LOGINالفصل الثامن والخمسون: كأس الغدر والهلعوقفت لينا مصدومة من رد فعل الوالد أستاولوا الغريب والمفاجئ. كيف يكتشف هوية الفاعل ويقرر فجأة إخفاء الأمر عنها ويأمرها بمغادرة المنزل؟انتفضت غضباً وقالت بعنادها المعهود:"يا إلهي! هل سنعود إلى القصة ذاتها مجدداً؟ لن أذهب يا بابا أستاولوا، أنا باقية في بيتي ولن أتركه."حاول العجوز تهدئتها بنبرة تحمل خوفاً حقيقياً عليها:"يا بنيتي اسمعي الكلام، لا تكوني صلبة الرأس! الوضع هنا لم يعد آمناً طالما أننا لا نعلم من أين ستأتي الضربة القادمة."ربعت لينا ذراعيها أمام صدرها وتراجعت للخلف قائلة بإصرار:"لن أذهب يعني لن أذهب! لو انطبقت السماء على الأرض لن أترك مراد بمفرده في هذه الظروف، ولا توجد قوة في الدنيا ستخرجني من هذا البيت!"زفر أستاولوا بقلة حيلة أمام عنادها، وتركها ليخرج إلى المصنع لمتابعة أمرٍ ما، لكنه كان يشعر بقلق عميق عليها من الجلوس لفترات طويلة وهي وحيدة بالمنزل، حتى لو كانت الخادمة "أم رامي" تخدمها وتتواجد معها.عادت لينا للجلوس في جلستها المفضلة بجوار الشرفة الكبيرة، تحمل مجلة في يدها محاولة تشتيت انتباهها عن التفكير في لغز الرجل المجهول
الفصل السابع والخمسون: عينٌ لا تنام وخداع البصرمرت ليلة الأمس كأنها دهر من الجحيم. بعد ما حدث، لم يعد مراد كما كان؛ انطفأت روحه وبدأت حالته النفسية تسوء بشكل ملحوظ. ورغم شعوره الداخلي وتأكده العقلي أن ما حدث ليس طبيعياً، فهو غير مقتنع على الإطلاق بأن المزرعة قد سكنتها الأشباح حقاً. عقله يرفض تماماً فكرة أن يكون هناك شبح لطفلة بريئة مثل جيليانا؛ فهي في عقيدته ملاك طاهر لا يمكن أن يتحول أبداً إلى شيطان أو عفريت من الجن، مهما كانت قوى الظلام. ولكن في نفس الوقت، كان قلبه العاطفي كأب لا يحتمل مجرد الفكرة أو الصورة البشعة التي انطبعت في ذهنه لطيف جيليانا وهو يتحول إلى ذلك المسخ.حبس مراد نفسه في غرفته، لم يخرج منها، ولم يتناول طعامه. أتى "الوالد أستاولوا" بخطواته الثقيلة وفتح باب الغرفة ليجد مراد جالساً في العتمة، يحدق في الأرض. أشعل العجوز الحكيم النور فجأة فانتفض مراد.قال أستاولوا بنبرة قاسية محملة بالعتاب، محاولاً استفزازه ليخرجه من حالته:"هل ستظل قابضاً على نفسك هكذا؟ أي شيء يحدث يروعك ويجعلك تجلس في الظلام حزيناً؟"رد مراد بصوت ضعيف منهك:"أنت لم ترَ يا أبي.. لم ترَ كيف كان المن
الفصل السادس والخمسون: أطياف الماضي ومطاردة الوهمكانت الأيام تمر ثقيلة على منزل المزرعة، محملة بغيوم القلق والترقب. بذل مراد كل ما في وسعه كي يُسعد لينا ويطمئن قلبه عليها، محاولاً أن يبني حولها جداراً من الأمان يعزلها عن الكابوس الذي يعيشونه. ظَلَّ يعتني بها بنفسه، ويشرف على تفاصيل يومها كي تتحسن حالتها النفسية والصحية، خاصة بعد أن شدد الطبيب المعالج على ضرورة الاهتمام بتغذيتها؛ فقد كانت تعاني من ضعف عام منذ البداية، وجاءت الضغوط النفسية والعصبية التي سببتها قضية "اللحوم الفاسدة" وتشميع المنافذ لتستنزف ما تبقى من طاقتها، فبات وجهها شاحباً وعيناها تحملان إرهاقاً لا تخطئه عين.في ذلك اليوم، عاد مراد من عمله متأخراً بعض الشيء. وصل إلى المنزل والشمس تلملم آخر خيوطها الذهبية عن الأفق، تاركة وراءها سماءً مصبوغة بحمرة الشفق التي تثير في النفس شجناً غريباً. دفع باب المنزل الداخلي بخطوات مرهقة، ورمى مفاتيحه على الطاولة الجانبية، ثم دخل بخطوات هادئة إلى غرفة المعيشة حيث كانت لينا تجلس، وقال بصوت حاول أن يجعله مبتهجاً:"مساء الخير يا حبيبتي."رفعت لينا رأسها عن الكتاب الذي كانت تحاول قراءته،
الفصل الخامس وخمسون: خيوطُ اللعبة ومواجهة عبد الحكيمجلس مراد أمام أخيه البكري، ونظرات الحزن والحرقة تملأ عينيه وقال:"مصيبة يا بكري.. مصيبة كبيرة."رد البكري بنخوة وتماسك: "بعد الشر عنك من المصائب.. فهمني بس واحدة واحدة كده عشان أعرف أقف جنبك إزاي."بدأ مراد يشرح له الأزمة من البداية:"وانا في المستشفى زمان، لينا كانت بتشتغل مع بابا أستاولوا هنا في المزرعة. كان مستوى البيع قليل جداً وفي خسائر كبيرة بسبب إن المحلات والشركات الكبيرة بطلت تاخد مننا شغل جملة. فكرت لينا في طرق تسويق جديدة، وأهمها إننا نفتح منافذ بيع خاصة بينا وفي مناطق شعبية عليها ضغط كبير، ونبعد عن السوق القديم ونبيع بأرخص سعر.. وكمان من ضمن الأفكار إن اللحوم مستوردة اه، لكنها تتباع طازة؛ بمعنى إن البقرة تنقل حية للفرع وتتذبح قدام الزبائن ويشتروا منها وهي صاحية مش مجمدة."ابتسم البكري بإعجاب وقال:"ما شاء الله! دي مخها يوزن بلد.. برافو عليها والله!"واصل مراد: "الأفكار دي جابت نتيجة ممتازة ونسب المبيعات بقت في السما، وبقى لنا سمعة كويسة جداً عند الناس إننا بنقدم أحسن جودة وأرخص سعر.""طيب ما ده عال العال! أمال إيه
الفصل الرابع والخمسون: خفايا الظلال ووصيةُ الأبوقفت لينا مشدوهة يتسارع نبضها بشكل مرعب. كان الأمر غريباً للغاية؛ فالشمس لم تلم بعُد آخر خيوطها، والنور ما زال يملأ الساحة، فكيف لظاهرةٍ كهذه أو شبحٍ أن يظهر في هذا التوقيت إذا افترضنا جدلاً أنه شبح؟ظلت قلقة وخائفة مما حدث، ولم تكن تعرف هل تبلغ مراد وبابا أستاولوا بما جرى أم أن الأمر سيزيد من معاناتهم وضغوطهم بسبب التهم المنسوبة إليهم وقضية التشميع. ظلت جالسة في مكانها دون أن تحرك ساكناً والأفكار تتضارب في رأسها، حتى عاد مراد وبابا أستاولوا إلى البيت بملامح مجهدة.ما إن رآها مراد حتى قال بعتاب:"ليه اتحركتي من السرير يا لينا؟ مش قلنا الدكتور قال ترتاحي؟"ردت بتعب: "زهقت يا مراد.. اتخنقت من قاعدة السرير."اقترب منها وابتسم بحنية: "طيب أنا لما أجي هبقى أشيلك أنزلك بنفسي في أي مكان."ضحكت لينا بصوت خفيض: "كل الدلع ده عشان البيبي؟"جلس بجوارها ومسك يدها: "لا عشانك أنتِ يا حبيبتي.. أنتِ أهم من أي حد وأهم من أي حاجة في الدنيا.""ياااااا سلام على الكلام الحلو؟""عندك شك في ده؟""ههه لا معنديش.. عملتم إيه في التحقيق؟"تنهد مراد وقال: "سأ
الفصل الثالث والخسمون: بين نارين وشرارة أملأشرق صباح يومٍ جديد تحمل أجواؤه أثقال ليلةٍ طويلة لم يذق فيها أحدٌ في البيت طعم النوم. خيم الصمت الثقيل على ردهات المنزل بعد المحنة القاسية الأخيرة، ولكن رغم كل المحاولات والضغوط، أصرت "لينا" على أن تبيت ليلتها في بيت زوجها مراد، متمسكة بقربها منه في أوقات الشدة ومُعربة عن أصلها الطيب.خرجوا جميعاً من غرفهم بوجوهٍ مجهدة وأعين يملؤها السهر والحيرة. اجتمعوا حول طاولة الإفطار، ودخلت لينا وهي ترتدي ملابس الخروج الكاملة، حازمة أمرها ومستعدة للذهاب.رفع مراد عينيه إليها وسألها باستغراب وغضب مكتوم:"أنتِ لابسة ورايحة فين على الصبح يا لينا؟"ردت بثبات وتحدٍّ: "رايحة أشوف شغلي يا مراد.. القضية محتاجة متابعة والمنافذ لازم تتأمن."قال مراد بنبرةٍ حاسمة وقاطعة: "من النهاردة مفيش شغل.. كفاية لغاية كده.""إيه اللي أنت بتقوله ده يا مراد؟""زي ما سمعتي.. أنا مش مستعد تتورطي أكتر من كده في العك ده."ضحكت لينا بسخرية مريرة وقالت:"هههه! ضحكتني والله يا مراد.. أنا تقريباً المتورطة الوحيدة في الأوراق رسمياً! يعني أنت وبابا أستاولوا ممكن تقولوا إنها هي ا







