LOGINبقدر سعادة جلال لقدوم زوج أخته ليأخذها معه لبيته، بقدر خوفه وقلقه عليها، هو يعلم علم اليقين ان عزت ليس أمين عليها، لو كان الأمر بيده لسعى في طلاقها منه زمن وجعلها تتعزز في بيته، لكن كيف هذا ورباب زوجته لا تترك فرصة إلا وتعايره بمكوث شقيقته الذي طال في منزلها، ليس أمامه إذا سوى التفاهم معه وتسوية الأمر.
_ أسمع يا عزت، أنا مش هعاتبك علي الفترة اللي سبت فيها مراتك من غير ولا سؤال ولا حتى اهتمام لما عرفت أنها كانت حامل و سقطت، ولا على تجاوز اختك اللي اتهمتها بالسرقة، مش هتكلم في كل ده. واكمل بجدية: _بس بما انك جيت انهاردة انا مش هقولك غير حاجة واحدة، أتقي الله في أختي أشرقت، كفاية ظلم ليها وخلي أمك تخف عليها شوية وتعاملها زي قمر اختك، مراتك غلبانة و عايزة تعيش وانت عارف ده ومتأكد من كده، اختي بنت ناس مش خدامة يا عزت، وصدقني كرامة الراجل مننا من كرامة مراته، لو سمحت بإهانتها تاني تبقي بتهين نفسك قبلها، ارجوك حافظ عليها وحطها في عينك. شعر داخله بالضجر الشديد من تلك المحاضرة، لكنه أتي ليأخذها، ولا ضرر من بعض التنازل والكذب كي ينال ما يريده، غمغم بابتسامة صفراء: _طبعا يا جلال من غير كلام أختك أشرقت في عيوني وان شاء الله مش هزعلها تاني، يلا بقا خليها تحضر نفسها عشان أنا هاخدها اعشيها برة عشوة معتبرة واراضيها قبل ما نرجع البيت. ضوي وجه جلال واطمأن قلبه، البداية تبدو مبشرة لتلك العودة مع النزهة القصيرة، علها ترضى عن زوجها ويطيب خاطرة المكسور، فقال بحماس: _حالا هخليها تجهز و تنزل معاك. عبر لغرفتها فوجدها مستعدة للرحيل مع زوجها، اقترب منها و أحاط بكفيه وجهها قائلا: _أشرقت جوزك عزت ناوي ياخدك يعشيكي برة عشان يصالحك، شكله فعلا جاي ندمان وعايز يراضيكي. وتابع كذبا: _ عارفة كمان قالي أنه زعل اوي لما عرف بسقوطك بس اتكسف يجي وقتها، ووعدني انه هيعوضك. أومأت له بابتسامة لا تخلو من مرارة خفية داخلها، هي خير من تعلم طبعه، أخر همه ضياع طفلهما، قالت لأخيها بعد برهة من صمتها هاتفة : _ربنا يهديه يا اخويا. وجدته "يدس" بكفها ورقات من النقود و قبل أن تعترض أمرها جلال بحسم: _خديهم و بلاش مناهدة، اهم قرشين معاكي بعيد عن عين جوزك، لو نفسك في حاجة اشتريها. واستطرد بصوت مكسور: _ أنا عارف يا أشرقت اني ظلمتك بالجواز دي، وانك كنتي مش مرتاحة عندي وان رباب مراتي كانت... قاطعته بقولها: _ خلاص يا جلال ده نصيب ومكتوب عليا والندم على اللي فات مش هفيد بحاجة دلوقت، أما مراتك رباب ليها عذرها وانا كنت مبسوطة يا جلال مفيش حاجة ضايقتني، بس كل الحكاية الواحدة فينا اما بتتجوز خلاص بتحس بالغربة في اي مكان غير بيتها، وده الصح يا اخويا، انت لك ظروفك وانا أكتر واحدة حاسة بيك. ربت علي خدها بحنان وقال ببعض المرح: _طب يلا احسن جوزك مستعجل وشكله جاب أخره في بعدك. ضحكت ببعض الخجل واستعدت للرحيل، وتدعو الله ألا تعيش أزمة جديدة علي يد والدة عزت المتحكمة الأولى بحياتها والسبب الرئيسي لكل مشاكلها. ___________ _مبسوطة بالعشوة المعتبرة دي يا بت يا أشرقت؟ أنا دافع في الأكلة دي مبلغ محترم، بس مش خسارة فيكي يا حبيبتي. ابتسمت له رغم كل شيء، تكفي محاولته إرضائها، كان يمكن أن يعود بها لبيته لينال بغيته دون عناء أو غرامة لشئ، فحدثته بتقدير: _ أي حاجة تعملها عشان تفرحني هتخليني مبسوطة منك يا عزت، صدقني انا سهل تراضيني، اتقي الله بس فيا وعاملني گ بني أدمة وانا هكون ملك ايدك وتحت رجليك، واعمل كل حاجة تسعدك و تريحك. أخذ من كلماتها المعني الذي وافق هواه قائلا وعيناه تتفحصها برغبة واضحة: _ عايزك تركزي في الأخيرة دي بالذات، ابسطيني و ريحيني وانا هحس بيكي على الأخر، ومش هخلي حد يضايقك. ثم نهض مستقيما أمامها بغتة: _يلا بقا نرجع البيت قبل ما مفعول الأكلة يروح، عايزنها ليلة مبروكة. ابتسمت له بدلال وعيناها تعده بالكثير والكثير، أليس زوجها وواجب عليها إسعاده؟ فليجرب و ينصفها دائما وهي كفيلة بجعله ملكا متوجا علي عرش قلبها. تغاضت عن استقبال والدة عزت الفاتر وربما المهين لها، و ولجت غرفتها لتبدأ سهرة حافلة هي و زوجها بعد طول غياب، لتروي بها ظمأه وتنال هي اخيرا هدنة وتنعم بغرفتها. في الصباح ذهب عزت لعمله بينما مكثت أشرقت بفراشها تشعر بكسل كبير بعد ليلتها الدافئة مع زوجها، قررت أن تكمل نومتها الهانئة، لكن لم تمهلها والدته تلك الفرصة و هي تقتحم غرفتها دون استئذان صائحة بتهكم: _جري ايه ياختي! انتي هتنامي للضهر وتعمليلي فيها لسه عروسة ولا ايه يا حلوة؟ حدقتها أشرقت بذهول امتزج بنفورها وهى تخدش خلوتها، كيف تقتحم غرفة نومها بهذا الشكل، اختبأت أكثر مستترة بغطائها لتخفي جسدها المكشوف معظمه وهي تهتف بضيق واضح: _جري ايه ياحماتي في حد يصحي حد ويدخل عليه بالشكل ده؟ انتي نسيتي اني لسه راجعة امبارح لجوزي بعد غياب تلات شهور بحالهم؟ فيها ايه لو نمت للضهر يعني. شملتها والدة عزت بنظرة غيرة واضحة وهي تفهم ما بين السطور. لتغمغم بصرامة: _انتي عايزاني استأذن في بيتي يا بت أنتي؟ وبعدين ايه يعني لسه راجعة امبارح؟ وانا يخصني ايه في كده، الليل ليكي انتي وجوزك، انما بالنهار لازم تبقي طوع أمري يا عنيا، الشقة عايزة تنضيف من الأرض للسقف، يلا قومي فزي خلينا نشوف اللي ورانا. تابعتها أشرقت وهي تغادر غرفتها لتدمع عيناها بحزن و شعور المهانة لا يزال يطعن كرامتها و ينحر قلبها، ماذا لو كان لها منزل وحدها؟ هل كان استحل أحدا خصوصيتها بهذا الشكل الفج؟ تنهدت بقهر و استعاذت من الشيطان الرجيم وقامت تتحمم و تتوضأ قبل ان تصلي وتدعو الله ان يعطيها القدرة و الصبر لتتحمل ظلم والدة عزت المستفحل. _عايزاكي تخلي كل سجاحيد الشقة بتبرق وزي الفل، عشان هشيلهم وابقى ارجع افرشهم بعد فرح بنتى "قمر"، والحيطان عايزة تنضف وتتغسل، والستاير كلها عايزة تتكوي، يلا مفيش وقت عايزين نخلص قبل العصر. حدجتها بحنق وهي تصب عليها القليل من استنكارها: _وانا هغسلهم واعمل كل ده لوحدي يا حماتي؟ ما تخلي بنتك تغسل وتكوي وتنضف قصادي ونخلص سوا. _ لأ طبعا بنتي عروسة هتخرج مع صحباتها يشتروا اللي ناقصها وتحجز الكوافير، ولا عايزة حيلها يتهد وهي داخلة علي جواز عشان ترتاحي يا ست هانم؟ صاحت ساخرة: _هانم؟ قولي خدامة بقا. واستطردت بتهكم: _ عشان كده خليتي ابنك يجي يرجعني البيت مش كده؟ احتدت ملامح والدة عزت وهددتها: _انتي شكلك عايزة ترجعي لبيت اخوكي تاني، أهو علي الاقل اما تخدمي ام جوزك أحسن ما تخدمي مرات اخوكي وتشتري الخضار وتشيلي أنبوبة البوتاجاز علي كتافك وتقفي في فرن العيش بالساعة والساعتين تجيبلها العيش، أقول كمان ولا كفاية كده؟ انتي فاكراني معرفش كنتي عايشة ازاي هناك؟ وواصلت تنمر عليها: _ أخلصي بقا وشوفي اللي وراكي وكفاية ضياع وقت لحد كده، ولو مش عاجبك لمي هدومك وعلي بيت اخوكي، بس المرة دي يمين بالله ما هتعتبيها تاني يا أشرقت، وانتي عارفة اني اقدر عليها فاهمة ولا لأ؟ أتعرفون القهر حين يتحول لنصل قاسي ينحر فيك القلب والكرامة؟ هو ذاته ما أنتابها وهي ترمق تلك السيدة البغيضة الظالمة المتجبرة، تنهدت بعمق ونهضت تحضر المياة الممزوجة بالصابون وراحت تسكبها فوق السجاد، ثم أمسكت الفرشاة وراحت تنظفها لتزيل عنها الغبار وهي شاردة بحالها لا تشعر بألم معصمها من فرط الجلي، لكن حين أنتهت من كل شيء، كان الألم بسائر جسدها و عظامها لا يطاق.بعد اربع سنوات. قال وهو ينظر لساعة يده: يلا يا مودة هنتأخر على رضا. صاحت عليه من غرفتها: يا رفعت دقائق بس الولاد لسه بيجهزوا، ربع ساعة ونخلص. ولج إليها ليجدها تمشط طفليه بعناية خاصتا ابنه الذي صار عمره يفوق الخمس سنوات، ولم يلقى أي تفرقة بينه وبين أخيه الأصغر بل يحبه وشديد التعلق به، زوجته الصغيرة استطاعت أن تزرع الحب والجمال بكل شيء، لا ينكر رفعت أن بعد ولادة مودة منذ ثلاث سنوات بطفلهما، كان متحفزا أن تفرق في المعاملة بينه وبين ابنه من قمر، لكن حاشاها أن تفعل، زوجته التقية طيبة القلب لم تفعلها، توزع مشاعرها وحبها عليهما بالتساوي دون تمييز، ابتسم وهي تلتقط زجاجة عطره وتنثر منها على الصغار، ليصيح باعتراض: ايه ده يا مدام انتي بتحطي من البرفان بتاعي الغالي للمفاعيص دول؟ ضحكت وهي تتدلل وتستدير نحوه وكفها بوسط خصرها: مش خسارة في ولادنا يا استاذ رفعت. غازلها بقوله: احلى أستاذ رفعت في الدنيا. ضحكت وهي تعود لتولي اهتمامها بالصغار: شوفت انت اللي معطلنا اهو. وسريعا ما انتهت لتقول: خليهم معاك بقا على ما أجهز انا. ترك الصغار بالخارج وعاد لها ليجدها ارتدت ثوب أزرق اللون شديد ا
رنين الجرس المعتاد بهذا الوقت جعلها تنهض بكسل و الوقت لا يزال باكر لكنها تدرك الطارق جيدا، من غير الممرضة التي كلفها رفعت لترعى والدتها منذ أن غادرا المشفي، و كم تحمد له صنيعه فهي غير مؤهلة لرعايتها تلك الفترة، لا تزال مشوشة ضائعة لا تدري ماذا تفعل، حتى تهورها مع ضرغام وتهديدها له كان أكثر حماقة و هي لا تمتلك فعليًا شيء لترهيبه، فقط إيصال بالمبلغ الذي أرسلته له بإرادتها، لكن ربما خاف منها حقا و أعاد لها نقودها ثم يختفي من حياتها للأبد. كم تزال ساذجة وهي تظن دخول القط مثل خروجه. لا هي تستطع الخروج ولا هو سيسمح لها به. _ صباح الخير يا مدام قمر. أومأت للفتاة بالتحية وتركتها تتوجه لغرفة والدتها لتطعمها وتعطيها الدواء. _ تحبي أعملك فطار دلوقت يا مدام قمر؟ ابتسمت لها الأخيرة بود و الفتاة تعاملها بمنتهي الرفق مراعية حالتها الصحية التي لم تتعافي بالكامل: شكرا مش جعانة دلوقت، أهم حاجة خدي بالك من ماما. _ في عنية يا مدام متقلقيش. عادت لغرفتها تتثائب و هي تنتوي استئناف نومها الذي انقطع بمجيي الفتاة، ليدوي صراخًا مدويا جعلها تنتفض رعبا مهرولة لغرفة والدتها لتدرك ما كانت تخا
"إزاي ده حصل يا مرام؟!" أطرقت برأسها صامتة و لازالت هي نفسها لا تدري كيف حدث، و الأكثر غموضا هو لماذا تُقدم فتاة صغيرة مثل أيتن علي الأنتحار؟ ما الذي طرأ علي حياتها البريئة ليجعلها فريسة هذا القنوط من رحمة ربها، ما الذي تخفيه الصغيرة و لا تعلمه هي، شعورها بالتقصير نحوها يوخز قلبها، هي وحدها المسؤولة، والدها يسعي علي رزقه بدولة أخري و والدتها سيدة شديدة الطيبة والبساطة ترعي شقيقها الأصغر المصاب بالتوحد ويحتاج كل اهتمامها و تركيزها، لذا هي وحدها المكلفة برعاية شقيقتها أيتن الكاملة، ولم يزعجها هذا بل اعتبرت الصغيرة أبنتها، لكنها انشغلت عنها بدراستها مؤخرا و لم تنتبه لها، تستعيد الساعات الأخيرة و كيف كانت شقيقتها شاحبة الوجه لا تأكل، ظنتها مريضة و طالبتها بالراحة و غابت عن البيت بضع ساعات ليأتيها أتصال والدتها الصارخ المستغيث بأن تلحق شقيقتها الغارقة بدمائها. _ أحمدي ربنا إنك لحقتيها يا حبيبتي، و اتماسكي شوية عشان والدتك اللي هتقع من طولها. استدارت نحو والدتها المنزوية تبكي لتنتقل إليها و تحتويها بعناق قائلة بخفوت: متخافيش يا ماما أيتن بخير. رفعت العجوز عيناها تتسائل: ليه أختك عم
_ ممكن اشيلوا؟ بحنان فطري أرادت اشرقت حمل رضيع سيدرا الذي لم يكمل الشهرين بعد، شوقها لتعيش نفس التجربة ازداد وهي تتأمل الصغير خاصتا وبدلته الصغيرة التي جعلته شديد الاناقة، لتمزح بقولها: بصراحة يا سيدرا بدلة أديب الصغير غطت على أديب الكبير اللي هو العريس نفسه. ضحكت الأخيرة ثم رمقت صغيرها بحب: ده ذوق فيصل، لف الدنيا عشان يشتري طقم مميز لأبننا يحضر به فرح عمه. _ ربنا يخلي وعقبال ما تشتروا بدلة فرحه أما يكبر. _ يااااه، يا مين يعيش يا اشرقت. _ربنا يديكم طولة العمر. واستطردت: هو ليه سميتوا ابنكم على اسم عمه مش جده مثلا؟ تنهدت سيدرا وشردت عيناها وطيف ما كان بين أديب وزوجها فيصل يمر بعقلها سريعا، تذكرت كيف بلحظة أصاب ثلاثتهم شرخ كبير كاد يودي بعلاقتهم للهلاك لولا تعقل فيصل وعدوله عن ظنه السيء، هي تعلم أنه لا يزال يعيد الامور لسابق عهدها خاصتا مع أخيه، ولم يكن هناك تقديرا أبلغ من أن يطلق اسمه على طفلهما الاول، ليعلم كيف يحبه أخيه، وسعادة أديب كانت كبيرة بتلك اللفتة وأتت بثمارها. _سيدرا انتي معايا؟ انتبهت على صوت اشرقت لتهتف سريعا: أيوة معاكي معلش سرحت شوية، ثم تنهدت قائلة: جوزي بيحب
"ساعة واحدة يا رفعت وتكون موصل خطيبتك على البيت" ابتسم الاول للعم بتفهم مع وعده أن يعيد مودة إليه بعد ساعة، وإن كان ما يحتاجه بقربها أكثر من هذا بكثير. يريد صب مشاعره التي انبثقت لها بقلبه على أذنيها كي تعلم كيف صارت تمثل له تلك الصغيرة، قرأ بعينها تساؤول من تريد أن تفهم وتتأكد، وهو لن يبخل عليها بشيء. _ تحبي نروح مكان معين؟ ابتسمت له قائلة بصوت خافت: اختار أنت. شعر بنظراتها الدافئة كأنها تعطيه مجاديف حياتها كاملة ليقودها هو، وليس فقط مكان سوف يمكثان فيه دقائق معدودة، صار متعمقا بقراءة عيناها أكثر من خطوط كفيه. متى تعلم هذا لا يدري.! بتصرف نم عن إدراكه لقواعد الذوق جذب لها المقعد لتجلس عليه أولا ثم جلس قبالتها مستمتع بحمرة خديها المشتعلة وهو ينفرد بها للمرة الأولى بعد شراء ذهبها. _ كان نفسك في حاجة تاني نشتريها. هكذا بدأ حديثه معها لتهز رأسها بكلمة لا، ليبتسم ملتزما الصمت قليلا قبل أن يهمس أسمها مناديا فرفعت عيناها نحوه لتعلق بشباك عيناه وتغرق بهما، رغم الصمت السائد بينهما، سمع قلبها همساته وأدركها، حتى أنها صارت لا تريد سؤاله عن مشاعره، عيناه تكفلت بالأمر واخبرتها ما تريد مع
بهدوء جلست تراقبه وهو يرتل القرآن بصوت خفيض، صوته حزين لكنه خاشع، تراه يختم تلاوته بتمتمة خافتة تدرك أنها دعاء لطليقته الراحلة، لقد مر على موت قمر شهر ونصف، لم يكف ابنها عن الدعاء لها وقراءة القرآن، ابنها البار يفي بوعده لقمر ويدعو لها كل حين، يعلم أن لا أحد سيقدم لها ما يعينها بقبرها. انتبه لوجودها فقال مبتسما: أزيك يا امي. تبسمت له بحنان: الحمد لله يا حبيبي. ثم اقتربت لتربت على كتفه: تعيش وتفتكر يا ابني، وربنا يرحمها ويسامحها. اومأ بحزن: اللهم امين. ساد صمت قصير بينهما لتبادر هي بما تود قوله منذ أيام وتنتظر اللحظة المناسبة،ط: رفعت كنت عايزاك في موضوع مهم ومش عايزة أأجله أكتر من كده. ولاها اهتمامه التام: اتفضلي يا امي سامعك. _ أنت لازم تتجوز وإياك ترفض ولا تقول مش وقته. قالتها دفعة واحدة دون تردد ونظرتها تصطبغ بعزيمة مستطردة: مش هسيبك كده العمر يجري بيك وانت مفيش حد يشاركك حياتك وايامك، قمر الله يرحمها انت مقصرتش معاها لأخر لحظة، عيش لنفسك بقا واتمتع بشبابك يا ابني. لم يبد عليه الدهشة بل رآته يبتسم لها بهدوء وكأنه كان يعلم ما ستقوله، ليحين دوره قائلا: طب وإذا قولتلك
ولج لبيته وبحث عنها كعادته حتي وجدها تتمدد غافية علي فراشها، وبطنها بدا يظهر بروزه قليلا، فاقترب "فيصل" بحذر واضجع جوارها ومد ذراعه ليحمل رأسها وراح يطالعها بصمت حتى أخذه الشرود في أحداث الأمس وهما يزوران بيت والديها، تذكر كيف انزعج من حديث ابن خالتها وتباسطه معها، اشتعلت غيرته من جديد وكاد أن يتص
طرقة سبقت دخولها إليه لتنظر نحوه بنظرة مفعمة بالحنان: لقيت نور أوضتك والع قلت اجي اسهر مع حبيبي؟ أبتسم أديب وهو ينهض نحوها وينحني ملثما كفها بتقدير: وأنا أطول ست الكل تيجي تسهر معايا. منحته ابتسامة حانية وهي تدعوا له مخلصة: ربنا يريح قلبك ومايحرمنا منك يا ابني. لتطوق لما كان بقولها: عارف
_ رحمة؟! نداء مازن وهو ينظر لهما بدهشة جعل أشرقت تنتبه له كأنه يتعجب من استكانة شقيقته بصدرها. مدت أشرقت إحدي ذراعيها وهي تدعوه إليها ( تعالى يا مازن) نقل الصغير بصره بين شقيقته وبين كف الأخيرة التي تدعوه إليها دون أن يفهم شيئًا. لم يتجاوب وظل واقفا والدهشة لا تزال بوجهه.. فنهضت أشرقت و
أختفائه المباغت منذ فترة لفت نظرها، كانت تصادفة بصحبة جارها زين دائما لكنها أصبحت تجده مفرده دون صاحبه، كثيرا ما تسائلت في ضميرها عن سبب مكوث أديب معه، أليس له أهل وعائلة؟ ربما غيابه هذا خير جواب لتساؤلها، ربما عاد إليهم ولن تراه هنا ثانيًا..أيًا كان سبب وجوده عند صاحبه فقد انتهى هذا السبب وتلاشت ح