LOGINتوارى العالم خلف أسوار جناحنا، حتى فقد الزمن ملامحه، ولم نعد نحصي الساعات التي ذابت ونحن نغرق في بعضنا، نعيد اكتشاف تضاريس الجسد بلمساتٍ تنبض شوقًا وتشتعل حياة. كان كل شيء منغلقًا علينا، مكتفيًا بنا، إلى أن بدأ نداء خفيّ يتسلل عبر المسام، كهمسٍ قديمٍ يعرف الطريق إلى الروح. تسلل ضوء القمر الفضي من بين ثنيات الستائر، متلصصًا كعينٍ ساهرة، ينادي سيليني ويوقظ في دانيال ذئبه الكامن، داعيًا إياهما لاكمال عهدٍ لا يُرى. شعرتُ بالمخالب تنبض تحت جلدي، وبالأنياب تشق طريقها في داخلي، بينما تحولت أنفاس دانيال إلى زمجرةٍ بدائية، رعشةٍ أولى هزّت صمت الغرفة وأيقظت فطرتها الأولى. اقتربتُ من النافذة الكبيرة، وبحركةٍ انسيابية فتحت مصراعيها، متفاديةً اندفاعًا آخر من جنونٍ سبق أن حطم الزجاج. تراجعتُ خطوة، ثم أخرى، وعيناي تتقدان بتحدٍ لعوبٍ سرق أنفاسه، قبل أن أنطلق كالسهم في قلب الفراغ. في الهواء الطلق، شعرتُ بالتحول يمزق بشريتي في ومضةٍ خاطفة، كولادةٍ جديدة لا تعرف الألم بقدر ما تعرف الانفلات. وحين لامستُ الأرض، كنتُ قد صرتُ ذئبتي الفضية الرشيقة، أنبض بالقوة والخفة معًا. وفي اللحظة ذاتها، دوّى ارتطام
استيقظتُ مع تسلل خيوط الصباح الأولى التي بدأت ترسمُ ظلالاً ذهبيةً على جدران الغرفة. توجهتُ نحو المرآة؛ كان اللون الأحمر، ذلك الأثر القرمزيّ للصباغ ، قد تلاشى تماماً، وعاد شعري إلى لونه الطبيعي كما كان. غسلتُ عن وجهي بقايا تعب الأيام الماضية في حمامٍ سريع، وسرحتُ شعري ببساطة. ارتديتُ بنطال جينز أزرق وقميصاً أبيض واسعاً؛ كنتُ أريد أن أشعر بالخفة والراحة، وفي نفس الوقت ببعض الأناقة التي تليقُ باستقبال يومٍ جديد. نزلتُ إلى صالة الطعام، فاستقبلتني رائحة القهوة والخبز الطازج. كان جوليا وجوليان يجلسان مع الصغيرة ريمي، يطعمونها بلطفٍ غامر وكأنها ابنتهما التي انتظراها طويلاً. ألقيتُ التحية وجلستُ معهم، وحين سألتُ عن إيلارا، أخبرتني جوليا أنها ستلحق بنا قريباً. قلتُ لهم بابتسامة: "أنهوا طعام ريمي ودعونا نذهبُ جميعاً لرؤية إينانا، ستسعدُ جداً برؤيتكم حولها." لم أنتظر طويلاً؛ أخذتُ طبقاً من الطعام الصحي المُعدّ خصيصاً لانانا وتوجهتُ نحو المشفى. عند دخولي، رأيتُ ياسمين لا تزال غارقةً في نومها فوق المكتب من شدة الإجهاد. وصل ديفيد في تلك اللحظة، وحين رأى حالتها، انحنى وحملها برفقٍ شديد بين ذراعي
فتحتُ عينيَّ في منتصفِ الليل، وكان السكونُ يلفُّ الغرفةَ إلا من أنفاسِ ميرا الهادئة، التي كانت تجلسُ على حافةِ السرير وقد غلبها النعاسُ فأسندت رأسها وغطت في نومٍ عميق. نهضتُ ببطءٍ شديد، متجنبةً إصدارَ أيِّ صوتٍ قد يقطعُ خلوتها مع الأحلام؛ يبدو انها كانت بجانبي طوال الوقت، شعرت بالحاجة لأطمئنَّ على انانا. تحركتُ على رؤوسِ أصابعي نحو الباب، ضوءُ القمر المتسللُ من الشرفاتِ يرسمُ ظلالاً باهتةً على الأرضيةِ الخشبية. فتحتُ المقبضَ بحذر، فتململت ميرا في مكانها لكنها لم تستيقظ. أغلقتُ البابَ خلفي بصمتٍ مطبق، وتوجهتُ مباشرةً نحو المشفى. في أروقةِ المشفى: لقاءٌ غيرُ متوقع كان المشفى غارقاً في هدوءٍ غريب، تكسرهُ فقط إضاءةٌ خافتةٌ في الممرات. وجدتُ ياسمين غارقةً في النومِ فوق مكتبها، وبين أكوامِ الأوراقِ والملفات، بدت مُنهكةً من مجهودِ الساعاتِ الماضية. تقدمتُ نحو سريرِ إينانا. كانت تبدو أفضلَ حالاً الآن، لونُ وجهِها بدأ يستعيدُ بعضاً من حيويتهِ بفضلِ الطاقةِ التي منحتُها إياها. لكنَّ ما لفتَ انتباهي هو ذلك الشابُ الذي كان يجلسُ عند رأسها، ممسكاً يدها برقةٍ وكأنها أثمنُ ما يملك. كان هو نف
انطلقتُ كالسهم الذي شقّ سكون الليل، تاركةً خلفي غبار الطريقِ وعبقَ أزهار البرية التي بدأت تتفتحُ معلنةً عن سيادة العتمة. كانت سرعةُ ركضي تتجاوزُ حدودَ الجسد، وشعرتُ بالهواء البارد يلفحُ وجهي ويُحررُ خصلات شعري التي تطايرت خلفي كأنها رايةٌ للحرب. أحسستُ بوقع أقدام القطيع خلفي؛ جيشٌ من الأنفاس المتلاحقة والقلوب التي تنبضُ على إيقاعِ خطواتي، لكن أحداً منهم لم يجرؤ على تجاوزي، فقد كنتُ في تلك اللحظة القائد والمحور. فجأة، وبدافعٍ من غريزةٍ قديمة، قفزتُ عالياً في الهواء، وفي تلك اللحظة التي تجمد فيها الزمن، التففتُ مرتين بحركةٍ رشيقة قبل أن أهبط على قوامي الأربعة. في تلك الثانية، تحولتُ تماماً؛ انشقَّت بشريٌّتي عن ذئبةٍ أسطورية، بفراءٍ لم يروا له مثيلاً، لونٌ فضي يميلُ للزرقة كأنني نُحتُّ من ضوء القمر ذاته. شعرتُ بصدمتهم تترددُ في الأثير؛ صمتٌ مطبق ساد للحظة قبل أن يتبعني جون، وكميل، وديفيد، والبقية، متحولين خلفي بأجسادهم الضخمة، لنمزق سكون الغابة بجرينا الجماعي. كنا نجري وسط الأشجار المتشابكة التي بدت كحراسٍ من العمالقة يميلون برؤوسهم لمشاهدة مرورنا. رائحةُ الصنوبر الرطبة، والأشنات الت
قلعة لاتموس الشرقية ، سيلين : تلاشى "سول" وبقي أثره يملأ أركان المكتب، كأنَّ ذرات الضياء التي تركها خلفه لا تزال تلسع جلدي وتذكرني بضآلة معرفتي. كلماتُه كانت تدور في رأسي كدوامةٍ لا تهدأ؛ كيف لي أن أصل لتلك العلاقة الغامضة مع القمر؟ لم يمنحني خارطة طريق، بل ألقى بي في بحرٍ من التساؤلات واختفى ببروده المعتاد. شعرتُ بنار الغضب تسري في عروقي، لماذا يُكتب عليَّ دائماً أن أنال كل شيء بالدموع والعناء؟ ولماذا تبدو الحقيقة دائماً خلف ألف حجاب؟ خرجتُ من المكتب بخطىً مثقلة وتوجهتُ نحو غرفتي، أبحثُ عن زاويةٍ أرتب فيها شتات تفكيري. لكن بمجرد أن وطأت قدماي الغرفة، شعرتُ وكأنَّ طيف "دانيال" يخيمُ على كل شيء؛ رائحته، ذكراه، وحضوره الذي لا يغيب، كلها كانت سداً منيعاً يمنعني من التركيز. كلما حاولتُ الغوص في لغز "سول"، وجدتُ أفكاري تنسحبُ قسراً نحو دانيال، وكأنَّ قلبي يرفض التفكير في القوة قبل أن يطمئن على من يحب. قلتُ لنفسي محاولةً استعادة السيطرة: "حسناً.. على الأقل، مساءً سأقود القطيع، لربما تحت وطأة الركض والتحرر في الغابة أستطيع فك قيود عقلي." قطع حبل أفكاري طرقٌ متتابع على الباب. حين فتح
كنتُ أنصتُ لكل كلمةٍ تخرجُ من بين شفتيها القانيتين بعنايةٍ فائقة، كأنني أجمعُ قطعَ أحجيةٍ دمويةٍ تضربُ بجذورها في أعماقِ أزلٍ سحيق. كان فحيحُ صوتها يملأُ زوايا الغرفة، كاشفاً عن تاريخٍ لم تروِهِ الكتب، تاريخٍ كُتب بمدادِ الخيانةِ واللعنات. أكملت أليس شرحها، وعيناها تلمعان ببريقٍ حزينٍ وغاضبٍ في آنٍ واحد: "مصاصو الدماء يا دانيال.. لم يبدأوا كوحوش. كانوا في الأصلِ زمرةً من كهنةِ معبدٍ مقدسٍ لـ إله الشمس. وفي يومٍ غابر، كافأهم الإله بمباركته، ومنحهم سلطةً وقوةً مهيبةً لخدمةِ البشرِ وحمايتهم. لكنَّ سوسَ الغرورِ نخر في قلوبِ رؤساء المعبد الثلاثة؛ فاقترحوا ما لا يقبلهُ عقلٌ أو دين." توقفت للحظة، وكأنَّ هولَ الذكرى يطبقُ على صدرها، ثم تابعت: "لقد ساقوا فتياتٍ عذراواتٍ كقرابينَ بشرية، وذبحوهنَّ على مذبحِ المعبدِ الطاهر، وشربوا دماءهنَّ بظمأٍ شيطاني، وأجبروا بقيةَ الكهنةِ على صنيعهم. عندها، انشقت السماءُ عن غضبِ إله الشمس؛ فحلّت عليهم اللعنة. سلبَ أرواحهم، وجعلَ ضياءَ الشمسِ -الذي كان مصدرَ قوتهم- عدوهم اللدود الذي يحرقُ جلودهم. استحالوا كائناتٍ تهيمُ بلا أرواح، تقتاتُ على الدماء، والأدهى
بعد ساعات طويلة من التدريب المنفرد، حيث كنتُ أعيد اكتشاف التناغم بين جسدي والرمح، كانت الصالة تضج بحياةٍ من نوعٍ آخر. كانت الزوايا تمتلئ بنزالاتٍ زوجية تعكس طبيعة كل ثنائي؛ ففي جانبٍ قصي، كان جون يروض قوته الهائلة ليدرب صوفي بكل رقة، يصحح وقفتها بلمساتٍ حانية وكأنه يخشى أن تخدشها قسوة الخشب. وعلى
في غرفتنا داخل قلعة "لاتموس"، وفي تلك اللحظات الفاصلة بين الحلم واليقظة، شعرتُ بقبلة دانيال الدافئة تطبعُ أثرها على جبيني. أردتُ أن أتشبث به، أن أفتح عينيّ لأملأ نظري بملامحه قبل الرحيل، لكن جسدي كان خائناً، غارقاً في إنهاكٍ لذيذ. كانت ليلةً أشبه بصهير الذهب؛ ليلةً امتزج فيها الألم بالنشوة، حيث ك
عادَ الفجرُ يطرقُ أبواب النزلِ بخيوطٍ رماديةٍ باردة، تغلغلت عبر شقوق النافذة لتكشفَ عن الغرفةِ التي خيمَ عليها صمتٌ ثقيل. كنتُ قد استيقظتُ والوقتُ لا يزالُ مبكراً جداً، نظرتُ حولي؛ كان جوليان وكريس غارقين في نومٍ عميق، يتنفسان بانتظامٍ يوحي بالسكينة التي تفتقدها روحي. وفي الزاويةِ المظلمة، كانت ا
كنتُ أسمعُ إيقاع قلوبهم المضطربة خلفي كطبولٍ مجهدة، وألتقطُ أنفاسهم التي أصبحت حشرجاتٍ ثقيلة تمزق سكون الغابة. أجسادهم، رغم قوتها، لم تعد قادرة على مجاراة الوتيرة التي انطلقتُ بها؛ "جوليان" و"كريس" استنزفا كل ذرة طاقة في عضلاتهما للبقاء ضمن دائرة ظلي. زمجرتُ بخفوت، زمجرةً تحمل مزيجاً من السلطة







