LOGINالفصل الستون: خيوط الغموض ورسالة الشبحخرج بابا أستاولوا ومراد من غرفة لينا بعد أن اطمأنا تماماً على استقرار حالتها وصحتها وسكونها للنوم. انتقلا فوراً إلى مكتب إدارة المزرعة، يحدوهما أمل جارف ورغبة عارمة في الخروج من هذه الشرنقة المظلمة والبحث عن الأصل والمنبع لهذه المصيبة الملفقة التي تطوق أعناقهم بالاتهامات المالية والبيطرية الخطيرة.بدأ مراد وأستاولوا بخطة تحريات مكثفة داخل المزرعة نفسها. استدعيا العمال والمشرفين واحداً تلو الآخر إلى المكتب، وجرت التحقيقات والتساؤلات بدقة شديدة واستجواب حاسم. كان الجميع يقسمون بأغلى الأيمانات أنه في ذلك اليوم الشؤوم لم تخرج أي شحنة بضائع أو لحوم مذبوحة من المزرعة أو المصنع نهائياً.أبدى العمال دهشتهم الشديدة أثناء الإدلاء بشهاداتهم؛ فقد أكدوا أن ذلك اليوم تحديداً كان الموعد المحدد خروجه لنقل الأبقار الحية السليمة إلى فروع الشركة الكبرى في العباسية وشبرا ليتم ذبحها أمام الزبائن وفق النظام المعتاد، وأن عدم خروج تلك الأبقار جعل العمال يظنون أن هناك كميات من اللحوم المجمدة أو المبردة المتبقية من الأسبوع الماضي في المنافذ ولم تُبَع بعد، ولهذا السبب ل
الفصل التاسع والخمسون: غيمة في سماء الفرحلم يتوقف الدوار الذي يداهم لينا منذ الصباح، بل كان يزداد شدة مع كل دقيقة تمر. كانت ترقد على السرير في الغرفة الرئيسية للمزرعة، وجهها شاحب كالقماش الأبيض، وتضع يدها المرتجفة على رأسها وهي تتأوه بخفوت.امتدت يد مراد بلهفة ليمسك بيدها الباردة، وكان وجهه يفيض بالقلق وقلبه يخفق في صدره بشدة. التفت نحو الوالد أستاولوا الذي كان يقف عند باب الغرفة متكئاً على عصاه، وقال بصوت حاد يكسوه الخوف:"لا يمكن أن ننتظر أكثر من هذا يا بابا أستاولوا.. حالة لينا تسوء، ويجب أن ننقلها إلى المستشفى فوراً!"أومأ أستاولوا برأسه بصلابة وقار وقال:"معك حق يا بني.. تجهز فوراً، وسأطلب من السائق أن يجهز السيارة أمام البوابة الرئيسية."لم يضع مراد ثانية واحدة؛ انحنى ببطء وحمل لينا بين ذراعيه بحرص شديد كأنها قطعة زجاج ثقيلة يخشي عليها من الكسر. كانت تسند رأسها على صدره، وأنفاسها متسارعة، بينما تحرك هو بخطوات سريعة ونزل بها أدراج البيت اتجاه السيارة المنتظرة.في الطريق إلى المستشفى، كان مراد يجلس في المقعد الخلفي محتضناً لينا، يربد على كتفها ويهمس لها بكلمات التهدئة، بين
الفصل الثامن والخمسون: كأس الغدر والهلعوقفت لينا مصدومة من رد فعل الوالد أستاولوا الغريب والمفاجئ. كيف يكتشف هوية الفاعل ويقرر فجأة إخفاء الأمر عنها ويأمرها بمغادرة المنزل؟انتفضت غضباً وقالت بعنادها المعهود:"يا إلهي! هل سنعود إلى القصة ذاتها مجدداً؟ لن أذهب يا بابا أستاولوا، أنا باقية في بيتي ولن أتركه."حاول العجوز تهدئتها بنبرة تحمل خوفاً حقيقياً عليها:"يا بنيتي اسمعي الكلام، لا تكوني صلبة الرأس! الوضع هنا لم يعد آمناً طالما أننا لا نعلم من أين ستأتي الضربة القادمة."ربعت لينا ذراعيها أمام صدرها وتراجعت للخلف قائلة بإصرار:"لن أذهب يعني لن أذهب! لو انطبقت السماء على الأرض لن أترك مراد بمفرده في هذه الظروف، ولا توجد قوة في الدنيا ستخرجني من هذا البيت!"زفر أستاولوا بقلة حيلة أمام عنادها، وتركها ليخرج إلى المصنع لمتابعة أمرٍ ما، لكنه كان يشعر بقلق عميق عليها من الجلوس لفترات طويلة وهي وحيدة بالمنزل، حتى لو كانت الخادمة "أم رامي" تخدمها وتتواجد معها.عادت لينا للجلوس في جلستها المفضلة بجوار الشرفة الكبيرة، تحمل مجلة في يدها محاولة تشتيت انتباهها عن التفكير في لغز الرجل المجهول
الفصل السابع والخمسون: عينٌ لا تنام وخداع البصرمرت ليلة الأمس كأنها دهر من الجحيم. بعد ما حدث، لم يعد مراد كما كان؛ انطفأت روحه وبدأت حالته النفسية تسوء بشكل ملحوظ. ورغم شعوره الداخلي وتأكده العقلي أن ما حدث ليس طبيعياً، فهو غير مقتنع على الإطلاق بأن المزرعة قد سكنتها الأشباح حقاً. عقله يرفض تماماً فكرة أن يكون هناك شبح لطفلة بريئة مثل جيليانا؛ فهي في عقيدته ملاك طاهر لا يمكن أن يتحول أبداً إلى شيطان أو عفريت من الجن، مهما كانت قوى الظلام. ولكن في نفس الوقت، كان قلبه العاطفي كأب لا يحتمل مجرد الفكرة أو الصورة البشعة التي انطبعت في ذهنه لطيف جيليانا وهو يتحول إلى ذلك المسخ.حبس مراد نفسه في غرفته، لم يخرج منها، ولم يتناول طعامه. أتى "الوالد أستاولوا" بخطواته الثقيلة وفتح باب الغرفة ليجد مراد جالساً في العتمة، يحدق في الأرض. أشعل العجوز الحكيم النور فجأة فانتفض مراد.قال أستاولوا بنبرة قاسية محملة بالعتاب، محاولاً استفزازه ليخرجه من حالته:"هل ستظل قابضاً على نفسك هكذا؟ أي شيء يحدث يروعك ويجعلك تجلس في الظلام حزيناً؟"رد مراد بصوت ضعيف منهك:"أنت لم ترَ يا أبي.. لم ترَ كيف كان المن
الفصل السادس والخمسون: أطياف الماضي ومطاردة الوهمكانت الأيام تمر ثقيلة على منزل المزرعة، محملة بغيوم القلق والترقب. بذل مراد كل ما في وسعه كي يُسعد لينا ويطمئن قلبه عليها، محاولاً أن يبني حولها جداراً من الأمان يعزلها عن الكابوس الذي يعيشونه. ظَلَّ يعتني بها بنفسه، ويشرف على تفاصيل يومها كي تتحسن حالتها النفسية والصحية، خاصة بعد أن شدد الطبيب المعالج على ضرورة الاهتمام بتغذيتها؛ فقد كانت تعاني من ضعف عام منذ البداية، وجاءت الضغوط النفسية والعصبية التي سببتها قضية "اللحوم الفاسدة" وتشميع المنافذ لتستنزف ما تبقى من طاقتها، فبات وجهها شاحباً وعيناها تحملان إرهاقاً لا تخطئه عين.في ذلك اليوم، عاد مراد من عمله متأخراً بعض الشيء. وصل إلى المنزل والشمس تلملم آخر خيوطها الذهبية عن الأفق، تاركة وراءها سماءً مصبوغة بحمرة الشفق التي تثير في النفس شجناً غريباً. دفع باب المنزل الداخلي بخطوات مرهقة، ورمى مفاتيحه على الطاولة الجانبية، ثم دخل بخطوات هادئة إلى غرفة المعيشة حيث كانت لينا تجلس، وقال بصوت حاول أن يجعله مبتهجاً:"مساء الخير يا حبيبتي."رفعت لينا رأسها عن الكتاب الذي كانت تحاول قراءته،
الفصل الخامس وخمسون: خيوطُ اللعبة ومواجهة عبد الحكيمجلس مراد أمام أخيه البكري، ونظرات الحزن والحرقة تملأ عينيه وقال:"مصيبة يا بكري.. مصيبة كبيرة."رد البكري بنخوة وتماسك: "بعد الشر عنك من المصائب.. فهمني بس واحدة واحدة كده عشان أعرف أقف جنبك إزاي."بدأ مراد يشرح له الأزمة من البداية:"وانا في المستشفى زمان، لينا كانت بتشتغل مع بابا أستاولوا هنا في المزرعة. كان مستوى البيع قليل جداً وفي خسائر كبيرة بسبب إن المحلات والشركات الكبيرة بطلت تاخد مننا شغل جملة. فكرت لينا في طرق تسويق جديدة، وأهمها إننا نفتح منافذ بيع خاصة بينا وفي مناطق شعبية عليها ضغط كبير، ونبعد عن السوق القديم ونبيع بأرخص سعر.. وكمان من ضمن الأفكار إن اللحوم مستوردة اه، لكنها تتباع طازة؛ بمعنى إن البقرة تنقل حية للفرع وتتذبح قدام الزبائن ويشتروا منها وهي صاحية مش مجمدة."ابتسم البكري بإعجاب وقال:"ما شاء الله! دي مخها يوزن بلد.. برافو عليها والله!"واصل مراد: "الأفكار دي جابت نتيجة ممتازة ونسب المبيعات بقت في السما، وبقى لنا سمعة كويسة جداً عند الناس إننا بنقدم أحسن جودة وأرخص سعر.""طيب ما ده عال العال! أمال إيه







