LOGINعالقةً بين شبكة من الأكاذيب والخداع، وجدت “كيارا” نفسها تشكّ في واقعها وفي كل ما يحيط بها. الرجل الذي أحبته لم يتخلَّ عنها وعن طفلها فحسب، بل اكتشفت أيضًا أن له عائلة أخرى ـ عائلة أكثر كمالًا منها. لسنوات طويلة، كان الرجل الوحيد الذي يسكن قلبها. وبعد زواجهما، حوّلت نفسها حرفيًا إلى خادمة له، فجعلت من سعادته ورضاه غايتها الوحيدة. ومع ذلك، قوبل وفاؤها وحبها بالخيانة، وانكسار القلب، والرفض. وإذ أدركت أنها بذّرت حبها على من لا يستحق، غيّرت “كيارا” مسارها. لم تعد تلك الوريثة الضعيفة المستسلمة التي يأمرها الجميع وينهاها. فهي ملكة إمبراطورية العاصفة، وقد كُتب أن “كيليان ريد” سيركع يومًا عند قدميها.
View More«كيارا، سأعود... أعدك.»
أحقًا سيعود؟
ألم تصبح أحلامها جامحة أكثر مما ينبغي في الآونة الأخيرة؟
لم يكن كيليان يودّعها قط كلما رحل.
قد تمتد رحلاته التجارية أيامًا أو أسابيع أو حتى أشهرًا، لكنه لم يكن يقول لها وداعًا أبدًا.
لطالما عرفت كيارا بسفرياته من مساعده فحسب.
أما كان هذا الحلم سخرية من واقعها؟
ألم يكن كيليان مفرطًا في الحنان في هذا الحلم؟
أكان هذا نذيرًا بأيام أفضل قادمة؟
«ماما...»
انتشلها صوت طفلة صغير رويدًا رويدًا من نومها، معيدًا إياها إلى الواقع... إلى جناح المستشفى.
رفّت جفنا كيارا وهي تفرك عينيها لتزيل عنهما بقايا النوم.
وحين فتحت عينيها لترى ابنتها مستلقية على السرير، حاولت أن تتكلّف ابتسامة تبدو بها طبيعية.
ليت قلبها كان قويًا بما يكفي لئلا ينكسر في كل مرة ترى فيها صغيرتها بهذا الضعف والشحوب.
«مرحبًا يا صغيرتي...» مدّت يدها لتُمرّرها على شعرها الأسود الفاحم، الذي يشبه شعر كيليان أيّما شبه.
وبحاجبيها الكثّين وشفتيها الرقيقتين، كانت ليلي تبدو نسخة طبق الأصل من والدها، لولا أنها ورثت عن كيارا وجهها البيضاوي وعينيها الواسعتين.
«متى سيأتي بابا يا ماما؟» تمتمت وهي تُطبق شفتيها. «اشتقت إلى بابا.»
واشتاقت كيارا إليه أيضًا.
والغريب أن كيليان لم يكن يرد على اتصالاتها.
فمنذ أن انتكست حالة ليلي الصحية وأُدخلت المستشفى قبل ثلاثة أيام، لم تمرّ ساعة واحدة دون أن تحاول الاتصال به.
كان الهاتف يرن حتى ينقطع الاتصال من تلقاء نفسه، لكنه لم يعاود الاتصال بها قط.
«يا صغيرتي، أتذكرين أنني أخبرتك أن بابا يحتاج إلى العمل بجدّ؟» آلمتها شفتاها من فرط التكلّف في الابتسام.
لكنها لم تكن لتنهار الآن، لا في حضرة ابنتهما.
وآخر ما تريده أن تشعر صغيرتها بأن هناك خطبًا ما، إذ فضّلت أن تظل تحسبهم أسرة مثالية.
«بابا مشغول الآن، ولا يستطيع العودة إلى البيت في الوقت الراهن.»
«هذا ما تقولينه دائمًا يا ماما.» تنهدت ليلي، وقد علا وجهها الكآبة.
خبا البريق في عينيها منذ زمن، وكلما مرّت الأيام خفت أكثر. «لا يحتاج بابا إلى كسب المزيد من المال، أريد فقط أن أحتضنه.»
اغرورقت عيناها بالدموع.
لم تحتمل كيارا ذلك.
خشيت أنها لو بقيت دقيقة أخرى هنا، فستنهار من رؤية ابنتها على هذه الحال.
أحيانًا كانت تكره نفسها، وأحيانًا أخرى تكرهه هو.
لكن كيليان كان غارقًا في انشغاله منذ وفاة والده قبل عام، حين اضطر إلى تولّي رئاسة إمبراطورية «آر كيه» التجارية.
وقد أفهمها منذ البداية أنه لن يملك وقتًا لهما.
ولم يكن بوسعها أن تكون أكثر تفهّمًا مما هي عليه.
«لا بأس يا ماما...» وكابتسامة أمها تمامًا، كانت ابتسامة ليلي مكسورة وواهنة. «أعرف أن بابا يحبني، وحين يعود سأخبره أنني أحبه أيضًا.»
ضحكت كيارا ضحكة خافتة.
على من كانت تخدع نفسها؟
كانت ليلي في الثالثة من عمرها فحسب، لكن بذكاء يفوق أقرانها بكثير.
لم تكن سوى تخدع نفسها حين ظنت أن صغيرتها لا تدرك ما يجري.
فابتسامتها الحزينة كشفت كل شيء.
وإذ عجزت كيارا عن كبح دموعها، انحنت لتقبّل جبينها، فهمست صغيرتها: «أحبك أيضًا يا ماما، أحبك أنت وبابا.»
«همم...» اختنق صوت كيارا بالكلمات. «كلانا يحبك يا صغيرتي.»
لكنها لم تستطع البقاء جالسة هناك.
وخشية أن تنهار عاطفيًا من جديد، غادرت الجناح بحثًا عن أقرب دورة مياه.
كان بإمكانها استخدام الحمّام داخل الجناح، لكن عندئذ ستسمع صغيرتها بكاءها، وهو ما سيزيد قلبها الضعيف انكسارًا.
«سيدة ريد، هل أنت بخير؟» اصطدمت في طريقها بالممرضة، وكادت ترتطم بعربة الأدوية.
استقامت كيارا في وقفتها، محاولة استعادة رباطة جأشها. «أ-أنا بخير.»
«أوشك أن أستبدل محلول ليلي الوريدي...»
«تفضّلي من فضلك، سأعود على الفور.» قاطعت الممرضة مسرعة في الاتجاه المعاكس.
لم تكن بحاجة إلى الابتعاد كثيرًا، فلم يكن مفترضًا بها أن تبكي.
فابنتها بحاجة إليها بجانبها،
لكن،
ليت كيليان يجيب على اتصالاتها.
ليته يجد دقيقة واحدة ليكلّم ابنته على الأقل عبر الهاتف.
فبالنسبة إلى طفلة في الثالثة، كانت تمرّ بالكثير. ومن المفارقة أن الصغيرة كانت تفضّل دائمًا رفقة والدها.
واستندت كيارا إلى الجدار في الممر المؤدي إلى دورة المياه، وأعادت الاتصال برقمه.
رنّ الهاتف كالعادة، لكنه لم يجب.
حاولت ثلاث مرات أخرى، لكن كيليان لم يرد على الهاتف.
فمن غيره تستطيع أن تتصل به؟
حتى خط مساعده كان مغلقًا.
وبدأ إحساس بالتوجّس يتسلل إلى قلبها ببطء.
ماذا لو أصابه مكروه؟ أهذا سبب عدم إجابته؟
لكن كان عليها أن تتحلى بالتفاؤل.
فلو حدث أي خطأ في رحلته، لكانت وسائل الإعلام قد أذاعته الآن.
نحّت كيارا تلك الأفكار المرعبة جانبًا، واستجمعت قواها، ومضت في طريقها.
ولم تكن قد خطت أكثر من ثلاث خطوات حتى وقعت عيناها بطرف نظرها على ملامح شخص مألوف.
أكان هذا كيليان؟
فالقامة الطويلة التي خرجت للتو من المصعد كانت زوجها بلا شك.
لم تستطع رؤية وجهه بوضوح لأن ظهره كان إليها، لكن تلك الهيبة المسيطرة كانت تنادي بحضوره.
بدا في عجلة من أمره.
أجاء من أجلهما، من أجل ليلي؟ أسمع بمرضها؟
لكن الأمر غريب.
فقد كان كيليان يسير في الاتجاه المعاكس، وخطاه سريعة متعجّلة.
نادته كيارا باسمه، لكنه لم يسمعها فيما يبدو.
كان جناح ابنتهما في ممر آخر، أفأُعطي رقم غرفة خاطئًا؟
وقد نبض قلبها من جديد بالأمل في أن تبتسم ليلي قريبًا، أسرعت كيارا خلفه.
وحين لحقت به أخيرًا، كانت أنفاسها قد تقطّعت من شدة الإسراع.
كم كان سريعًا! أكان قلقًا على ابنتهما إلى هذا الحد؟
«كيليان...»
«كيليان.»
توقفت عن الكلام لأن صوتًا آخر نادى باسمه في اللحظة ذاتها.
خرجت شابة من الجناح الذي توقف عنده، وركضت مباشرة إلى ذراعيه. «ما الذي أخّرك كل هذا الوقت؟»
«لماذا أحضرته إلى هنا؟» بدت نبرة انزعاج في صوته العميق. «قلت لك ألا تحضريه إلى هنا.»
«لم يكن أمامي خيار يا كيليان، أرجوك لا تلمني!» أجهشت المرأة بالبكاء. «هذا أفضل مستشفى للأطفال في البلاد. أتريدنا أن نفقده؟»
حدقت كيارا في السيدة في حيرة للحظة. هل أرسلتها مايا ربما لجلبها؟قبل أن تتمكن كيارا من السؤال، كانت السيدة قد بدأت بالفعل في اصطحابها عبر ممر طويل، ويبدو أنها كانت في عجلة من أمرها.ثم توقفوا أمام مكتب زجاجي أنيق. وكانت اللافتة الموجودة على الباب مكتوب عليها: "مدير الرعاية"."سيدتي، من فضلك." كان هناك إلحاح في نبرة السيدة وهي تفتح الباب، مشيرة إلى كيارا للدخول.دخلت كيارا إلى المكتب، وهي لا تزال مرتبكة.جلس رجل طويل القامة خلف المكتب، والأوراق مبعثرة أمامه. لم يرفع رأسه عندما دخلت، وكان اسم ماركوس هيل مكتوباً على بطاقة التعريف الموجودة على مكتبه.توقفت كيارا للحظة.ألم يكن من المفترض أن تُؤخذ إلى صديقتها المقربة بدلاً من ذلك؟ هل ارتكبت السيدة خطأً؟قال الرجل بصوت مقتضب: "أخيراً، لقد تأخرت. فلننتقل إلى صلب الموضوع."ازداد ارتباك كيارا. هل كان هذا فخًا من مايا؟ كانت صديقتها المقربة تتكتم على الأمر بشكل غريب، وتصر على حضورها إلى الوكالة. هل يمكن أن تكون هذه هي المفاجأة التي لمحت إليها؟حسناً، لم تستطع كيارا أن تتخلى عن هذه الفرصة النادرة. أخفت توترها، ومررت يديها على تنورتها، ورسمت ابتس
عادت كيارا إلى مبنى الشقق، وقلبها مثقل بالغضب والحزن واليأس.كيف ستستعيد مجوهراتها؟لا بد من وجود طريقة.بإمكانها إبلاغ السلطات بالأمر. لكن هل سيساعدونها في استعادة مجوهراتها دون وجود أدلة؟ماذا لو أنكر والدها أخذها، وأنكرت صوفيا حيازة الشيء؟ صوفيا لديها شخص ذو نفوذ مثل كيليان يدعمها، فهل ستستمع السلطات إليها لو أبلغت عن الأمر؟تنهدت كيارا.كانت تلك المجوهرات تذكاراً من والدتها. إرث عائلي بكل معنى الكلمة.لم يكن والدها يحترم والدتها قيد أنملة. هل أحبها يوماً كما كان يدّعي دائماً؟ في الماضي، كان الرجل يقول لها إنه يفتقد والدتها كل يوم.اتضح أن والدها لم يكن قاسي القلب وعديم الرحمة فحسب، بل كان أيضاً كاذباً بلا خجل.توقف المصعد.أبعدت كيارا الحزن عنها، مدركةً أن التفكير في أفعال والدها مضيعة للوقت. خرجت من المصعد، ورفعت رأسها فجأةً عندما كادت تصطدم بشخص ما. "همم، متى أتيت؟"رمشت وهي تنظر إلى الرجل.أجاب غريغ: "منذ فترة. من كان يظن أنني سأكون محظوظاً برؤيتك قبل أن أغادر؟ لقد جئت لتوصيل البقالة."هاه؟مايا لم ترسل أخيها لشراء البقالة، أليس كذلك؟على الرغم من أن غريغ كان يدللها، إلا أن كي
أمسك الرجل بخصلة من شعرها وجذبها. احمرّت عينا كيارا وشعرت بألم حادّ في فروة رأسها. أمسكت بمعصميه، وهي تحاول جاهدةً أن تجعله يتركها.لكن الرجل دفعها بقوة. فقدت كيارا توازنها وسقطت على الدرج، وهبطت بجانب زوجة أبيها.كانت ذراعاها تؤلمانها وشعرت أن خصرها سينكسر.أغمضت كيارا عينيها، متحملة الألم. لم تكن تتوقع أقل من ذلك من الرجل القاسي عديم الرحمة. في الواقع، كان بإمكان والدها أن يفعل بها ما هو أسوأ. رفعت رأسها، وهي تكتم دموعها التي كادت تنهمر من شدة الألم. "قولي لسارة أن تعيد لي مجوهراتي، ولن أعود إلى هنا أبدًا!"نزل والدها الدرج مسرعاً، ويداه المقبضتان ترتجفان كما لو كان يكافح رغبته في ضربها.ساعد سارة على النهوض من الأرض، ثم التفت إليها وقال: "المجوهرات ليست مع سارة. أنا من أخذها."عبست كيارا."سأعتبر ذلك تعويضاً من والدتك لإنجابها ابنة عديمة القيمة كهذه!" صرخ وهو يشير إليها.هزت كيارا رأسها.لا، لم تستطع أن تصدق أنها ستفقد المجوهرات.إذا كان والدها هو من أخذها، فلا بد أنه رهنها وأهدر المال بالفعل. كلا!نهضت على قدميها، وكانت مشاعرها مزيجاً من الغضب والخوف.كانت غاضبة للغاية لأن الرج
تجاهلت كيارا كلماتهم وكأنها مجرد كلام، وواصلت سيرها متجهة أولاً إلى مسكن جدها.كان المكان هادئاً بشكل غريب، ولم يكن هناك أي خادم في تلك المنطقة.ازداد ارتباك كيارا عندما وجدت حتى غرفة المعيشة صامتة. ماذا حدث؟ ألم يغادر الخدم هنا؟صدر صوتان من منطقة غرفة الطعام، أحدهما صوت جدها والآخر صوت كبير الخدم.توقفت كيارا للحظة، بعد أن سمعت حديثهما."ما هو التقدم المحرز؟ هل حصلت على أي مستثمرين حتى الآن؟" صوت جدها.أجاب كبير الخدم: "لم يصلنا أي عرض حتى الآن يا سيدي. لكن الآنسة الشابة لا تستسلم. يبدو أنها صاغت عرضًا جديدًا وتجاهلت العرض القديم. ورغم أن العرض الجديد ينطوي على مخاطر، إلا أن تصميم الآنسة الشابة على إحياء الإمبراطورية واضح للعيان."دوى صوت تنهيدة جدها الثقيلة، ثم سُمع صوت سقوط أداة على طبق. "لقد أخطأت في حقها. كان عليّ ألا أحمّلها كل هذه المسؤولية.""لم يكن أمامك خيار يا سيدي. أرجوك لا تلوم نفسك،" ذكّره كبير الخدم. "لو كان هناك وريث ذكر في هذه العائلة، لكان الوضع مختلفًا. لا تقلق، لقد أرسلتُ الرسالة بالفعل إلى أصدقائك. ونظرًا لما قدمته لهم من خدمات على مرّ السنين، فسوف يتدخلون لمساعد