Masukالفصل السادس والخمسون: أطياف الماضي ومطاردة الوهمكانت الأيام تمر ثقيلة على منزل المزرعة، محملة بغيوم القلق والترقب. بذل مراد كل ما في وسعه كي يُسعد لينا ويطمئن قلبه عليها، محاولاً أن يبني حولها جداراً من الأمان يعزلها عن الكابوس الذي يعيشونه. ظَلَّ يعتني بها بنفسه، ويشرف على تفاصيل يومها كي تتحسن حالتها النفسية والصحية، خاصة بعد أن شدد الطبيب المعالج على ضرورة الاهتمام بتغذيتها؛ فقد كانت تعاني من ضعف عام منذ البداية، وجاءت الضغوط النفسية والعصبية التي سببتها قضية "اللحوم الفاسدة" وتشميع المنافذ لتستنزف ما تبقى من طاقتها، فبات وجهها شاحباً وعيناها تحملان إرهاقاً لا تخطئه عين.في ذلك اليوم، عاد مراد من عمله متأخراً بعض الشيء. وصل إلى المنزل والشمس تلملم آخر خيوطها الذهبية عن الأفق، تاركة وراءها سماءً مصبوغة بحمرة الشفق التي تثير في النفس شجناً غريباً. دفع باب المنزل الداخلي بخطوات مرهقة، ورمى مفاتيحه على الطاولة الجانبية، ثم دخل بخطوات هادئة إلى غرفة المعيشة حيث كانت لينا تجلس، وقال بصوت حاول أن يجعله مبتهجاً:"مساء الخير يا حبيبتي."رفعت لينا رأسها عن الكتاب الذي كانت تحاول قراءته،
الفصل الخامس وخمسون: خيوطُ اللعبة ومواجهة عبد الحكيمجلس مراد أمام أخيه البكري، ونظرات الحزن والحرقة تملأ عينيه وقال:"مصيبة يا بكري.. مصيبة كبيرة."رد البكري بنخوة وتماسك: "بعد الشر عنك من المصائب.. فهمني بس واحدة واحدة كده عشان أعرف أقف جنبك إزاي."بدأ مراد يشرح له الأزمة من البداية:"وانا في المستشفى زمان، لينا كانت بتشتغل مع بابا أستاولوا هنا في المزرعة. كان مستوى البيع قليل جداً وفي خسائر كبيرة بسبب إن المحلات والشركات الكبيرة بطلت تاخد مننا شغل جملة. فكرت لينا في طرق تسويق جديدة، وأهمها إننا نفتح منافذ بيع خاصة بينا وفي مناطق شعبية عليها ضغط كبير، ونبعد عن السوق القديم ونبيع بأرخص سعر.. وكمان من ضمن الأفكار إن اللحوم مستوردة اه، لكنها تتباع طازة؛ بمعنى إن البقرة تنقل حية للفرع وتتذبح قدام الزبائن ويشتروا منها وهي صاحية مش مجمدة."ابتسم البكري بإعجاب وقال:"ما شاء الله! دي مخها يوزن بلد.. برافو عليها والله!"واصل مراد: "الأفكار دي جابت نتيجة ممتازة ونسب المبيعات بقت في السما، وبقى لنا سمعة كويسة جداً عند الناس إننا بنقدم أحسن جودة وأرخص سعر.""طيب ما ده عال العال! أمال إيه
الفصل الرابع والخمسون: خفايا الظلال ووصيةُ الأبوقفت لينا مشدوهة يتسارع نبضها بشكل مرعب. كان الأمر غريباً للغاية؛ فالشمس لم تلم بعُد آخر خيوطها، والنور ما زال يملأ الساحة، فكيف لظاهرةٍ كهذه أو شبحٍ أن يظهر في هذا التوقيت إذا افترضنا جدلاً أنه شبح؟ظلت قلقة وخائفة مما حدث، ولم تكن تعرف هل تبلغ مراد وبابا أستاولوا بما جرى أم أن الأمر سيزيد من معاناتهم وضغوطهم بسبب التهم المنسوبة إليهم وقضية التشميع. ظلت جالسة في مكانها دون أن تحرك ساكناً والأفكار تتضارب في رأسها، حتى عاد مراد وبابا أستاولوا إلى البيت بملامح مجهدة.ما إن رآها مراد حتى قال بعتاب:"ليه اتحركتي من السرير يا لينا؟ مش قلنا الدكتور قال ترتاحي؟"ردت بتعب: "زهقت يا مراد.. اتخنقت من قاعدة السرير."اقترب منها وابتسم بحنية: "طيب أنا لما أجي هبقى أشيلك أنزلك بنفسي في أي مكان."ضحكت لينا بصوت خفيض: "كل الدلع ده عشان البيبي؟"جلس بجوارها ومسك يدها: "لا عشانك أنتِ يا حبيبتي.. أنتِ أهم من أي حد وأهم من أي حاجة في الدنيا.""ياااااا سلام على الكلام الحلو؟""عندك شك في ده؟""ههه لا معنديش.. عملتم إيه في التحقيق؟"تنهد مراد وقال: "سأ
الفصل الثالث والخسمون: بين نارين وشرارة أملأشرق صباح يومٍ جديد تحمل أجواؤه أثقال ليلةٍ طويلة لم يذق فيها أحدٌ في البيت طعم النوم. خيم الصمت الثقيل على ردهات المنزل بعد المحنة القاسية الأخيرة، ولكن رغم كل المحاولات والضغوط، أصرت "لينا" على أن تبيت ليلتها في بيت زوجها مراد، متمسكة بقربها منه في أوقات الشدة ومُعربة عن أصلها الطيب.خرجوا جميعاً من غرفهم بوجوهٍ مجهدة وأعين يملؤها السهر والحيرة. اجتمعوا حول طاولة الإفطار، ودخلت لينا وهي ترتدي ملابس الخروج الكاملة، حازمة أمرها ومستعدة للذهاب.رفع مراد عينيه إليها وسألها باستغراب وغضب مكتوم:"أنتِ لابسة ورايحة فين على الصبح يا لينا؟"ردت بثبات وتحدٍّ: "رايحة أشوف شغلي يا مراد.. القضية محتاجة متابعة والمنافذ لازم تتأمن."قال مراد بنبرةٍ حاسمة وقاطعة: "من النهاردة مفيش شغل.. كفاية لغاية كده.""إيه اللي أنت بتقوله ده يا مراد؟""زي ما سمعتي.. أنا مش مستعد تتورطي أكتر من كده في العك ده."ضحكت لينا بسخرية مريرة وقالت:"هههه! ضحكتني والله يا مراد.. أنا تقريباً المتورطة الوحيدة في الأوراق رسمياً! يعني أنت وبابا أستاولوا ممكن تقولوا إنها هي ا
الفصل الثاني والخمسون: خفايا الظلال ومواجهة الغائباتسعت عينا مراد بذهولٍ لم تستوعبه شفته:"حامل؟! بجد يا دكتور؟"أومأ الطبيب بابتسامة: "إحنا في كل الأحوال هنعمل تحليل عشان نتأكد، بس الأعراض واضحة.. مبروك يا مراد، مبروك يا مدام لينا."دخل مراد الغرفة والشرر قد استحال إلى فرحةٍ غارمة، ونظر إلى لينا الممددة على الفراش وقال بمزاح:"شفتي بقى إن كان معايا حق؟ قراري إنك تقعدي في البيت جه في وقته تماماً!"ابتسمت لينا بتعب: "أنت ما بتصدق!"تدخل بابا أستاولوا مسروراً: "خلاص بقى يا لينا، فعلاً قرار مراد جه في وقته المظبوط."تنهدت لينا وقالت: "عشان خاطرك بس يا بابا أستاولوا."خرج مراد وبابا أستاولوا بعدما اطمأنا عليها، ليتفرغا للبحث في أصل المصيبة الملفقة. جمعا عمال المزرعة والمصنع وشرعا في استجوابهم واحداً تلو الآخر. أكد جميع العمال بصلابة أنه لم تخرج أي بضاعة أو مواشٍ في ذلك اليوم من المزرعة، وأنهم استغربوا الأمر لأن هذا اليوم هو الموعد المحدد لخروج الأبقار الحية التي تُذبح في منافذ العباسية وشبرا، وظنوا وقتها أن هناك لحوماً متبقية من الأسبوع الماضي لم تُبع بعد.تزايدت الحيرة في رأس مراد
الفصل الحادي والخمسون: جدارُ الشك وخيارُ المواجهةانطلقت السيارة تشق طريق العودة نحو المزرعة وسط صمتٍ ثقيل، أطبقت فيه الأم "أم لينا" شفتيها بغضب، مكتفية بنظرات العتاب الشاخصة عبر النافذة. خيم الذهول على الجميع؛ فالصدمة كانت أكبر من أن تستوعبها الكلمات، والقضية الموجهة إليهم لم تكن بالأمر الهين.ما إن وطأت أقدامهم بيت المزرعة، حتى التفت مراد إلى "لينا"، ونظر في عينيها بنظرةٍ تحمل رجاءً خفياً، ثم طلب منها أن يتحدثا على انفرد. سارت معه بخطواتٍ متهاداة إلى غرفتهما، وما إن أُغلق الباب، حتى جذبها إليه بلهفة وضمها بحرارة، وكأنه يحاول حمايتها من عالمٍ يتربص بهما.قال بصوتٍ خفضه الخوف:"عشان خاطري يا لينا.. روحي مع ماما الفتـرة دي."نظرت إليه بضيقٍ وابتسمت بسخرية:"أنت ما بتصدق تخلص مني؟"رد برغبةٍ صادقة في حمايتها:"أوعي تقولي كده! أنا كل اللي عايزه إني أبقى مطمن عليكي.""وتطمن عليا لما تسيبني لوحدي؟""مش هتبقي لوحدك، هتبقي مع ماما وأخواتك يا حبيبتي."فزفرت بحسم: "ما دمت مش معايا، أبقى لوحدي برضه."أمسك كفيها بين يديه وقال بنبرةٍ قاطعة:"افهميني يا لينا.. الموضوع مش بسيط، ولو على







