LOGINجاكسون كان جسدي يئنُّ تحت وطأة الجروح التي لم تلتئم بعد، لكنَّ ثقل "جيني" بين ذراعيّ كان هماً من نوعٍ آخر. غادرتُ أسوار القلعة الملعونة بخطواتٍ واسعة، تاركاً خلفي "أليس"؛ تلك المرأة التي لطالما اعتبرتها تجسيداً للشر، تارةً أحتقرها وتارةً أشفقُ على المصير الذي اختارته. كانت جيني لا تزال غائبة عن الوعي، رأسها يميلُ على كتفي كعصفورٍ مكسور الجناح، وغياب وعيها كان رحمةً مؤقتة مما خلفناه وراءنا. سرتُ بها حتى حل الظلام الدامس، وكانت الرياح الباردة تلطم وجهي، وعقلي يغلي بالتساؤلات: **إلى أين أذهب بها؟** نظرتُ حولي؛ الجنوب ليس مجرد أرض، إنه مستنقعٌ من القسوة. كل غابةٍ هنا تخبئُ مفترساً، وكل طريقٍ يؤدي إلى "سوقِ عبيد" أو وكرٍ لمصاصي دماءٍ لا يعرفون الرحمة. لم أكن أعرف بشرياً واحداً في هذه الأنحاء يمكنني أن أودعها لديه وأنا مطمئن. تركُها هنا وحدها يعني تسليمها لمصيرٍ أسوأ من الموت.. فالبشر في الجنوب مجردُ "عملة" أو "وليمة". قررتُ المضي قدماً نحو الشمال، نحو **قطيع دانيال**. كنتُ أمشي بلا هدىً حقيقي، مدفوعاً فقط بغريزة الابتعاد عن رائحة الموت المنبعثة من القلعة. كنتُ أمنّي نفسي بأن أجد كو
أليس لاحَ خيطُ الفجرِ الأول من النوافذ المحطمة، ومعه جاء الصوت الذي تمنيتُ ألا أسمعه أبداً: **"ألييييس!"** كانت جيني. هذه الفتاة الحمقاء التي لم تعرف يوماً معنى "الأمر". عادت لتنقذ من لا يُنقذ. انتبهت جوزفين لوجودها، ولمعت عيناها بخبثٍ أزلي؛ أدركت أنَّ هذه البشرية الضعيفة هي مفتاحُ كسري الأخير. استدارت الساحرة نحو جيني، مجهزةً تعويذةً لتمزيقها وإذلالي أمام عينيها. لم أفكر، لم أتردد. رميتُ جسدي المتهالك بكل ثقله نحو جوزفين، ليس بسيفٍ ولا بخنجر، بل بكياني كله. أطبقتُ بانيابي على حنجرتها بقوةٍ جنونية، شعرتُ بدمها المرّ يملأ فمي، وبصرختها المكتومة تحت فكي. لكنَّ الساحرة كانت تملكُ ورقةً أخيرة. قالت بصوتٍ مخنوق وهي تنفثُ سحرها الأسود: **"لن أموتَ وحدي.. سآخذكِ معي إلى الجحيم الذي تخافينه!"** بومضةٍ من الضوء البنفسجي الساحر، تلاشت القاعة من حولي. لم نعد بين الجدران، بل وجدنا أنفسنا بفعل تعويذتها "خارج أسوار القلعة"، فوق تلةٍ مكشوفة تواجه الأفق تماماً. كانت خطة جوزفين واضحة؛ أن تحرقني حيةً بأول خيوط الشمس. كانت تنزفُ بغزارة، وعيناها تفيضان بالجنون وهي تضحك وسط جراحها القاتلة،
أليس وقفتُ وسط القاعة الواسعة، أتبادل الأنفاس اللاهثة مع الموت في صراعٍ صامت قبل العاصفة. كان الهواء ثقيلاً، مشحوناً برائحة الغبار والدماء الوشيكة. خمسة عشر هجيناً من النخبة كانوا يطوقونني، عيونهم تلمعُ بجوعٍ مفترس لتمزيق فريسةٍ ظنوها أضعف من أن تقاوم. وخلف هذا السور من الأجساد المتعطشة، كانت تقبعُ تلك العجوز القميئة؛ جوزفين. عيناها تشعان ببريقٍ أرجواني مسموم، ويداها ترسمان في الهواء طقوس فنائي، وكأنها تنسجُ خيوط كفني من العدم. لم يكن هؤلاء الحثالة يشبهون أولئك الذين حصدتُ أرواحهم في الممرات؛ هؤلاء هم "تلاميذ جوزفين"، النخبة التي جمعت بين وحشية الهجين، وسرعة مصاص الدماء، وخبث السحرة في التنبؤ بالحركات قبل وقوعها. كان كل واحدٍ منهم يمثل موتاً محققاً، فكيف بخمسة عشر؟ انقضَّ ثلاثةٌ منهم دفعة واحدة، بانسجامٍ قاتل. انحنيتُ تحت نصل الأول الذي مرَّ فوق رأسي ليقصَّ خصلاتٍ من شعري، وغرستُ خنجري بكل قوتي في فخذه، شعرتُ بتمزق أنسجته وبصرخته المكتومة. وبلمح البصر، استدرتُ لأصدَّ سيف الثاني؛ ارتطم الفولاذ بالفولاذ بقوةٍ جعلت يدي ترتجف والشرر يتطايرُ أمام عيني كنجومٍ حارقة. بترتُ ذراع الثال
أليس عدتُ أنسحب إلى عتمة السقف، أتحرك فوق العوارض الخشبية القديمة كأنني خيالٌ لا وزن له. من مكاني بالأعلى، كنتُ أرى "رقعة الشطرنج" بوضوح؛ جوزفين المحاطة بحرسها كالأفعى في جحرها، والمجموعات التي انقسمت بـ "غباءٍ تكتيكي" مدروس. خمسة اتجهوا للبوابة، وخمسة للمقر الرئيسي، وخمسة لمخدعي الخاص.. أما الخمسة الذين استداروا للخلف، فقد اختاروا الطريق الذي سيوصلهم إلى حتفهِم أسرع مما يتخيلون. كانوا يمشون في الممر الضيق المؤدي إلى الأقبية، حيث يتردد صدى صوت قطرات الماء، وحيث لا مكان للهرب. هبطتُ من الأعلى خلف آخر واحدٍ فيهم بصمتٍ تام، لم يشعروا حتى بإزاحة الهواء. * **الضحيةُ الأولى:** أمسكتُ برأسه من الخلف، وبحركةٍ سريعة خاطفة، لويتُ عنقه حتى سمعتُ طقطقة فقراته وهي تتحطم. سقط ككيسٍ من الرمل دون أن ينبس ببنت شفة. * **الارتباك:** التفتَ الأربعة الباقون على صوت السقوط. في تلك اللحظة، لم أنتظر؛ كنتُ قد استللتُ سيفي وخنجري معاً. اندفعتُ وسطهم كإعصارٍ أسود. * **الضحية الثانية والثالثة:** كانا هجينين يحاولان استلال سيوفهما، لكنني كنتُ أقرب. طعنتُ الأول في صدره بخنجري المسموم، وفي الوقت ذاته، د
أليس غابت الشمس أخيراً، وانطفأ آخر خيطٍ للرأفة في الأفق، ليعلن الليلُ سيادته المطلقة. فتحتُ النوافذ على مصراعيها، وتركتُ هواء المساء البارد يلفح وجهي، مستنشقةً الروائح التي يحملها الريح بحذرٍ شديد؛ فأنا الآن لا أعتمد على قوتي فحسب، بل على حواسي التي صقلتها قرونٌ من الصيد والحروب. تراجعتُ خطوةً نحو الخلف، وانغمدتُ في الزوايا المظلمة للغرفة كما أفعل دائماً؛ فالظلال هي بيتي، وهي سلاحي الأول. كنتُ أحسبُ الوقت في عقلي بدقة متناهية؛ المسافة من قلعة "بان" إلى هنا تستغرقُ من مجموعاتهم أكثر من ساعة، بينما كنتُ أقطعها بنصف ذلك الوقت حين كان دمُ "بان" يغلي في عروقي ويمنحني سرعة البرق. أعرفُ تماماً كيف يفكرون، وأعرفُ أكثر كيف يتحركون. لن يأتوا فرادى؛ فالجبنُ يسكنُ قلوبهم حين يواجهون "أي تحدي" . سيتحركون كمجموعة هجينة من السحرة الذين فقدوا رشدهم، ومصاصي دماءٍ متعطشين للارتقاء في الرتب فوق جثتي. لكن نقطة ضعفهم هي ذاتها التي ظنوا أنها قوتهم: **غيابي**. لقد كنتُ أنا من يضعُ التشكيلات، وأنا من يحددُ لحظة الهجوم والانسحاب. الآن، هم مجردُ قطيعٍ من الوحوش المتحفزة بلا عقلٍ مدبّر. سيهاجمون بان
بدأ صوته يخرجُ مهتزاً، كأنه يلفظُ شظايا من زجاجٍ عالقة في حنجرته: **"حسناً.. سأخبركِ بكل شيء."** بدأ جاكسون يسردُ فصول مأساته بنبرةٍ يملؤها الندم المرّ. حكى كيف خرج في ذلك الفجر المشؤوم، مدفوعاً بأملٍ واهم في العثور على أشباهه؛ أولئك "المنبوذين" الذين سحقهم "بان" و"جوزفين" وسلبوهم كرامتهم وذئابهم. كان يظنُّ أنَّ جرحهم المشترك سيكون الرابط الذي يوحدهم للانتقام، وأنَّ الغضب سيكون الوقود الذي يجمعهم تحت راية "دانيال". لكنه وجد الغدر يقبعُ في ثنايا الولاء المزيّف. التقى ببعضهم، وبسذاجةِ من يبحثُ عن قشةِ نجاة، شرح لهم مخططه لتجنيدهم. تظاهروا بالموافقة، وأقنعوه بأنَّ هناك آخرين "مثلهم" يختبئون عند حدود القلعة، ينتظرون القائد المناسب. **"وثقتُ بهم.."** قالها جاكسون وهو يشدُّ قبضته على الملعقة حتى كادت تنحني، **"سرنا معاً حتى وصلنا إلى أسوار القلعة التي لم ارها. كنتُ أعمى، لم أرَ النوايا خلف وجوههم الباهتة."** وعندما توقفوا، بدأ "التصفير" الملعون؛ تلك النغمة الحادة التي اخترقت صمت الغابة كخنجرٍ مسموم. لم تكن نداءً لرفاقٍ مختبئين، بل كانت إشارةً للصيادين. في لحظات، أحاطت به أنيابُ
كنتُ أسمعُ إيقاع قلوبهم المضطربة خلفي كطبولٍ مجهدة، وألتقطُ أنفاسهم التي أصبحت حشرجاتٍ ثقيلة تمزق سكون الغابة. أجسادهم، رغم قوتها، لم تعد قادرة على مجاراة الوتيرة التي انطلقتُ بها؛ "جوليان" و"كريس" استنزفا كل ذرة طاقة في عضلاتهما للبقاء ضمن دائرة ظلي. زمجرتُ بخفوت، زمجرةً تحمل مزيجاً من السلطة
وقفنا وجهاً لوجه في الحمام الفسيح، حيث كان بخارُ الماء الدافئ يلتفُّ حولنا كشرنقةٍ حريرية، مانحاً المكان طابعاً من الخصوصية. كنتُ أسبرُ أغوارها، أغوصُ في بحر عينيها بعمقٍ؛ لم نعد بحاجةٍ إلى نطقِ كلمةٍ واحدة، فقد أصبح الوسمُ جسراً غير مرئي تعبرُ عليه الأرواح دون استئذان. كنا نشعرُ ببعضنا البعض،
عندما همَّ دانيال بمد يده القوية لفتح الباب والذهاب للقاء "بليك"، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ تجمدت يده في الهواء حين انفتح الباب فجأة ليظهر "الألفا بليك" واقفاً أمامه مباشرة. كان بليك يرفع يده ليرسل طرقاته، لكن سرعة دانيال سبقت حركته. ساد صمتٌ قصير قطعه تنحنح بليك المربك وهو يلقي السلام، وعيناه
ساد صمتٌ عميق في الغرفة، صمتٌ قطعته نظراتي المركزة على دانيال؛ فلأول مرة منذ زمنٍ بدا لي وكأنه دهر، رأيته قد استعاد اتزانه المعهود، وهدأت العاصفة في عينيه. لم أستطع كتمان تساؤلي، فسألتُه ونظري يغوص في ملامحه: "ما الذي حصل وأثار غضبك لهذه الدرجة؟" هنا تدخلت ميرا، والارتباك يكسو وجهها، وسألت بنبرةٍ







