Masukمضي شهر منذ عودتها لعزت، لم يتغير روتين معيشتها القاسية، مازالت خادمة للجميع، وازداد الأمر عند تحديد فرح شقيقته، وصار لازما عليها اعداد ولائم طعام ضخمة بزفافها اليوم، اخيرا سوف تنقشع الافعى ليخف الضغط ولو قليلا.
تفقدت الثوب الرخيص الذي اشترته بالنقود الزهيدة، لكن رغم هذا كان في غاية الرقة والجمال، بثوبها الأسود ووشاحه الفضي البراق، وعيناها الواسعة تتألق بكحلها الأزرق، فلم تسلم من نظرات الجميع. خاصة رفاق زوجها الذين تعرفهم جيدًا. مال أحدهم ناحية الآخر وهو يتابعها بعينيه وقال بخفوت: _ هو عزت جاب الجمال ده منين؟ ضحك الآخر وهو يهز رأسه: _ والله ما كنت واخد بالي إنها بالحلاوة دي. _ وعمره ما بيمشي بيها ولا بيخرجها معانا، كأنه مخبيها. رفع الثالث حاجبه وهو يرمقها من بعيد: _ أو يمكن هو نفسه غشيم مش مقدر جمالها. انفجروا في ضحكات خافتة بينما قال الأول: _ بصراحة خسارة فيه. _ وطي صوتك يا بني بدل يسمعك. _ يسمعني إيه؟ ما هو من ساعة ما جه وهو سايبها لوحدها، لا قاعد معاها ولا حتى باصصلها. في تلك اللحظة التفتت أشرقت مصادفة نحوهم، فارتبك اثنان منهم وأشاحا أبصارهما سريعًا، أما الثالث فثبت نظره عليها لثوانٍ أطول مما ينبغي قبل أن يبتسم ابتسامة أثارت ضيقها. أبعدت عينيها فورًا متجاهلة الأمر كله، وحاولت الاستمتاع بالحفل الذي أُقيم بقاعة راقية جدًا، بينما كان زوجها منشغلًا عنها تمامًا بين المدعوين والرقص مع رفاقه، كأن وجودها من عدمه سواء. _أشرقت، انتي يا أشرقت. أجفلها نداء زوجها فانتفضت كالعصفورة من شرودها وصاحت تجيبه: _ نعم يا عزت انا هنا. _ يلا عشان العرسان ماشين واحنا هنروح. ابتعدت معه مسرعة الخطى، غافلة عن الشخص المبهم الذي كان يراقبها و سمع كل شيء مختبئا بإحدي الزوايا المظلمة. في صباح ليلة العُرس، هتفت والدة. زوجها: _ جهزتي حاجات الصباحية يا أشرقت؟ أجابت وهي تكاد تسقط من فرط الأعياء والتعب: _جهزت كل حاجة طلبتيها ياحماتي. _ طب هاتيها يلا وحصليني تحت، التاكسي اللي اسمه "أوفر" ده جوزك كلمه وقال زمانه جه. _ أسمه أوبر ياحماتي! _ أوبر أوفر، أهي كلها أسامي مالهاش تلاتين لازمة، يلا حصليني وكفاية تأخير! _ طب ابعتيلي عزت يشيل الحاجة معايا _ ليه إن شاء الله؟! عيلة صغيرة مش هتقدري تشيلي شنطتين؟ عايزاني اطلع ابني السلم ده كله وأقطع نفسه عشان يساعدك؟ اخلصي وشيلي الحاجة وانزلي ورايا بلاش دلع ماسخ! همهمت أشرقت داخلها بسخط: _إلهي تتدلعي انتي وبنتك وابنك الدلع اللي انا فيه يا بعيدة منك ليها له، ولا ياخدك وارتاح منك. حملت الحقائب الثقيلة وهي تترنح بها هابطة خلفها وصوت عقلها يسب والدة عزت ويدعوا عليها! الزغاريد تصدح بتتابع صاخب ليزداد ألم رأسها ضراوة وهي تراقب حفاوة والدة زوجها بابنتها قمر ثم اختلت معها بغرفة نومها، بينما ظلت أشرقت تمشط المنزل الجديد بفضول، كم تمنت هي الأخري منزل جميل گ هذا. بعد قليل خرجت الحماة تزغرد من غرفة ابنتها، فأيقنت انها اطمئنت عليها، وراحت تتفاخر وتدعوا لابنتها بالذرية الصالحة، هنا تذكرت حملها الذي لم يكتمل ولم تعلم به إلا بعد ضياعه، ليتها علمت لحافظت علي هذا الجنين بكل قوتها. مر الوقت سريعا وعادت أشرقت مع زوجها ووالدته للمنزل، جسدها يحتاج راحة ليستعيد نشاطه بعد المجهود الذي بذلته قبل الفرح وبعده، أو بالأحري منذ عودتها لمنزلهم، عودة خادمة، لا سيدة. __________ تتناولت اشرقت قطع الملابس المبتلة وقامت بنشرها فوق أحبال الغسيل لتسمع حديث الجارات. _هتروحي المصيف السنادي يا ام كريمة؟" لتجيبها الجارة بتأكيد: _ طبعا يا حبيبتي، هو انا ينفع افوت سنة من غير مصيف! ده حتى ولادي يتجننوا، واهو انا وجوزي بنغير جو معاهم. _والله نفسي اطلع بس الحالة ماتسمحش. لتهون عليها الجارة: _ ما كلنا نفس الحال يا حبيبتي، بس انا بعمل جمعية للمصيف، وبنروح اسكندرية نأجر شقة على قدنا لمدة أسبوع وبندبر نفسنا في الأكل، المهم عندنا قعدة البحر وجماله ونسمة الهوا اللي ترد الروح، ماهو مش هنستخسر في نفسنا الواحد لازم يعيش ويتمتع ولو بالقليل. أثارت تلك المحادثة العابرة بين السيدتات رغبة أشرقت الشديدة وأمنيتها السابقة بقضاء ولو يوم بهذه الأجواء، هل مستحيل تحقيق هذا الحلم البسيط؟ ألا يستحقه مثلها؟ _عزت، ممكن اطلب منك حاجة؟ أومأ لها بانتباه لتواصل أشرقت بتمهيد: _أظن على يدك من يوم ما رجعت البيت ومفيش راحة، أمك مش رحماني من شغل البيت والمشاوير هنا وهناك. تأفف بسأم: _ يوووه، شكلها ليلة غم وهتوجعي دماغي طول الليل، أمك عملت وامك قالت. صاحت سريعا: _لا لا والله العظيم فهمتني غلط، انا بس بعرفك اني مش مقصرة في حاجة ومتحملة وصابرة عشان المركب تمشي، بس ده مش معناه أن تبقى حياتي كلها شقى. _ انجزي يا أشرقت وقولي عايزة ايه خليني اتخمد. اقتربت إليه وهي تدلله بلمسات ناعمة تعلم أنها تثيره: _نفسي اطلع مصيف اغير جو زي الناس ما بتعمل حتى لو يوم واحد بس، عشان خاطري يا عزت نفسي ألمس مية البحر برجلي واعوم فيها واتمشى على الشط انا وانت، طلعنى مصيف في أي حتة وأنا مش هشتكى من امك تاني ابدا مهما عملت، وهدلعك على الاخر وهتشوف. لانت ملامحه واقترابها أشعل إثارته، فالتفت ذراعه حول خصرها وألصقها به هامسا: _يعني يا بت لو طلعتك مثلا اسكندرية يومين هتتبسطى وتبسطيني. شهقت بفرحة: _يومين؟ ده انا ارقصلك كمان. همس وعيناه تلتهم تفاصيلها بنهم: _ طب نشوف عينة كده؟ فرحتها بموافقته جعلت جسدها النحيل يدور وتتلوى بفتنة وفيرة لدى مثلها، لتنقضى ليلتهما وكلاهما راضين، هو غرق بعطاء أنوثتها السخى، وهي نامت وتكاد تسمع صوت البحر يناديها ورائحته تتخلل روحها. _مصيف ايه ده يا واد اللي عايز تطلعه انت والمحروسة؟! قابل استنكارها برجاء: _ياما وفيها ايه بس، البت طالع عينها في البيت وانا بصراحة عمري ما خرجتها خروجة عدلة، نفسها تروح البحر فيها ايه يعني! نفثت دخان ارجيلتها بتروى قبل أن تقول: _فيها انك هتعودها على كده وشوية شوية هتاخد على الدلع وتتفرعن علينا وماترضاش تعمل حاجة وتخرج عن طوعنا، وبدال اليوم هيبقى اسبوع واتنين، وانت تصرف شقاك على كلام فاضي. _أشرقت غلبانة ولا هتتفرعن ولا حاجه، دي يمكن تخدمك اكتر وتنفذ طلباتك وهي راضية، تلات تيام مش قصة يعني، هاخد انا و هي حتة شقة في اسكندرية و .... قاطعته بحدة: _ده انت خلاص مرتبها بقا وانا خلاص كلامى مبقاش له قيمة عندك يا ابن بطنى. ثم تصنعت البكاء مسترسلة: _أدي اللي كنت خايفة منه حصل، بنت فتحية هتطويك تحت جناحها وتعصيك على امك اللي ياما شقيت و تعبت عليك أنت واخواتك. انكسر ضعفا لرغبة والدته فأسرع بقوله: _صلى على النبي ياما حصل ايه لكل ده، أنا عمري عصيت عليكي و لا زعلتك؟ واصلت و لا تزال ترتدي قناع الحزن الزائف: _ما انت اهو عايز تنفذ كلام مراتك وتعصاني، المصيف ده مالوش لازمة ومصاريفه احنا اولى بيها، خليها من وسع اكون عملت حسابي وانا اللي هقولك نطلع المصيف نغير جو كلنا، قلت إيه يا حبيب امك؟ طوته سريعا تحت جناحيها كالعصفور الساذج، رضخ لمكرها وتراجع عن وعده لزوجته أشرقت بأن تنال أمنيتها، حزنها و بكائها بعد أن علمت بتراجعه أحرق فرحتها و أطفأ بريق عيناها، صارت تقوم بكل مهامها وكأنها ألة لا تتفاعل مع شئ، لاحظ بؤسها واهتز قليلا ليعود لثباته و هو يتذكر خوفه من غضب والدته، هي وعدته انها ستتكفل بالأمر و ترتب لها ما تريده في وقت مناسب، وهذا يكفي.بعد اربع سنوات. قال وهو ينظر لساعة يده: يلا يا مودة هنتأخر على رضا. صاحت عليه من غرفتها: يا رفعت دقائق بس الولاد لسه بيجهزوا، ربع ساعة ونخلص. ولج إليها ليجدها تمشط طفليه بعناية خاصتا ابنه الذي صار عمره يفوق الخمس سنوات، ولم يلقى أي تفرقة بينه وبين أخيه الأصغر بل يحبه وشديد التعلق به، زوجته الصغيرة استطاعت أن تزرع الحب والجمال بكل شيء، لا ينكر رفعت أن بعد ولادة مودة منذ ثلاث سنوات بطفلهما، كان متحفزا أن تفرق في المعاملة بينه وبين ابنه من قمر، لكن حاشاها أن تفعل، زوجته التقية طيبة القلب لم تفعلها، توزع مشاعرها وحبها عليهما بالتساوي دون تمييز، ابتسم وهي تلتقط زجاجة عطره وتنثر منها على الصغار، ليصيح باعتراض: ايه ده يا مدام انتي بتحطي من البرفان بتاعي الغالي للمفاعيص دول؟ ضحكت وهي تتدلل وتستدير نحوه وكفها بوسط خصرها: مش خسارة في ولادنا يا استاذ رفعت. غازلها بقوله: احلى أستاذ رفعت في الدنيا. ضحكت وهي تعود لتولي اهتمامها بالصغار: شوفت انت اللي معطلنا اهو. وسريعا ما انتهت لتقول: خليهم معاك بقا على ما أجهز انا. ترك الصغار بالخارج وعاد لها ليجدها ارتدت ثوب أزرق اللون شديد ا
رنين الجرس المعتاد بهذا الوقت جعلها تنهض بكسل و الوقت لا يزال باكر لكنها تدرك الطارق جيدا، من غير الممرضة التي كلفها رفعت لترعى والدتها منذ أن غادرا المشفي، و كم تحمد له صنيعه فهي غير مؤهلة لرعايتها تلك الفترة، لا تزال مشوشة ضائعة لا تدري ماذا تفعل، حتى تهورها مع ضرغام وتهديدها له كان أكثر حماقة و هي لا تمتلك فعليًا شيء لترهيبه، فقط إيصال بالمبلغ الذي أرسلته له بإرادتها، لكن ربما خاف منها حقا و أعاد لها نقودها ثم يختفي من حياتها للأبد. كم تزال ساذجة وهي تظن دخول القط مثل خروجه. لا هي تستطع الخروج ولا هو سيسمح لها به. _ صباح الخير يا مدام قمر. أومأت للفتاة بالتحية وتركتها تتوجه لغرفة والدتها لتطعمها وتعطيها الدواء. _ تحبي أعملك فطار دلوقت يا مدام قمر؟ ابتسمت لها الأخيرة بود و الفتاة تعاملها بمنتهي الرفق مراعية حالتها الصحية التي لم تتعافي بالكامل: شكرا مش جعانة دلوقت، أهم حاجة خدي بالك من ماما. _ في عنية يا مدام متقلقيش. عادت لغرفتها تتثائب و هي تنتوي استئناف نومها الذي انقطع بمجيي الفتاة، ليدوي صراخًا مدويا جعلها تنتفض رعبا مهرولة لغرفة والدتها لتدرك ما كانت تخا
"إزاي ده حصل يا مرام؟!" أطرقت برأسها صامتة و لازالت هي نفسها لا تدري كيف حدث، و الأكثر غموضا هو لماذا تُقدم فتاة صغيرة مثل أيتن علي الأنتحار؟ ما الذي طرأ علي حياتها البريئة ليجعلها فريسة هذا القنوط من رحمة ربها، ما الذي تخفيه الصغيرة و لا تعلمه هي، شعورها بالتقصير نحوها يوخز قلبها، هي وحدها المسؤولة، والدها يسعي علي رزقه بدولة أخري و والدتها سيدة شديدة الطيبة والبساطة ترعي شقيقها الأصغر المصاب بالتوحد ويحتاج كل اهتمامها و تركيزها، لذا هي وحدها المكلفة برعاية شقيقتها أيتن الكاملة، ولم يزعجها هذا بل اعتبرت الصغيرة أبنتها، لكنها انشغلت عنها بدراستها مؤخرا و لم تنتبه لها، تستعيد الساعات الأخيرة و كيف كانت شقيقتها شاحبة الوجه لا تأكل، ظنتها مريضة و طالبتها بالراحة و غابت عن البيت بضع ساعات ليأتيها أتصال والدتها الصارخ المستغيث بأن تلحق شقيقتها الغارقة بدمائها. _ أحمدي ربنا إنك لحقتيها يا حبيبتي، و اتماسكي شوية عشان والدتك اللي هتقع من طولها. استدارت نحو والدتها المنزوية تبكي لتنتقل إليها و تحتويها بعناق قائلة بخفوت: متخافيش يا ماما أيتن بخير. رفعت العجوز عيناها تتسائل: ليه أختك عم
_ ممكن اشيلوا؟ بحنان فطري أرادت اشرقت حمل رضيع سيدرا الذي لم يكمل الشهرين بعد، شوقها لتعيش نفس التجربة ازداد وهي تتأمل الصغير خاصتا وبدلته الصغيرة التي جعلته شديد الاناقة، لتمزح بقولها: بصراحة يا سيدرا بدلة أديب الصغير غطت على أديب الكبير اللي هو العريس نفسه. ضحكت الأخيرة ثم رمقت صغيرها بحب: ده ذوق فيصل، لف الدنيا عشان يشتري طقم مميز لأبننا يحضر به فرح عمه. _ ربنا يخلي وعقبال ما تشتروا بدلة فرحه أما يكبر. _ يااااه، يا مين يعيش يا اشرقت. _ربنا يديكم طولة العمر. واستطردت: هو ليه سميتوا ابنكم على اسم عمه مش جده مثلا؟ تنهدت سيدرا وشردت عيناها وطيف ما كان بين أديب وزوجها فيصل يمر بعقلها سريعا، تذكرت كيف بلحظة أصاب ثلاثتهم شرخ كبير كاد يودي بعلاقتهم للهلاك لولا تعقل فيصل وعدوله عن ظنه السيء، هي تعلم أنه لا يزال يعيد الامور لسابق عهدها خاصتا مع أخيه، ولم يكن هناك تقديرا أبلغ من أن يطلق اسمه على طفلهما الاول، ليعلم كيف يحبه أخيه، وسعادة أديب كانت كبيرة بتلك اللفتة وأتت بثمارها. _سيدرا انتي معايا؟ انتبهت على صوت اشرقت لتهتف سريعا: أيوة معاكي معلش سرحت شوية، ثم تنهدت قائلة: جوزي بيحب
"ساعة واحدة يا رفعت وتكون موصل خطيبتك على البيت" ابتسم الاول للعم بتفهم مع وعده أن يعيد مودة إليه بعد ساعة، وإن كان ما يحتاجه بقربها أكثر من هذا بكثير. يريد صب مشاعره التي انبثقت لها بقلبه على أذنيها كي تعلم كيف صارت تمثل له تلك الصغيرة، قرأ بعينها تساؤول من تريد أن تفهم وتتأكد، وهو لن يبخل عليها بشيء. _ تحبي نروح مكان معين؟ ابتسمت له قائلة بصوت خافت: اختار أنت. شعر بنظراتها الدافئة كأنها تعطيه مجاديف حياتها كاملة ليقودها هو، وليس فقط مكان سوف يمكثان فيه دقائق معدودة، صار متعمقا بقراءة عيناها أكثر من خطوط كفيه. متى تعلم هذا لا يدري.! بتصرف نم عن إدراكه لقواعد الذوق جذب لها المقعد لتجلس عليه أولا ثم جلس قبالتها مستمتع بحمرة خديها المشتعلة وهو ينفرد بها للمرة الأولى بعد شراء ذهبها. _ كان نفسك في حاجة تاني نشتريها. هكذا بدأ حديثه معها لتهز رأسها بكلمة لا، ليبتسم ملتزما الصمت قليلا قبل أن يهمس أسمها مناديا فرفعت عيناها نحوه لتعلق بشباك عيناه وتغرق بهما، رغم الصمت السائد بينهما، سمع قلبها همساته وأدركها، حتى أنها صارت لا تريد سؤاله عن مشاعره، عيناه تكفلت بالأمر واخبرتها ما تريد مع
بهدوء جلست تراقبه وهو يرتل القرآن بصوت خفيض، صوته حزين لكنه خاشع، تراه يختم تلاوته بتمتمة خافتة تدرك أنها دعاء لطليقته الراحلة، لقد مر على موت قمر شهر ونصف، لم يكف ابنها عن الدعاء لها وقراءة القرآن، ابنها البار يفي بوعده لقمر ويدعو لها كل حين، يعلم أن لا أحد سيقدم لها ما يعينها بقبرها. انتبه لوجودها فقال مبتسما: أزيك يا امي. تبسمت له بحنان: الحمد لله يا حبيبي. ثم اقتربت لتربت على كتفه: تعيش وتفتكر يا ابني، وربنا يرحمها ويسامحها. اومأ بحزن: اللهم امين. ساد صمت قصير بينهما لتبادر هي بما تود قوله منذ أيام وتنتظر اللحظة المناسبة،ط: رفعت كنت عايزاك في موضوع مهم ومش عايزة أأجله أكتر من كده. ولاها اهتمامه التام: اتفضلي يا امي سامعك. _ أنت لازم تتجوز وإياك ترفض ولا تقول مش وقته. قالتها دفعة واحدة دون تردد ونظرتها تصطبغ بعزيمة مستطردة: مش هسيبك كده العمر يجري بيك وانت مفيش حد يشاركك حياتك وايامك، قمر الله يرحمها انت مقصرتش معاها لأخر لحظة، عيش لنفسك بقا واتمتع بشبابك يا ابني. لم يبد عليه الدهشة بل رآته يبتسم لها بهدوء وكأنه كان يعلم ما ستقوله، ليحين دوره قائلا: طب وإذا قولتلك
بعد اعلان أديب لقراره بعدم ترك والدته تعيش بمفردها، حان دور العم سلامة ليجيبه تلك المرة: حقك يا ابني وشيء أحترمك عليه، بس أحنا كمان من حقنا نراعي صالح بنتنا وراحتها.. ليختم قوله بشكل قاطع: وعموما كل شيء قسمة ونصيب. _ عن أذنكم. قالتها سارة مندفعة من بينهم تختبيء بغرفتها قبل أن تنهار باكية بعد
صدمتها في معرفة ما صار مع شقيقها جلال جعلها تنظر لزوجته رباب بذهول لتستطرد الأخيرة غافلة عن دهشة أشرقت: قولتله أحنا أولى بتمنها لأن أختك خلاص اتجوزت ومش محتاجة حاجة، لكن أخوكي فوقني وفكرني بالحال اللي وصلنا له واننا كنا ممكن نموت تحت التراب. مواصلة ودموعها تزحف فوق خديها: ربنا انتقملك مني يا
" قفز قلب الخالة فرحا و وجها يضوي من سعادتها بما سر قلبها، أولا معرفتها حمل أشرقت. وثانيا العريس الذي توسط له زين كي يأتي لزيارتهم. ليشاركها العم سلامة فرحتها: عندك حق والله، الأول عرفنا بحمل أشرقت وبعدها وجه عريس لسارة.. زين بيشكر فيه أوي وبيقول انه صاحبه. _ ما شاء الله، لو كان شاب كويس ربنا
ولج لبيته وبحث عنها كعادته حتي وجدها تتمدد غافية علي فراشها، وبطنها بدا يظهر بروزه قليلا، فاقترب "فيصل" بحذر واضجع جوارها ومد ذراعه ليحمل رأسها وراح يطالعها بصمت حتى أخذه الشرود في أحداث الأمس وهما يزوران بيت والديها، تذكر كيف انزعج من حديث ابن خالتها وتباسطه معها، اشتعلت غيرته من جديد وكاد أن يتص







