LOGINكان عبدالرحمن يظن أن الحب الذي جمعه بدولت أقوى من أي خلاف، وأن السنوات التي عاشاها معًا كافية لحماية زواجهما من الانهيار. لكن ما لم ينتبه إليه هو أن المسافات بينهما بدأت تكبر بصمت؛ انشغاله الدائم، قلة اهتمامه بتفاصيل حياتها، والصمت الذي حل مكان الأحاديث التي كانت تجمعهما. في الوقت الذي كانت دولت تشعر فيه بالوحدة، ظهر هشام في حياتها. بدأ الأمر بحديث عابر واهتمام بسيط، ثم تحول تدريجيًا إلى تعلق عاطفي لم تستطع دولت إيقافه. ومع كل خطوة كانت تخفيها عن عبدالرحمن، كانت المسافة بينها وبين زوجها تتسع أكثر. عندما يكتشف عبدالرحمن الحقيقة، ينهار كل شيء. يتحول الحب إلى غضب، والثقة إلى شك، والبيت الذي كان يجمعهما إلى مكان يحمل ذكريات مؤلمة. وبينما تحاول دولت مواجهة خطئها واستعادة ما خسرته، يجد عبدالرحمن نفسه عالقًا بين حب لم يمت وجرح لا يستطيع تجاهله. ومع مرور الوقت، تبدأ الحقيقة الأعمق في الظهور: الخيانة كانت نتيجة أخطاء وتراكمات لم يواجهها أي منهما، لكنها لم تكن مبررًا لما حدث. تنتهي الحكاية عند نقطة فاصلة؛ فالحب ما زال موجودًا، لكن العودة ليست سهلة، والثقة لا تُستعاد بكلمة واحدة. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع شخصان أصبحا غرباء أن يتعلما كيف يحبان بعضهما من جديد؟
View Moreلم يكن عبدالرحمن يعرف أن الأشياء التي تبدو عادية في حياتنا قد تصبح يومًا أكثر الأشياء التي نفتقدها.
كان يعتقد أن زواجه من دولت مستقر، وأن السنوات الخمس التي جمعتهما جعلت بينهما شيئًا أقوى من أي خلاف عابر. لم يكن زواجهما مثاليًا، لكنه كان حقيقيًا. كانت بينهما ذكريات كثيرة، ضحكات لا يتذكران سببها، مواقف صعبة تجاوزاها معًا، وأيام شعر فيها كل واحد منهما أن الآخر هو الشخص الوحيد الذي يمكنه الاعتماد عليه. في ذلك الصباح، استيقظ عبدالرحمن على صوت الستائر وهي تُفتح. فتح عينيه ببطء، فوجد دولت تقف أمام النافذة، يدخل ضوء الصباح من خلفها، بينما كانت ترتب شعرها بيد وتحمل كوب القهوة باليد الأخرى. نظر إليها للحظات قبل أن يقول بصوت متعب: "صحيتِ بدري ليه؟" التفتت إليه وابتسمت. "عشان أعمل لك الفطار قبل ما تنزل." جلس عبدالرحمن على طرف السرير، ثم مد يده إليها وأخذ كوب القهوة. "أنتِ عارفة إني ممكن أفطر في الشغل." ردت بهدوء: "عارفة... بس برضه بحب تاكل قبل ما تنزل." ارتشف من القهوة، ثم نظر إليها بابتسامة صادقة. "ربنا يخليكي ليا." لم تجبه بكلمات كثيرة، فقط ابتسمت. كانت لحظة بسيطة جدًا، لكنها كانت تشبه حياتهما في ذلك الوقت؛ لا توجد أحداث كبيرة، ولا مشاكل تستحق أن تُحكى، فقط تفاصيل صغيرة اعتادا عليها حتى ظنا أنها ستبقى إلى الأبد. في المطبخ، جلست دولت أمامه تراقبه وهو يتناول إفطاره بسرعة. قالت وهي تضحك: "إنت عمرك ما هتتعلم تاكل براحة." رد وهو ينظر إلى ساعته: "أنا متأخر أصلًا." "كل يوم متأخر." "عشان الشغل." "طبعًا، الشغل." رفع حاجبه وقال: "هو في إيه؟" ضحكت: "مفيش." نهض عبدالرحمن، وأخذ مفاتيحه من فوق الطاولة. وقبل أن يخرج، التفت إليها. "عاوزة حاجة وأنا راجع؟" فكرت لحظة ثم هزت رأسها. "لا." "متأكدة؟" "آه." ابتسم. "خلاص." ثم اقترب منها قليلًا وقال: "هكلمك لما أوصل." أومأت برأسها. خرج عبدالرحمن وأغلق الباب خلفه. ظلت دولت واقفة مكانها للحظات، تنظر إلى الباب المغلق. لم تكن غاضبة منه. ولم يكن هناك سبب حقيقي يجعلها حزينة. لكنها شعرت بشيء صغير لم تستطع أن تضع له اسمًا. ربما كانت تتمنى أن يبقى معها قليلًا. فقط قليلًا. --- في الطريق إلى عمله، رن هاتف عبدالرحمن أكثر من مرة، وانشغل بالمكالمات والرسائل حتى وصل. كان يومه مزدحمًا، وكما يحدث دائمًا، ابتلع العمل معظم وقته. في منتصف النهار ظهر اسم دولت على شاشة هاتفه. ابتسم تلقائيًا ورد: "أيوه يا دولت." جاء صوتها هادئًا: "إنت وصلت؟" "آه، من بدري." "كنت بس بطمن عليك." "أنا كويس." سكتت للحظات. كانت تنتظر أن يسألها عن يومها، لكنه كان يراجع شيئًا أمامه في الوقت نفسه. قال بسرعة: "أنا آسف، عندي حاجة لازم أخلصها دلوقتي." ردت: "ماشي." "هكلمك بالليل." "حاضر." انتهت المكالمة. وضعت دولت الهاتف أمامها، وظلت تنظر إليه للحظات. لم تكن المكالمة سيئة. ولم يقل عبدالرحمن شيئًا جارحًا. لكنها شعرت أن هناك شيئًا تغير. في الماضي كان يمكن لمكالمة منه أن تستمر نصف ساعة من دون أن يشعر أحدهما بالوقت. أما الآن، أصبحت المكالمة تنتهي قبل أن تبدأ. قالت لنفسها إن الأمر طبيعي. العمل يأخذ وقته. والزواج لا يمكن أن يبقى كما كان في أيامه الأولى. ثم وضعت الهاتف جانبًا وحاولت أن تنشغل بباقي يومها. --- عاد عبدالرحمن مساءً متأخرًا. فتح الباب وهو ينادي: "دولت؟" جاء صوتها من المطبخ: "أنا هنا." دخل فوجدها تجهز الطعام. قال وهو يخلع سترته: "آسف إني اتأخرت." ردت دون أن تنظر إليه: "ولا يهمك." اقترب منها. "زعلانة؟" توقفت يدها للحظة، ثم قالت: "لا." "متأكدة؟" "آه." ظل ينظر إليها. كان يعرفها جيدًا، وكان يستطيع أن يلاحظ تغير صوتها حتى لو حاولت إخفاءه. قال: "دولت، لو في حاجة مضايقاكي قولي." ابتسمت ابتسامة صغيرة. "مفيش حاجة." "طيب." جلسا لتناول الطعام. بدأ الحديث عن أشياء عادية. تحدث عبدالرحمن عن يومه، وعن بعض المشاكل التي واجهته في العمل، بينما كانت دولت تستمع إليه. ثم قالت فجأة: "عبدالرحمن؟" "نعم؟" "إحنا بقينا بنتكلم في إيه غير الشغل والبيت؟" توقف عن الأكل ونظر إليها. "يعني إيه؟" "ولا حاجة، بس بسأل." "دولت، هو في حاجة؟" هزت رأسها. "لا." قال بهدوء: "أنا حاسس إنك متغيرة." رفعت عينيها إليه. "أنا؟" "آه." ضحكت بخفة، لكنها لم تكن ضحكة حقيقية. "يمكن عشان إنت اللي بقيت مشغول." صمت عبدالرحمن. لم يحب الجملة، لكنه لم يجد فيها ما يستحق الشجار. قال: "أنا مشغول عشاننا." "أنا عارفة." "يبقى المشكلة فين؟" نظرت إليه طويلًا، ثم قالت: "مش كل حاجة بتتحل بالشغل يا عبدالرحمن." "أنا ما قلتش كده." "أنا عارفة." عاد الصمت بينهما. لم يكن صمتًا غاضبًا. كان أسوأ من ذلك. كان صمت شخصين لا يعرف كل منهما كيف يشرح للآخر ما يشعر به. بعد العشاء، جلس عبدالرحمن قليلًا أمام التلفاز، بينما دخلت دولت الغرفة. وبعد وقت قصير لحق بها. وجدها جالسة على طرف السرير. قال: "لسه زعلانة؟" هزت رأسها. "مش زعلانة." جلس بجوارها. "أمال مالك؟" نظرت إليه. كانت تريد أن تقول أشياء كثيرة. كانت تريد أن تخبره أنها اشتاقت إليه رغم أنه كان أمامها. أنها تفتقد الرجل الذي كان يسألها عن تفاصيل يومها. أنها لا تريد منه أشياء كبيرة، فقط أن يشعر بها. لكنها في النهاية قالت: "مفيش." ابتسم عبدالرحمن، ومد يده إليها. "طيب." وضعت يدها في يده. وبقي الاثنان هكذا للحظات. كان الحب ما زال موجودًا. وهذا ما جعل الأمر أكثر خطورة. لأنهما لم يكونا يكرهان بعضهما. كانا فقط يبتعدان دون أن ينتبها. --- في تلك الليلة، نام عبدالرحمن سريعًا. أما دولت فبقيت مستيقظة. نظرت إليه وهو نائم، وتذكرت أول مرة رأته فيها، وأول مرة أخبرها أنه يريد أن يكمل حياته معها. تذكرت كيف كانت تنتظر مكالماته، وكيف كانت تفرح عندما يعود إلى البيت، وكيف كان مجرد اهتمام صغير منه قادرًا على تغيير يومها بالكامل. لم تكن تريد رجلًا آخر. ولم تكن تفكر في الخيانة. لم يكن في قلبها شيء سوى إحساس بالوحدة لم تعرف كيف تتخلص منه. وضعت رأسها على الوسادة، وأغمضت عينيها. وفي مكان آخر، كان عبدالرحمن ينام مطمئنًا، مقتنعًا أن كل شيء بينهما بخير. لم يكن يعرف أن المسافة بدأت بالفعل. مسافة صغيرة لا تُرى بالعين، لكنها كانت تكبر بصمت. وكان أخطر ما فيها أن كليهما ما زال يعتقد أن الوقت كفيل بإصلاحها.مرت أسابيع بعد ذلك اليوم.لم يعد عبدالرحمن يعيش في البيت.ولم تعد دولت تنتظر عودته.أصبحت حياتهما مقسمة بطريقة لم يتخيلاها يومًا.يوم يأتي فيه عبدالرحمن لرؤية طفله.ويوم تعود فيه دولت إلى حياتها.مواعيد محددة.مسؤوليات واضحة.وكلمات محسوبة.في البداية، كان الأمر مؤلمًا.ثم أصبح عاديًا.وهذا كان أكثر ما أخافهما.أن يتحول الشيء الذي كان يبدو مستحيلًا إلى شيء يمكن التعايش معه.كان عبدالرحمن يأتي أحيانًا في الصباح.يفتح الباب، فتقول دولت:"صباح الخير.""صباح النور."يدخل.يحمل طفله.يسأله عن نومه.يلعب معه.ثم يتحدث مع دولت عن احتياجاته."الدكتور قال إيه؟""إنه كويس.""محتاج حاجة؟""لأ.""لو احتجتي حاجة قوليلي.""حاضر."ثم يصمتان.لم يعد هناك حديث عن الماضي.ولا عن سبب الانفصال.ولا عن إمكانية العودة.كل شيء أصبح واضحًا.لكن الوضوح لم يجعل الأمر أقل ألمًا.ذات يوم، كان عبدالرحمن يجلس مع طفله.كان الطفل يضحك.قالت دولت من بعيد:"بيحبك جدًا."ابتسم."وأنا بحبه أكتر."نظرت إليه.كان المشهد يذكرها بأيام قديمة.كان عبدالرحمن نفسه.نفس الضحكة.نفس الطريقة التي يحمل بها الطفل.لكن الرجل الذي كان
ظل عبدالرحمن تلك الليلة يفكر في كل ما حدث منذ بداية زواجه بدولت.تذكر الأيام التي كانا فيها لا يفترقان، والخلافات التي بدأت صغيرة ثم كبرت، والأيام التي أصبح فيها كل واحد منهما يعيش بجوار الآخر دون أن يعرف ما يدور داخله.لم يكن يبحث عن مذنب.كان يبحث عن اللحظة التي ضاع فيها الطريق.لكنه لم يجدها.ربما لم تكن هناك لحظة واحدة.ربما كانت عشرات التفاصيل الصغيرة التي تراكمت حتى أصبحت مسافة لا يستطيع أحدهما عبورها.في الصباح، ذهب إلى البيت.كانت دولت في المطبخ.قال:"صباح الخير.""صباح النور."جلس.كانت تبدو متعبة.سألها:"نمتي؟""شوية."ابتسم."أنا كمان."أعدت له الشاي وجلست أمامه.هذه المرة لم يكن هناك خوف من الحديث.قال عبدالرحمن:"أنا فكرت في كل حاجة.""وأنا.""ومش عايز أخد قرار وإحنا متخانقين.""ولا أنا.""عشان كده لازم نسأل نفسنا سؤال واحد."نظرت إليه."إيه؟"قال:"لو مفيش خوف من الوحدة، ولا خوف من كلام الناس، ولا خوف على المستقبل... هل كنا هنختار نكمل؟"ظلت صامتة.كان السؤال قاسيًا.لكنه كان صادقًا.رفعت عينيها إليه."مش عارفة."هز رأسه."أنا كمان.""بس يمكن دي الإجابة."سكت طويلًا.ث
مرت أيام أخرى، وأصبح غياب عبدالرحمن عن البيت أمرًا اعتادت عليه دولت.وهذا أكثر ما أخافها.في البداية، كانت تنظر إلى الباب كلما سمعت صوتًا في الخارج.ثم توقفت.كانت تعرف أنه سيأتي لرؤية الطفل، لكنها لم تعد تنتظر أن يدخل ليبقى.وعندما يأتي، كان يجلس مع طفله، يسألها عن بعض الأمور، ثم يغادر.لم تعد هناك مشاجرات.لكن لم تعد هناك حياة مشتركة أيضًا.في أحد الأيام، جاء عبدالرحمن في وقت الظهيرة.كان الطفل نائمًا.جلس مع دولت في الصالة.قال:"إنتِ عاملة إيه؟""كويسة.""بجد؟"ابتسمت."أحسن من الأول."هز رأسه."أنا كمان."سكتا.ثم قالت:"غريبة.""إيه؟""إحنا بقينا أهدى وإحنا بعيد."نظر إليها."وده مش معناه إن البعد أحسن.""عارفة.""بس معناه إن وجودنا مع بعض كان فيه حاجة بتوجعنا."خفضت عينيها."يمكن."دخل عبدالرحمن غرفة الطفل.جلس بجواره.ظل ينظر إليه طويلًا.دخلت دولت بعده.قالت:"بيحب وجودك."ابتسم."وأنا بحب وجوده."ثم نظر إليها."وبحب وجودك."سكتت.قال:"بس أنا مش عارف أعيش معاكِ بالطريقة القديمة."قالت:"ولا أنا.""وده اللي محيرني.""إحنا ممكن نبدأ من جديد.""هل نقدر؟"لم تجب.جلست بجواره.قا
مرت ثلاثة أيام منذ غادر عبدالرحمن البيت.لم يحدث خلالها شيء كبير.وهذا تحديدًا كان أكثر ما يؤلمه.لم تتصل به دولت لتطلب منه العودة.ولم يتصل بها ليقول إنه اشتاق إلى البيت.كان يتحدث معها يوميًا للاطمئنان على الطفل، وفي كل مرة ينتهي الحديث بعد دقائق قليلة."أكل؟""آه.""نام؟""من شوية.""تمام.""تمام."ثم تنتهي المكالمة.كان عبدالرحمن يغلق الهاتف وينظر إليه للحظات.في السابق، كان يستطيع أن يجد عشرات الأسباب ليستمر في الحديث معها.الآن أصبح يبحث عن سبب واحد.ولم يجده.في اليوم الرابع، ذهب عبدالرحمن إلى البيت لرؤية طفله.فتحت دولت الباب.تبادلا نظرة قصيرة.قالت:"اتفضل."دخل.حمل الطفل.ابتسم عندما أمسك الطفل بملابسه.قال:"وحشتني."جلست دولت بعيدًا.كانت تراقبه.كان حنونًا كما عرفته دائمًا.لكنها لم تعد تشعر أنه جزء من يومها.كان موجودًا أمامها، ثم سيغادر.وأدركت فجأة أن هذا أصبح طبيعيًا.وهنا شعرت بالخوف.ليس من غيابه.بل من اعتيادها عليه.بعد قليل، قالت:"تحب تشرب حاجة؟""شاي."ذهبت إلى المطبخ.أعدت الشاي.وضعته أمامه.قال:"شكرًا.""العفو."ثم عاد إلى طفله.ظل عبدالرحمن في البيت أكثر






reviews