتخفي خلفه عاصفة من الصراع النفسي الضاري الذي كان يمزق أعماقها. تظاهرة قمر بالارتباك الأنثوي الناعم، واقتربت منه بخطوات بطيئة ومتمايلة، هامسة بصوت مرتعش مصطنع يحاكي الضعف والخوف: "لقد عُدت مبكراً يا ظلي.. كنت أتوقع أن تأخرك سيطول طويلاً في تأمين الحدود".. ابتسم سليم بابتسامة صفراء وساخرة، ومد يده الخشنة ليلامس وجنتها العاجية بلمسة باردة ومقشعرّة، مجيباً إياها بصوت منخفض ومحمل بتهديد خفي: "لا يمكن لشيء أن يبعدني عنكِ طويلاً يا قمر.. جئت لأطمئن عليكِ قبل أن تنتهي الحكاية للأبد، ولأريكِ من هو السيد الحقيقي في هذا القصر". شعرت قمر بصقيع يسرق حرارة جسدها كلما لامست أصابعه بشرتها، وكان الصراع النفسي داخل صدرها يكاد يفجر روحها؛ فقد كانت تتوق لغرس خنجر في صدره أو الصراخ في وجهه، لكنها أدركت بذكائها الحاد أن أي حركة طائشة ستعني نهاية مأساوية لها وربما لابنتها الغائبة، فعقدت العزم على لعب الدور الأقسى في حياتها: أن تكون الضحية المستسلمة لتستدرج الذئب إلى فخ محكم داخل جناحها الخاص. تظاهرت بالانصياع التام، واستندت برأسها على صدره المزيف، هامسة بصوت يقطر استسلاماً وهمياً: "أنا أثق بك وحدك.. افعل ما تشاء، ولكن أرجوك ألا تؤذيني".. انتشت غرور سليم بهذه الكلمات المضللة، وظن أنه قد كسر إرادتها تماماً وأخضع زوجة شقيقه لسلطانه المطلق، فأحاط خصرها بذراع قوية وجذبها نحوه بعنف تملكي، معتقداً أنه يمسك بزمام النصر الكامل، بينما كانت أصابع قمر الرقيقة، المختفية خلف ظهره والتي لا يراها، تتحرك ببطء شديد وبأعصاب من حديد نحو الزر المخفي المخصص لتفعيل نظام الإغلاق التكتيكي للطوارئ والمربوط مباشرة بمخابئ الأمان السرية لزوجها. كانت دقات قلبها تعزف إيقاعاً جنونياً يهدد بفضح أمرها في أي ثانية، وكانت عيناها المفتوحتان على أفق الغرفة المظلمة تتابعان كل حركة بحذر لا يخطئ، بينما كان سليم يهمس في أذنها بكلمات سمجة ومستفزة حول قرب سقوط إمبراطورية ملك الظلال وتلاشي أساطير القوة المطلقة. وفي تلك اللحظة الحاسمة، وحين وصل سليم بحديثه إلى ذروة الغرور والتأكد من إحكام سيطرته، ضغطت قمر بكامل قوتها وبحركة خاطفة على الزر المخفي بداخل الحائط خلفها، لتنطلق في تلك اللحظة صفارة إنذار خفية وصامتة هزت أرجاء الشبكة الأمنية الخاصة بالبطل، بينما انغلقت أبواب الجناح الملكي الفولاذية بضربة ميكانيكية مدوية أحكمت الحصار على المكان بأكمله. تفاجأ سليم بهذا التحول المباغت، واتسعت حدقتا عيناه بذهول قاتل حين أدرك أنه وقع في فخ محكم دبرته امرأة كان يظنها لتوها ضعيفة ومرعبة، فالتفت إليها بعيون تقدح شراراً وحقداً أعمى، هامساً بصوت غاضب ومرعب: "أتعتقدين أن هذه الأبواب الحديدية ستمنعني من تمزيقك إرباً يا حثالة؟".. غير أن قمر تراجعت خطوات للخلف بثبات أسطوري، وعلت شفتيها ابتسامة واثقة وباردة تعكس تحررها المطلق من قيود الخوف، مجيبة إياه بنبرة قوية لا تراجع فيها: "لقد دخلت عرين الأسد بمحض إرادتك يا سليم، ولكن خروجك منه لن يكون إلا جثة هامدة تحت أقدام ملك الظلال!". اشتعل الغضب في عروق سليم فجن جنونه وانقض نحوها بسرعة البرق ممسكاً بخنجر حاد أخرجه من معطفه، محاولاً غرسه في صدرها، ولكن قبل أن تلمس نصل الخنجر جلدها، انكسر جدار الغرفة الزجاجي الجانبي بانفجار مدوٍ وهائل أطاح بالنافذة الكبرى، ليهبط ملك الظلال من الأعلى كالصاعقة وسط شظايا الزجاج المتطاير، ممسكاً بسلاح ناري ثقيل موجه مباشرة نحو قلب شقيقه التوأم، بينما كانت عيناه الزمرديتين تشتعلان بلظى جهنمي لا أبقى ولا ذر، ليغلق الفصل على مواجهة أسطورية مباشرة بين الشقيقين ودخان المعركة يملأ المكان!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل مئة وأربعة

    لم تكن تلك اللحظة الفاصلة التي انكسر فيها زجاج الجناح الملكي بضربة مدوية وهائلة سوى نقطة التحول الكبرى التي تفجرت فيها طاقات الغضب والجرأة لتصنع ملحمة بقاء نادرة، إذ انقض ملك الظلال من بين شظايا الزجاج المتطاير كالصاعقة الهوجاء، موجهاً سلاحه الناري الثقيل نحو صدر شقيقه التوأم "سليم" الذي تجمد لثانية واحدة من هول المفاجأة غير المتوقعة، غير أن تلك الثانية الفاصلة كانت كافية تماماً لعقل قمر المستنفر أن يكتب فصلها الأخير بذكاء دهاة الحروب؛ ففي الوقت الذي كان فيه سليم يهم بغرس نصل خنجره المسموم في جسدها مستغلاً ذهول اللحظة، تحركت قمر ببراعة أفعى مباغتة وبسرعة البرق، مستغلة اقترابه الشديد وتشتت انتباهه نحو البطل القادم من فوق السطح، فما كان منها إلا أن أدخلت يدها بخفة مذهلة في طيات معطفها الداخلي لتستل محقنة طبية صغيرة ومليئة بجرعة مركزة وعالية من أقوى المهدئات العصبية والمخدرات الجراحية التي كانت قد احتفظت بها بحذر شديد منذ زيارتها الأخيرة للعيادة الطبية تحسباً لأي طارئ مميت. وبكل ما أوتيت من قوة وعزم، غرست قمر نصل المحقنة مباشرة في كتف سليم العارية تحت معطفه، ضاغطة بكل ثقلها لتفريغ محتو

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل مئة وثلاثة

    لم تكن تلك الإحداثيات المشتعلة التي استقرت على الشاشة الرقمية سوى إنذار أخير يعلن أن رقعة الشطرنج الكبرى قد دخلت مرحلتها الدموية الأخيرة، إذ أدرك ملك الظلال أن استدراج شقيقه التوأم "سليم" نحو المعبد الصحراوي المنسي بات خطوة لا مفر منها لتطهير الماضي من جذوره المسمومة، غير أن الترتيبات الأمنية الصارمة التي فرضه بنفسه لتأمين قصر القاهرة كان ينبغي أن تُفعل بأقصى درجات الحيطة قبل مغادرته لفترة وجيزة. في ذلك الوقت بالذات، وتحت جنح الليل الذي لف العاصمة بغطاء كثيف من السحب الداكنة، كان سليم يقف خارج البوابات الإلكترونية العملاقة للقصر، مرتدياً معطفاً أسود فاخراً يخفي خلفه عقلاً شيطانياً مدرباً على اختراق أعتى الحصون العسكرية في العالم. لم تكن أنظمة الحماية في قصر ملك الظلال مجرد كاميرات مراقبة عادية، بل كانت صرحاً تكنولوجياً متكاملاً يعتمد على التعرف البيومتري الفائق، وخوارزميات مسح شبكية العين، والبصمات الجينية الحرارية التي تستحيل محاكاتها أو اختراقها بأية تقنية تقليدية؛ غير أن مهندسي الظلام الذين دربوا سليم لسنوات طويله في معسكرات المنظمات الدولية الحاقدة قد وفروا له ما لم يكن في الحسب

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل مئة واثنان

    لم تكن تلك الصرخة المدوية التي اطلقتها قمر في عمق الليل الساكن سوى إعلان عن تحطم آخر حصون الطمأنينة على صخرة كابوس جديد لم تكن تخطر على بال أعتى الكابوسيين، إذ تجمّدت الدماء في عروقها وانحبست أنفاسها وهي تحدق بذلك السرير الخشبي الفارغ الذي كان يضم بين طياته براءَة طفلتها الملائكية، بينما كانت عبارة الدم الحمراء البارزة على زجاج النافذة تحفر أخدوداً من النار والهلع في قلبها الأمومي الممزق. في تلك اللحظة الحريبة، لم يكن ملك الظلال رجلاً عادياً يواجه أزمة عابرة، بل تحول كيانه بأسره إلى بركان خامل تفجرت حممه الفولاذية لتضيء محيط المكان بنظرات حادة ومخيفة تكاد تذيب الحديد، إذ اشتعلت عيناه الزمرديتان بلظى لا يبقي ولا يذر، وانسحبت من وجهه كل معارِف الرحمة والهدوء ليفسح المجال أمام محارب عتيق يستعد لخوض معركة الموت من أجل استعادة قطعة من روحه. امتدت يده الفولاذية بسرعة البرق لتبعد قمر بحنو تملكي صارم عن زجاج النافذة الملطخ، مغلقاً الستائر الثقيلة بحركة حاسمة تعزل شبح الرؤية الخارجيه، ثم جذبه بحرص شديد ليلصقها بصدره العريض الذي كان يعلو ويهبط بعنف ينم عن غضب مكبوت يكاد ينفجر، هامساً بصوته ال

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل مئة وواحد

    لم تكن تلك الورقة الجلدية القديمة التي سقطت من الدرج السري لتترك أثراً عابراً في جدار السكينة الذي بناه العاشقان، بل كانت وميضاً بارداً يختبر صلابة اليقين الذي استقر حديثاً في قلبيهما، إذ وقف ملك الظلال متصلباً في مكانه، وامتدت يده الفولاذية ببطء لتلتقط الملف الجلدي العتيق، بينما كانت عيناه الزمرديتين تشتعلان بنظرة حادة ومدروسة تقرأ ما بين السطور الحبرية الباهتة. ترددت في أرجاء الجناح الملكي أنفاس قمر المتسارعة وهي تحدق في عبارة "الوصية الأخيرة والصندوق الأسود تحت أنقاض المعبد القديم بالصحراء"، وشعرت لوهلة بأن أشباح الماضي تأبى أن تتركها تنعم بدفء الأمان الحقيقي؛ غير أن الصراع النفسي العميق الذي تمزق في صدرها لم يستمر طويلاً، إذ تقدم البطل بخطوات واثقة وساكنة كالجبال الراسخة، وأمسك بكفيها الباردتين بيديه الخشنة والدافئة، ناظراً إلى عمق عينيها السوداويين بنظرة طاغية تمتلئ بالحب المطلق والثقة التي لا تهتز. قال بصوته الأجش والعميق الذي يبعث الطمأنينة في روحها: "لا تهتمي يا قمري بما تحمله تلك الصحراء من أسرار مدفونة، ولا تقلقي من أوراق عتيقة كتبها أناس رحلوا وفنوا؛ فليحمل المعبد القديم

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل المئة

    لم تكن تلك الإشارة الحمراء المتسارعة التي اشتعلت على شاشة هاتفها سوى مفتاح أخير أسقطه القدر في يدها لتدور دواليب العقل المعطلة بعنف جبار، وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت عجلات السيارة الطائرة تختترق ليل القاهرة الماطر بسرعة الجنون، حدث الانفجار الأكبر داخل أوعية الذاكرة؛ لم يكن انفجاراً مدمراً بل كان جلاءً مقدساً وناصعاً كشمس الفجر التي تزيح أطنانًا من السحب السوداء الكثيفة. تهاوت الجدران الوهمية، وتصدعت الحواجز العصبية الاصطناعية التي زرعها الأعداء في خلايا عقلها، لتعود كل تفاصيل الماضي المنسي تتدفق في وادٍ من الإدراك المذهل واليقين المطلق. استرجعت قمر تلك الليلة الأولى من حياتها الجديدة، لترى بوضوح ساطع أن ملك الظلال لم يكن يوماً ذلك الجلاد أو الشيطان الذي رسمه لها خيالها المريض أو برمجته عقول الخونة، بل كان المنقذ الأوحد، الفارس الذي اقتحم جحيم النيران والدماء في ذلك القصر المحترق ليخرجها بين كفيه الكبيرتين، محارباً العالم بأسره ليحمي جسدها المرتجف وروحتها الضائعة من بين أنياب منظمة الظل العتيدة. أدركت بكل جوارحها أن كل رسالة مشبوهة، وكل شك تطفل على قلبها، وكل وشم أو كلمة سر م

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثامن والتسعون

    لم تكن تلك الكلمات التي ألقاها الدكتور زياد الرفاعي ببرود مريب سوى صاعقة مدمرة هوت على قمة صرح الاستقرار الهش الذي بناه ملك الظلال بدم قلبه، إذ امتدت يد البطل الفولاذية بسرعة البرق لتطبق على تلابيب الطبيب المرتجف وتلصقه بجدار الغرفة الخلفي بقوة كادت تحطم أضلعه، بينما تحولت عيناه الزمرديتين إلى جمرتين من اللهب القاسي الذي ينذر بالموت المحتم لكل من يتطاول على سيادته أو يعبث بسلام زوجه. غير أن قمر، وفي تلك اللحظة التي تجمعت فيها دماء العالم بأسره في رأسها، وضعت كفها الرقيقة والباردة على يد زوجها القوية، هامسة بصوت مرتعش يقطر بالذهول والصدمة: "أرجوك.. توقف يا ظلي.. دعنا نسمع للنهاية". تراجع البطل ببطء محكوم بغضب لا يهدأ، ناظراً إلى الطبيب بنظرات تحذيرية مرعبة تجمد الدم في العروق، بينما مسح الدكتور زياد عرقه البارد وابتسم بابتسامة متوترة ومتقطعة، موضحاً أن الأسرار لا تُكشف تحت وطأة السلاح، قبل أن يختفي بسرعة بين ممرات الكواليس الخلفية كطيف هارْب من جحيم محقق. عاد الزوجان إلى قصر القاهرة في صمت مطبق وثقيل كالسحب السوداء التي تسبق العاصفة، صمتٍ لم يخرقه سوى صوت محرك السيارة الفارهة وأنفاس

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status