LOGINفي الصباح، لم يكن هناك أملٌ يشبه الضوء. كان الضوء نفسه بارداً، يزحف عبر ثقبٍ صغير في السقف، فبدا كخيطٍ مقطوع. نهضتُ بصعوبة، وثوبي الرمادي يلتصق بظهري حيث جفّ الدم، لكنني لم أنظر إلى الجرح. كان هناك شيءٌ واحدٌ أريده في ذلك الصباح: ألا أنكسر.
وجدت كايل واقفاً عند الباب، ممتلئاً بالصمت كعادته. قال: "اتبعيني". ولم يسأل إن كنتُ أستطيع المشي.
مشيتُ خلفه عبر الممرات، وكانت كل خطوةٍ توقظ ألماً جديداً. كأن ظهري كان طفلاً يبكي، وكأن كل خطوةٍ تهزّه. لكنني تعلمتُ منذ زمنٍ بعيد أن الألم لا يختفي؛ بل يتعلم أن يسير خلفك كظلٍ مطيع. كان الطلاب يمرون بنا، ويتفرقون أمامه كالماء، وبعضهم نظر إليّ بنوعٍ من الفضول الذي يشبه الشفقة، لكنه لم يكن شفقةً حقيقية.
وصلنا إلى ساحةٍ داخلية واسعة، حجارتها رمادية مبللة. في منتصف الساحة كان حشدٌ متجمع، وفي قلبه دائرةٌ تتسع كجرح. اقتربتُ، فرأيتُ ما لم أكن أريد رؤيته: فتاةً صغيرة، في الرابعة عشرة من عمرها تقريباً، لا يتجاوز مئزرها الغبار، واقفةً أمام ألفا شابٍ بعينين بلون الرمال. كانت الصينية قد سقطت، والمرق يتسرب إلى شقوق الأرض، والفتاة ترتجف حتى صار ارتجافها واضحاً كأنه مطر.
سمعتُ الفتى يقول: "العقيها". لم أفهم في البداية. ثم رأيتُ حذاءه الجلدي وقد لطّخه المرق البني. "قلتُ العقيها. الآن."
نظرتُ إلى الأرض. عقدةٌ صغيرةٌ في الحجر، تشبه العقدة التي كنتُ أحدق فيها عند المزاد. كان العالم يحاول أن يقول لي: لا تنظري. لكنني رأيتُ وجهها، صغيراً، ذابلاً، يشبه وجهاً عرفته منذ زمن. كان يشبه وجهي قبل أن أتعلم ألا أبكي.
كنتُ أعدّ في رأسي: واحدة، اثنتان، ثلاث... لكن الأرقام كانت تتشقق. لم أكن أريد أن أتكلم. كنتُ أعرف القاعدة الأولى. لكن فمي كان قد فُتح قبل أن يسمح لي عقلي بذلك، وخرج الصوت:
"دعها. سأنظفها أنا."
توقف كل شيء. لا أستطيع أن أصفه إلا هكذا: توقف كل شيء، كما تتوقف ساعةٌ حائطية فجأة في منتصف الليل. رأيتُ عينيها تتسعان، ورأيتُ الحشد يتجمد، ثم سمعتُ صوته من خلفي يقطع الصمت كحجرٍ يُرمى في ماءٍ راكد:
"ماذا قلتِ؟"
التفتُ. كان يقف بعيداً عني قليلاً، وذراعاه متقاطعتان. كان ينظر إليّ لا كغاضب، بل كطبيبٍ يفحص جرحاً غريباً. قلتُ: "قلتُ إني سأنظفها."
"هل طلبتُ منكِ الكلام؟"
لم أجب. عرفتُ أن هذا اعترافٌ صامت. سار نحوي ببطء، وكان كل صوت خطوةٍ يصمّ أذني أكثر من الجلدات التي تنتظرني.
"لقد حفظتِ القواعد جيداً، أليس كذلك؟" قال. "لكنكِ اخترتِ كسر الأولى. فسأعلّمكِ اليوم كم تساوي."
أمرهم أن يربطوني إلى العمود. لم أُبدِ مقاومةً. شعرتُ بالأيدي تقبض على ذراعيّ، شعرتُ بالحبل الخشن يلتف حول معصميّ فوق رأسي، فصار ظهري مكشوفاً للساحة. ثم سمعتُ أحدهم يسأل: "أين السوط؟" وسمعتُ صوتاً آخر يهمس: "إن عادت إلى المزاد، فلن يشتريها أحد." كانت الأصوات تختلط، لكنني كنتُ أعرف أن الألم قادم، فحاولتُ أن أجعل من نفسي مكاناً فارغاً، بيتاً خالياً.
الضربة الأولى جاءت ككذبة. شعرتُ بها قبل أن أصدقها: صوت انفجارٍ صغير، ثم ألمٌ يتدفق في ظهري كأنه سائلٌ ساخن. شهقتُ، وعضضتُ على شفتيّ حتى طعمتُ الدم.
سمعتُ الحشد يهتف. لم يكن هتافاً واضحاً، بل ضجيجاً جائعاً. واحدة... اثنتان... الضربة الثانية قطعت الجلد نفسه فوق الخط الأول، فصار الألم مزدوجاً. كنتُ أريد أن أصرخ، لكنني كنتُ أعرف أن هناك مئة عينٍ تراقب فمي. لم أصرخ. عدتُ: ثلاثة، أربع.
كانت الدنيا تتراقص أمام عينيّ. الحجر، السماء، الوجوه المفتوحة. خمس، ست. شعرتُ بسائلٍ دافئٍ يجري على خاصرتي. سبع، ثمان. عند الثامنة، ارتجفت ركبتاي، لكن الحبل أبقاني معلقةً، وجبهتي لامست الحجر البارد. أنفاسي كانت قصيرة، وسريعة، كأنها تحاول أن تسبق الألم. تسع، عشرة.
توقف السوط. صمتٌ مفاجئ كأن الساحة عضّت لسانها. بقيتُ معلقةً، وأنا أسمع دمي يقطر على الحجر. لم أكن أعرف كم من الوقت مرّ. ثم سمعتُ صوت خطواتٍ تقترب، فوقفتُ أمامي قدما كايل. لم أرفع رأسي، لكنني شعرتُ بظله يطبق عليّ كالليل.
قال: "افكّوها."
سقطتُ على ركبتيّ. شعرتُ بيدي ترتجفان وهي تمسك طرف الثوب الممزق، تحاول أن تغطي ما أُريد له أن يُرى. قال: "انهضي." حاولتُ، فسقطتُ. حاولتُ مرةً أخرى، فتأرجح جسدي كشيءٍ مكسور. ثم قال، بصوتٍ أخفض: "انهضي." فهمتُ أنه لن يتركني على الأرض. علقتُ بيدي على العمود، وسحبتُ نفسي، ووقفتُ أمامه، منتصبةً تقريباً.
"لماذا تكلمتِ؟" سأل.
"لأنها صغيرة."
"أنتِ أيضاً صغيرة."
"لستُ طفلة."
لم يردّ. وقف أمامي طويلاً، وكان الهواء بيننا ثقيلاً. ثم أدار ظهره وقال، دون أن يلتفت: "خذوها إلى الجناح الطبي. لا أريدها أن تموت. عندي خططٌ لها."
حملني رجلان. في الطريق، دخلتُ غرفةً صغيرة، رائحة الأعشاب، كلامٌ هامس. وضعوني على بطني، وكانت يدا امرأةٍ عجوز تعملان على ظهري: ماءٌ بارد، مرهمٌ لاذع، قطعة قماش. كان الألم يتوهج، ثم يتقلص، ثم يتوهج من جديد. كنتُ أضحك في داخلي بلا صوت. "الجميع يملك دموعاً"، قال أمس. لكنه لم يرَ هذه الدموع، لأنها لم تكن على وجهي. كانت تنزف من ظهري، صامتة.
في الليل، تركوني وحدي. سريرٌ حجري، ضوءٌ خافت، وجسمي كله نار. كنتُ أُغمض عينيّ، ثم أفتحهما على السقف نفسه. ثم سمعتُ صوتاً من خارج الباب، منخفضاً: "...أصرّت على حمايتها..."، ثم كلماتٍ أخرى لم أتمكن من سماعها. إنه هو. كان يقف هناك، يتكلم مع شخصٍ ما. تسمرتُ في مكاني، وأنا أتنفس ببطء كي لا يفوتني شيء. ثم سمعتُ: "...رأيتُ الدم." وتوقف صوتُه. لم أسمع الباقي.
فتحت عينيّ في الظلام. القلادة تحت قميصي كانت دافئة، تطنّ كأنها قلب. وضعتُ راحتي عليها، وشعرتُ بشيءٍ يشبه النبض يمر بيننا. أردتُ أن أنام، لكنني كنتُ خائفةً من الأحلام. في الليلة السابقة حلمتُ بذئبٍ أحمر. لم أكن أعرف ما يعنيه ذلك، لكنه شعر بأنه حقيقي أكثر من هذا الجناح الطبي.
في الصباح، جاءت الفتاة الصغيرة. وقفت عند الباب، تعصر طرف مئزرها، وعيناها حمراوان. قالت: "شكراً لكِ." نظرتُ إليها. كان وجهها ما يزال ذابلاً، لكن فيه شيئاً لم يكن أمس: لمحةُ عنادٍ، أو شيءٌ يشبهه.
"لماذا فعلتِ ذلك؟" سألت.
فتحتُ فمي لأعطيها جواباً جاهزاً. كنتُ سأقول: "لا أعرف." لكن ما خرج كان أصدق مما أردتُ: "لأن أحداً لم يفعل ذلك معي."
سكتت. نظرت إليّ طويلاً، ثم نظرت إلى الأرض. ثم قالت، بصوتٍ صغير: "سأكون مثلكِ. يوماً ما، سأكون قويةً مثلكِ." لم أضحك. لم أقل لها إن القوة ليست شيئاً تتمنينه، بل شيءٌ يحدث لكِ عندما لا يبقى لديك خيارٌ آخر. قلت فقط: "ابعدي عن الألفا، ولا تلعبي دور البطلة."
خرجت، وتركتني وحدي. لكنني شعرتُ بشيءٍ يتحرك في داخلي، ليس غضباً ولا حزناً؛ شيءٌ يشبه الأمل، لكنه أصغر وأكثر خوفاً.
في ذلك اليوم، وقفتُ في زاوية الفناء، أراقب الطلاب يتدربون. كان ظهري يشتعل، لكنني تعلمتُ أن أجعل الألم جزءاً مني، كملابسٍ أرتديها. وكانت لينا تراقبني من بعيد، ولم تبتعد. وفي الظل، خلف عمودٍ حجري، رأيتُ للحظةٍ عينين رماديتين تراقبانني. لكنهما اختفتا حين دارت عيناي.
لم أكن أعرف إن كان يراقبني ليؤذيني، أو ليتأكد أنني لم أمت. لكنني عرفت شيئاً واحداً في تلك اللحظة: أن العملة النحاسية التي دفعها ثمناً لي كانت أرخص مني. وأنه لا يزال لا يعرف — أو لا يريد أن يعرف — من هي التي بين يديه.
مرت الأيام كقطط خائفة: تنسلّ، تختفي، ولا تترك أثراً. كنتُ أحصيها واحدةً تلو الأخرى من خلف نافذة غرفتي الصغيرة، حيث الضوء يأتي متأخراً ويغادر مبكراً. لم أكن أخرج إلا عندما يُطلب مني، ولم يكن أحد يطلب مني شيئاً. كايل لم يرسل إليّ طعاماً بنفسه؛ كان يرسل خادماً صامتاً يضع الصينية عند الباب ويختفي. ولم أكن أعرف إن كان ذلك عقاباً أم حمايةً أم مجرد نسيان.في جيبي، بقيت البتلة الفضية التي قطفتها تلك الليلة. كانت قد ذبلت، لكنها كانت تحتفظ بلونها، كأنها ترفض أن تموت تماماً. كنتُ أخرجها في الليل، وأحدق فيها تحت ضوء القمر، وأتساءل: ما الذي يجعل دمي فضيًّا؟ ما الذي جعل الزهور تفتح عند لمسي؟ لم أكن أعرف الإجابة. لكنني كنتُ أعرف أن كايل كان يبحث عنها أيضاً؛ رأيتُ الكتب تُكوم في مكتبه، رأيتُه يقرأ حتى وقت متأخر، والضوء تحت بابه كان يتوهج كأنه جرحٌ مفتوح.في اليوم السابع، فُتح الباب دون طرق. وقف كايل في المدخل، مرتديًا معطفاً أسود طويلاً، وعيناه تنظران إليّ كعادتهما: بلا شفقة، بلا قسوة، فقط مراقبة. قال: "ارتدي معطفكِ الثقيل. سترافقينني اليوم."لم أسأل إلى أين. لا فائدة من الأسئلة معه؛ كان يجيب فقط بما
بعد حادثة الحظيرة، تغير شيءٌ في الطريقة التي ينظر بها الطلاب إليّ. لم يعودوا يتجاهلونني كقطعة أثاث. صاروا ينظرون إليّ بنوعٍ من الفضول، كأنني شيءٌ غريب أُحضر إلى معرض، يُشار إليه بالأصابع لكن لا أحد يلمسه. ربما كانت القصة قد انتشرت: أنني أكلتُ من بقايا الطعام ولم أبكِ. ربما كان ذلك غريباً بما يكفي ليجعلني شيئاً يُذكر، حتى لو كان الذكر ازدراءً.لكن كايل لم يتغير. كان لا يزال يأمرني بأشياء صغيرة كل يوم: أحضر له الماء، نظف حذاءه، رتّب مكتبه. لم يكن هناك عنفٌ جسدي هذه المرة، بل شيءٌ أقسى: الاعتياد. أن أعتاد أن أكون ظلاً يتحرك بأمره.في اليوم الخامس بعد خروجي من الجناح الطبي، أرسلني إلى الحديقة الخلفية لأقطف بعض الأعشاب. قال إنه يحتاجها لخلطةٍ طبية، لكنني شعرتُ أن السبب الحقيقي هو أنه أراد أن يراني أتسخ يديّ بالتراب. لم أقل شيئاً؛ ذهبتُ.وكانت الحديقة شاسعة، مسوّرة بأشجار طويلة تجعلها تبدو بمنأى عن العالم. كان الهواء فيها مختلفاً، يحمل رائحة النعناع والزعتر والندى، كأنها قطعة من عالم آخر. مشيتُ بين الصفوف، وأنا أقطف ما طلبه، وأشعر بيدي ترتعشان قليلاً من البرد. ثم وجدتُ شيئاً غير متوقع: زهور
خرجتُ من الجناح الطبي بعد ثلاثة أيام، وأنا أظن أن الألم سيبقى هناك خلفي. لكن الألم ليس شيئاً يتركك. إنه يمشي معك، يلتصق بظهرك كظلّ، يوقظك في منتصف الليل ليطمئن أنك ما زلت تتذكره. تعلمتُ أن أتعايش معه كما تتعايش مع صوتٍ مزعج في غرفة مجاورة: تسمعه، لكنك تدفنه تحت أشياء أخرى.كان الصباح بارداً. وقفتُ في زاوية الفناء، أنتظر أمراً لم يأتِ بعد. كايل لم يكن قد خرج من مبناه، لكنني شعرتُ به قبل أن أراه. كان هناك نوعٌ من التواصل الصامت بيننا، لا أفهمه؛ كخيطٍ ممدودٍ بين جسدين، يهتزّ كلما اقترب مني. لم أكن أريد أن أسميه ما هو. كنتُ أعرف أنني إذا أطلقتُ عليه اسماً، فسوف يصبح حقيقياً.ظهر أخيراً عند درج الساحة، ومشى نحوي بخطواتٍ محسوبة. لم يكن يحمل سوطاً هذه المرة، ولا كان يحمل شيئاً ظاهراً. لكنه كان يحمل شيئاً في عينيه، نوعاً من القرار الذي سبق أن اتخذه في مكانٍ لا أستطيع الوصول إليه.قال: "سأريكِ اليوم كم تساوين."لم يسأل إن كنتُ جاهزة. لم يسأل إن كان ظهري قد التئم. مشى أمامي، وأنا تبعته كأن قدميّ تعرفان الطريق من غير عقلي.أدخلني قاعة الطعام الكبرى، تلك القاعة التي رأيتُها من بعيد عند وصولي؛ صفو
في الصباح، لم يكن هناك أملٌ يشبه الضوء. كان الضوء نفسه بارداً، يزحف عبر ثقبٍ صغير في السقف، فبدا كخيطٍ مقطوع. نهضتُ بصعوبة، وثوبي الرمادي يلتصق بظهري حيث جفّ الدم، لكنني لم أنظر إلى الجرح. كان هناك شيءٌ واحدٌ أريده في ذلك الصباح: ألا أنكسر.وجدت كايل واقفاً عند الباب، ممتلئاً بالصمت كعادته. قال: "اتبعيني". ولم يسأل إن كنتُ أستطيع المشي.مشيتُ خلفه عبر الممرات، وكانت كل خطوةٍ توقظ ألماً جديداً. كأن ظهري كان طفلاً يبكي، وكأن كل خطوةٍ تهزّه. لكنني تعلمتُ منذ زمنٍ بعيد أن الألم لا يختفي؛ بل يتعلم أن يسير خلفك كظلٍ مطيع. كان الطلاب يمرون بنا، ويتفرقون أمامه كالماء، وبعضهم نظر إليّ بنوعٍ من الفضول الذي يشبه الشفقة، لكنه لم يكن شفقةً حقيقية.وصلنا إلى ساحةٍ داخلية واسعة، حجارتها رمادية مبللة. في منتصف الساحة كان حشدٌ متجمع، وفي قلبه دائرةٌ تتسع كجرح. اقتربتُ، فرأيتُ ما لم أكن أريد رؤيته: فتاةً صغيرة، في الرابعة عشرة من عمرها تقريباً، لا يتجاوز مئزرها الغبار، واقفةً أمام ألفا شابٍ بعينين بلون الرمال. كانت الصينية قد سقطت، والمرق يتسرب إلى شقوق الأرض، والفتاة ترتجف حتى صار ارتجافها واضحاً كأنه
ظننتُ أن الركض سينقذني. لكن لم يكن هناك مكانٌ أذهب إليه، ولا بابٌ ينتظرني خارجه. ثلاثة حراس أمسكوني قبل أن أبلغ نهاية الممر، بأذرعٍ قاسية لا تشبه أيدي البشر. لم يتكلموا. ساقوني عبر دهاليز متشابهة، طويلاً، حتى توقفت أقدامهم أمام الباب المنحوت عليه ذئبٌ تحت هلال. شعرتُ بقلبي يعود إلى مكانه في صدري، ثقيلاً كحجر، ثم فُتح الباب.كان كايل واقفاً عند النافذة، ظهره إليّ، يمسك كأساً داكنة. لم يلتفت حين دخلتُ، ولم يلتفت حين أُغلق الباب خلفي. النارُ كانت قد كادت تنطفئ، لكنني رأيتُ يديه بوضوح في ضوء اللهب الأخير. كانتا ترتجفان. ارتجافةٌ خفيفةٌ، كأنه يمنع نفسه من شيء، أو كأن شيئاً في داخله يمنعه.ثم قال، بصوتٍ لا يشبه صراخه الذي سمعتُه قبل قليل، هادئاً كالجليد:"القواعد. عشرٌ. سأقولها مرةً واحدة، وسأعطيكِ حتى الصباح لتتعلميها. إن لم تحفظيها، فسوف أعلّمكِ إياها بطريقةٍ أفضل."التفت أخيراً. عيناه الرماديتان لم تكونا غاضبتين. كانتا فارغتين. كأنهما تنظران إلى شيءٍ لا يستحق أي مشاعر. وقف مقابل الضوء، فصار وجهه ظلاً لا يُقرأ."الأولى: لا تتكلمين إلا إذا خاطبتُك. الثانية: لا تنظرين في عينيّ أبداً. ال
كانوا يسمّونني "بلا ذئب". في هذا العالم، لم تكن تلك صفةً عابرة، بل حكماً بالإعدام. واقفةٌ على منصّة المزاد، بين خشبٍ باردٍ يلسع قدميّ الحافيتين وحرابِ مئةِ عينٍ تلتهمني، استوعبتُ للمرة الألف أنني لستُ إنسانةً ولا مستذئبة، بل شيئاً بينهما. شيئاً لا يريد أحدٌ أن يدفع ثمنه.رفع المُنادِي يديّ إلى الأعلى، فانزلق الكمّ القطني فكشف عن ندوبٍ قديمة على ساعديّ. كان حبلٌ خشنٌ يربط معصميّ، والحبلُ مربوطٌ بحلقةٍ حديديةٍ في الأرض. قال بحنجرةٍ مبحوحة: "ليـرا ڤيكس، الثامنة عشرة، بلا ذئب. لا قدرة على التحوّل، لا رائحة ذئب، لا قيمة.""لا قيمة" كلمتان دخلا صدري كسهمٍ مسموم. سمعتهما طوال حياتي بصيغٍ مختلفة، لكن اليوم صارتا تُعلَنان بصوتٍ عالٍ أمام المدرّج الممتلئ، وكأنهما شهادةُ ميلادٍ جديدة. حاولتُ ألا أرتجف. تعلّمتُ منذ زمنٍ طويل أن البكاء يجعلهم يعضّون أشدّ، وأن الصمتَ أفضلُ دروعِ الضعيف.ضحك أحدهم في الصفوف الأمامية: "من يشتري خادمةً لا تستطيع حتى أن تمرّغ فراء أعدائها؟"انفجر الحشد بالضحك. لم أرفع رأسي. ركّزت على عقدةٍ صغيرةٍ في خشب المنصّة، على شكلها الدائري الذي يشبه قمراً مصغّراً. ثم انتبهتُ إلى