Share

في قلب الظلام

Author: Zikostras
last update publish date: 2026-08-24 07:34:02

كانت درجات الهبوط الخرسانية القاسية المؤدية إلى عمق القبو رقم (4) تبتلع الضوء بسرعة مرعبة كلما نزل الثنائي خطوة جديدة إلى الأسفل. ساد سكون مريب وخانق في أرجاء المكان، يقطعه فقط الصوت الرتيب لصفير أنظمة التهوية الطارئة وأداء المولدات الاحتياطية التي أطلقت ضوءاً برتقالياً باهتاً ومتقطعاً، ليُلقي بظلال طويلة ومتراقصة على الجدران الفولاذية العارية.

كان زين يستند بيده اليمنى إلى حافة الجدار الخرساني البارد كي لا يسقط، بينما يده اليسرى تضغط بصلابة ويأس على جرحه المفتوح في خاصرته، والذي أخذت دماؤه الدافئة تتسرب بغزارة عبر القميص الأزرق الممزق. كانت أنفاسه متسارعة ووجهه شاحباً كالجص الخالي من الحياة، لكن عينيه الرماديتين حافظتا على المزيج ذاته من التركيز الحاد والإصرار القاسي.

"زين... أنت تنزف بغزارة شديدة،" همست ميار وهي تمسك بكتفه بكل قوتها لتحمل جزءاً من ثقله عن الأرض، وعيناها العسليتان تتفحصان الممر المظلم بوجل. "علينا الإسراع والوصول إلى هدفنا قبل أن يستعيد النظام التكتيكي طاقته الرئيسية أو يحاصرنا الحراس."

"أنا بخير... واصلي السير ولا تتوقفي يا ميار،" قال زين بصوت مبحوح يتخلله ألم حارق. "السيرفر الرئيسي للشبكة يقع خلف ذلك الباب الهيدروليكي المصفح في نهاية الممر. إذا تمكنا من توصيل القرص الصلب المشفر قبل تشغيل المولدات المركزية، سنتمكن من حظر بروتوكول التدمير الذاتي وتثبيت البيانات."

تقدمت ميار بخطوات حذرة ومحسوبة، ومسدس زين المكتوم في يدها اليمنى، بينما القرص الصلب المليء بالأسرار محمي بعناية داخل جيب معطفها الداخلي. وصل الثنائي أخيراً إلى القاعة المركزية للقبو؛ كانت مساحة شاسعة ومشيدة كقاعة عمليات عسكرية سريّة، تصطف على جوانبها العشرات من أجهزة المراقبة وشاشات العرض المظلمة، وفي منتصفها تماماً يقبع مكعب زجاجي مصفح يحتوي على الخادم البرمجي الرئيسي المضيء بأزرار حمراء زائرة.

وفجأة، وبدون أي تحذير سابق، أضاءت كشافات قوية ذات إضاءة بيضاء باهرة من زوايا السقف، ليقطع الهدوء صوت تصفيق بطيء ومنتظم يتردد صداه ببرودة في القاعة الشاسعة.

من خلف المكعب الزجاجي المصفح، خرج رجل في أواخر الخمسينات من عمره، يرتدي بدلة رسمية سوداء ذات قصة إيطالية فاخرة، ويحمل في يده جهاز تحكم إلكتروني صغير. كان وجهه هادئاً بشكل يدعو للرعب، وعيناه النافذتان تحملان استخفافاً مطلقاً بالموقف برمتهم. إنه "طاهر السويفي"، رئيس البنك المركزي والعقل التنفيذي لـ "مجلس الأطياف".

"كنت أعلم تماماً أن كمال العلي لن يرحل عن هذا العالم دون أن يترك ذيلاً خلفه..." قال طاهر بنبرة عميقة وواثقة تطفو عليها السخرية.

انقبضت حدقة عين ميار، ورفعت المسدس فوراً بكلتا يديها ووجهته بثبات نحو منتصف صدره: "أنت... أنت الكابوس الذي دمر حياة والدي وقضى عليه!"

ابتسم طاهر ابتسامة باردة وزائفة، ثم أدار نظره نحو زين المنهك المستند بثقله إلى إحدى الطاولات المعدنية: "وأنت يا زين... الشاب النابغة الذي ظن لوهلة أنه يستطيع لعب دور البطل التائب. هل ظننتما حقاً أن قطع سلك كهربائي بسيط في الطابق الثاني سيفوت علينا مراقبة حركاتكما الدقيقة؟"

"أنت لم تكن تنتظر دخولنا مصادفة يا طاهر..." قال زين وهو يحاول كتم زفيره المجهد، وعيناه تتفحصان السيرفر الزجاجي. "أنت كنت تنتظر مفتاح التشفير الأخير... المفتاح الذي لا يملكه في هذا العالم إلا كمال العلي أو ابنته."

ضحك طاهر بصوت خفيض وشرير: "ذكاء حاد كالعادة يا زين. البوابة الرئيسية للمشروع تُغلق تلقائياً بعد ساعتين وتفعل حذفا الشامل للبيانات إن لم يُدخل 'الرمز 04'. والدكِ يا ميار لم يختفِ ليحميكِ... بل لأنه رفض أن يعطيني هذا الرمز التدميري. والآن، أتيتم أنتم بالرمز طائعين حتى باب بيتي."

قبل أن تتمكن ميار من اتخاذ أي قرار أو الضغط على الزناد، خرج من الظلال الجانبية القاتمة للقاعة ثلاثة مسلحين مدربين يرتدون أقنعة داكنة ودروعاً تكتيكية ثقيلة، ووجهوا أسلحتهم النارية الأوتوماتيكية مباشرة نحو رأس زين وميار.

"ضعي السلاح أرضاً يا أنسة..." قال طاهر ونبرته تحولت إلى الصرامة القاتلة. "أو سأجعل صاحبكِ ينزف حتى الموت أمام عينيكِ قبل أن آخذ القرص الصلب من جثتكِ."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   أبعاد الحقيقة

    انساب ضباب الخريف الرقيق فوق خليج العاصمة، ليرسم لوحة رمادية ساحرة تتداخل فيها أنوار الميناء البعيدة مع المبانِي ذات الطراز الحديث والقديم الممتدة على طول الشريط الساحلي. كان الصباح الباكر يبعث على الهدوء والسكينة، وحركة المرور على الكورنيش العريض انسابت بسلاسة، خالية من تلك المواكب الأمنية الطارئة وسيارات الإسعاف التي كانت تمزق الهدوء في سنوات المطاردة السوداء.داخل القاعة الرئيسية للتطوير في "مركز الفجر للحلول والأمن الرقمي الأخلاقي"، كان هناك أكثر من عشرين شاباً وشابة من خريجي كليات هندسة الحاسوب والإعلام الاستقصائي يلتفون حول طاولة تفاعلية عملاقة. كانت الشاشة تعكس تحليلاً مباشراً للثغرات الرقمية ومحاكاة لهجمات سيبرانية معقدة، بينما كان زين يقف عند رأس الطاولة يشرح لهم بأسلوبه الرزين والمركّز كيفية بناء خوارزميات الوقاية والتحصين.كان زين يرتدي سترة قطنية كحيلة بسيطة، وعلى الرغم من السنوات التي مرت واندشال آثار الجراح الجسدية من خاصرته كلياً، إلا أن نظراته الرماديتين كانتا تعكسان نضجاً مبرمجاً خاض أعتى الحروب الرقمية، ليتحول من فار في الظلال إلى منارة توجيه وإرشادي للأجيال الصاعدة.

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   ظلال في ذاكرة النور

    انقضت أسابيع قليلة على اعتماد المنظومة السيادية الجديدة لحماية البيانات الوطنية، وكان خريف العاصمة يتسلل بهدوء عبر أوراق أشجار الدلب المتساقطة على طول الكورنيش المحاذي للمركز. في الطابق العلوي لـ "مركز الفجر للحلول والأمن الرقمي"، كانت قاعة التحليلات الاستقصائية تضج بحيوية هادئة ونظام دقيق؛ حيث يعكف المطورون والباحثون الشباب على اختبار الثغرات وتطوير خوارزميات التشفير الأخلاقي، مستندين إلى الإرشادات الميدانية التي صاغها زين والتأطير الصحفي والإسناد الحقوقي الذي قادته ميار.جلس زين في مكتبه المطل على الخليج، يراجع التقارير الفنية الدورية الصادرة عن وحدات الأمان الخارجية. ورغم الصمت والسكينة اللذين يحيطان بالمكان، كانت عيناه الرماديتان تتفحصان السطور البرمجية بحس متيقظ لا يغفل؛ فقد علّمته التجارب القاسية في ممرات البنك المركزي وقبو المنارة الشمالية أن الحفاظ على النور واستدامة العدالة يتطلبان يقظة مستمرة لا تقل أهمية عن معركة استرداد الحقوق ذاتها.انفتح باب المكتب بهدوء، ودخلت ميار تحمل في يدها ملفاً ورودياً مغلفاً بعناية، وإلى جانبه نسخة أولى مطبوعة من كتابها الاستقصائي الجديد الذي يعث

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   أفق ممتد

    مرت سنتان كاملتان على إغلاق ملف "الأطياف" نهائياً وإحالة بقايا مجالس الظل إلى محاكمات علنية غيرت شكل الخريطة القضائية في البلاد. في الضاحية الهادئة المحاذية للهضاب الخضراء عند أطراف العاصمة، كان مقر "مركز الفجر للحلول والأمن الرقمي الأخلاقي" يقبع في مبنى حديث ذي واجهات زجاجية واسعة تطل على خليج البحر الممتد، مستقبلاً أنوار الصباح الباكر بكثير من الحياة والنشاط.داخل المكتب الرئيسي في الطابق الثاني، كان زين يجلس أمام منصة عمل متطورة تضم ثلاث شاشات عرض عريضة، يتابع بتركيز ورزانة سير بروتوكولات التشفير الوقائية التي طوّرها لفائدة المنصات الصحفية المستقلة وجمعيات حماية حقوق البيانات. كانت ملامحه تنبض بنوع من القوة الصافية؛ فقد غادرت عينيه الرماديتين تلك النظرة الحذرة والمتوجسة، واستبدلت بها نظرة قائد واثق يدرك قيمة رسالته ونبل الغاية التي ناضل لأجلها.انفتح الباب الزجاجي للمكتب ببطء، ودخلت ميار وهي تحمل ملفات رقمية حديثة وتقرير استقصائي مطبوعاً بصورة أنيقة. كانت ترتدي بدلة رسمية بيضاء تعكس نضجها وتألقها كمديرة لقسم الأبحاث والتحقيقات في المركز، بينما أصبحت مقالاتها وحواراتها المتلفزة مرجع

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   ميثاق البحر

    انساب ضوء الصباح الدافئ فوق سطح المياه الشمالية الساكنة، ليحول رذاذ البحر المتطاير حول الجرف الصخري إلى شلالات مصغرة من الألوان المتألقة. كانت الأنفاس الشديدة والأنين المكتوم لنظام التهوية الاحتضاري داخل البرج قد تلاشت كلياً، ولم يعد يسمع في الأرجاء سوى صرير الأبواب الحديدية التي هزتها رياح الفجر الخفيفة، وصوت تكسر الأمواج المتناغمة مع الهدوء البكر الذي غمر المكان.وقف كمال العلي عند حافة الصخور المرتفعة، يستند بكلتا يديه على عصاه الخشبية، وعيناه النافذتان تتأملان الأفق البعيد حيث تلتقي المياه الأزرية بالسماء الصفاء. كانت تلك اللحظة الأولى منذ سنوات طويلة التي يخرج فيها إلى الضوء الخارجي دون أن يحمل على كاهله ثقل المراقبة الرادارية، أو خشية تسرب الإشارات التي قد تتيح لرجال "طاهر السويفي" تحديد موقعه وتصفيته.وعلى بعد أمتار قليلة، كانت ميار تقف بجوار زين، وقد أزاحت شعرها عن وجهها المجهد لتدع نسمات الهواء الباردة تجفف آثار الدموع التي انهمرت خلال اللحظات الحاسمة داخل المختبر. التفتت ميار إلى زين، ورأت في ملامحه الشاحبة نوعاً من السكينة التامة لم تعهده منذ التقيا في المقهى الماطر؛ لقد زا

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   شفرة المنارة

    تلبد الهواء داخل القاعة الدائرية للمختبر السري المحصن بنوع من الركود المشحون بالقلق والمسؤولية الكبرى، حيث اندمج نفيث مضخات التبريد المائية المنسابة داخل هيكل السيرفر المركزي مع الصوت الخفيض والأحشائي للأمواج البحرية الشمالية التي تتكسر بعنف قسري على السور الصخري الخارجي للبرج. كانت الأضواء الغائرة في السقف البيطوني تعكس شحوباً ناصعاً على وجوه الثلاثة، مجسدة تداخل الماضي القاسي مع الحاضر الحاسم الذي لا يحتمل أي هامش للخطأ أو التردد.وقف كمال العلي أمام اللوحة الرقمية التفاعلية الملحقة بالسيرفر المائي، ونزع نظارته ذات الإطار النحاسي ليمسحها بطرف معطفه الصوفي ببطء، في محاولة لاسترجاع رباطة جأشه بعد الصدمة العاطفية التي أحدثها لقاؤه بابنته ومساعده القديم. كانت أصابعه المرتجفة تكشف عن ثقل الاعوام الخمسة التي قضاها معزولاً في هذا البرج الموحش، يتغذى على الأمل الباهت ويراقب تحركات "مجلس الأطياف" عبر خطوط تتبع معقدة لا يعلم عنها أحد.على الجانب الآخر، كان زين يلتف حول الطاولة الفولاذية المجاورة للوحة التحكم، وعيناه الرماديتين تتابعان الخطوط البرمجية المتسارعة التي تتدفق باللون الأخضر والأحمر

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   حقيقة المخرج

    وقفت ميار متصنمة في منتصف القاعة الدائرية للمختبر السري، تتجاذبها أمواج متلاطمة من المتناقضات الحادة والتحولات النفسية العاصفة؛ بين الفرح الجارف والذهول المطلق لرؤية والدها حياً يرزق أمام عينيها، وبين مرارة الخديعة القاسية والشعور بالتضليل الذي عاشت تحته طوال ثلاث سنوات عافتها فيها راحة البال. كانت أنفاسها تتصاعد وتتردد بشكل متسارع في هواء القبو الجاف والمكيف، بينما ساد سكون مريب وخانق في أرجاء المكان، لا يقطعه إلا النفيث المنتظم والرتيب لأجهزة التبريد المائية الملحقة بالخوادم المضيئة، وصوت الهزيم الهادئ لموجات البحر الشمالي العاتية التي تواصل اصطدامها الشديد بالصخور السوداء للبرج الخارجي.أما زين، فقد خفض مسدسه الفولاذي ببطء شديد وبحذر متأمل، وعيناه الرماديتان الحادتان تتفرسان بتركيز عميق في ملامح أستاذه ومدربه القديم. كان يرى أمامه الرجل العبقري الذي علمه قواعد البرمجة الأولى ورموز التشفير المعقدة في بداية مسيرته، لكنه رأى أيضاً المهندس الذي ترك ابنته الوحيدة تقتحم الخطوط الأمامية، وتواجه فوهات الأسلحة الأوتوماتيكية، وتنزف الدماء الزكية في الممرات الخرسانية المظلمة للبنك المركزي دون

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status