LOGINبعد حادثة الحظيرة، تغير شيءٌ في الطريقة التي ينظر بها الطلاب إليّ. لم يعودوا يتجاهلونني كقطعة أثاث. صاروا ينظرون إليّ بنوعٍ من الفضول، كأنني شيءٌ غريب أُحضر إلى معرض، يُشار إليه بالأصابع لكن لا أحد يلمسه. ربما كانت القصة قد انتشرت: أنني أكلتُ من بقايا الطعام ولم أبكِ. ربما كان ذلك غريباً بما يكفي ليجعلني شيئاً يُذكر، حتى لو كان الذكر ازدراءً.
لكن كايل لم يتغير. كان لا يزال يأمرني بأشياء صغيرة كل يوم: أحضر له الماء، نظف حذاءه، رتّب مكتبه. لم يكن هناك عنفٌ جسدي هذه المرة، بل شيءٌ أقسى: الاعتياد. أن أعتاد أن أكون ظلاً يتحرك بأمره.
في اليوم الخامس بعد خروجي من الجناح الطبي، أرسلني إلى الحديقة الخلفية لأقطف بعض الأعشاب. قال إنه يحتاجها لخلطةٍ طبية، لكنني شعرتُ أن السبب الحقيقي هو أنه أراد أن يراني أتسخ يديّ بالتراب. لم أقل شيئاً؛ ذهبتُ.
وكانت الحديقة شاسعة، مسوّرة بأشجار طويلة تجعلها تبدو بمنأى عن العالم. كان الهواء فيها مختلفاً، يحمل رائحة النعناع والزعتر والندى، كأنها قطعة من عالم آخر. مشيتُ بين الصفوف، وأنا أقطف ما طلبه، وأشعر بيدي ترتعشان قليلاً من البرد. ثم وجدتُ شيئاً غير متوقع: زهوراً بيضاء تنمو في زاوية قصية، خلف شجرة تين كبيرة. كانت صغيرة، ببتلاتٍ تكاد تكون شفافة، تنمو في تربة جافة لا يمكن أن تزهر فيها.
لم أستطع أن أرفع عينيّ عنها. كانت تشبه شيئاً رأيته في حلم، أو في صورةٍ لم أتأكد من وجودها. مددتُ يدي لألمسها، لكنّ غصناً يابساً من شجرة التين تدلى فجأة وخدش يدي. كان الخدش خفيفاً، ألمٌ بسيط لا يكاد يُذكر. لكن شيئاً ما حدث بعدها.
نظرتُ إلى يدي. من الخدش الصغير، خرجت نقطة دم. كانت حمراء في البداية، طبيعية، كأي دم. ثم تغيرت. أمام عينيّ، بدأت النقطة تتلألأ، تتحول إلى فضي، يتلألأ كأنها قطعة من نجم سقط على جلدي. تصلبت. وقفتُ أنظر إليها، ولا أفهم.
لم تكن نقطة دم. كانت شيئاً آخر.
رفعتُ عينيّ نحو الزهور البيضاء. وفجأة، رأيتُ ما لم أستطع تفسيره: بدأت إحداها تتحرك، تتفتح أكثر، تنتعش كأنها استيقظت من نوم طويل. ثم بدأت الأخرى، والثالثة، حتى انفتحت كلها في آنٍ واحد، كأنها تتنفس لتوّها بعد أن كانت ميتة.
تراجعتُ خطوةً إلى الوراء. كان قلبي يدق بقوة، لكنني لم أشعر بالخوف. شعرتُ بشيءٍ يشبه الدهشة، ممزوجاً بشيءٍ قديمٍ لم أستطع تحديده. كأن جسدي عرف هذا المشهد قبل أن يراه عقلي.
مسحتُ الدم بسرعة بطرف ثوبي. لكن يدي كانت لا تزال تلمع قليلاً، كآثار ماء أو ضوء.
في تلك اللحظة، سمعتُ خطواتٍ خلفي. كانت خفيفة، لكنني عرفتها. لم أكن بحاجة لأن أستدير لأعرف من هو.
قال كايل: "ماذا تفعلين هنا؟"
"تقطف الأعشاب."
"هذا ليس الموضع الذي طلبتُكِ منه."
التفتُ ببطء. كان يقف على مسافة، وعيناه تحاولان أن تخترقاني، كالعادة. لكن هذه المرة كان هناك شيءٌ مختلف: رأيته ينظر إلى الأرض خلفي، إلى الزهور البيضاء المتفتحة. تغير وجهه. للحظة، رأيتُ شيئاً يشبه الذهول، ثم التصلب.
"لماذا تفتحت هذه الأزهار؟" سأل.
لم أكن أعرف ماذا أقول. الحقيقة كانت أغرب من أي كذبة. قلت: "لا أعرف."
"لا تكذبي."
"لا أعرف. كنتُ هنا. لمستها. ثم تفتحت."
نظر إليّ طويلاً، وعيناه تضيقان قليلاً. ثم اتخذ قراراً، دون أن يخبرني به: "تعالي."
تبعتُه إلى داخل المبنى، عبر الممرات، حتى وصلنا إلى غرفته. لم تكن غرفة نومه، بل غرفةً صغيرة في الطابق السفلي، مليئة بالكتب والملفات والخرائط. أشار إليّ بالجلوس، وجلس أمامي، وأخرج من درجٍ صغير سكيناً فضيًّا صغيراً.
"مدّي يدكِ."
تصلبتُ. "لماذا؟"
"لقد رأيتُ الأزهار. أريد أن أرى ما الذي فعلتهِ."
لم أتحرك. قال بهدوء: "لن أؤذيكِ. فقط أريد أن أرى."
مددتُ يدي. أمسكها برفق، لمسة غير متوقعة، كأنها أحرقتني. كانت يده دافئة، جافة، وكبيرة جداً فوق يدي. شعرتُ بشيءٍ يتقلص في صدري. ثم أخذ السكين، وأجرى جرحاً صغيراً في طرف إصبعي.
خرج الدم. كان أحمر. لكزتُ.
ثم رأينا الاثنان: الدم بدأ يتحول. الضوء الفضي تسرب من الجرح كأنه كائنٌ حي، أبطأ من المرة الأولى لكنه كان هناك، مرئياً، حقيقياً.
سمعتُ كايل يشدّ أنفاسه. لكنه لم يرفع عينيه. رأيتُ يديه ترتعشان قليلاً، رأيتُ تفاحة آدم تتحرك في عنقه. كان هناك شيءٌ يحدث في داخله، كنتُ أسمعه قبل أن أراه: تنفسه أصبح أعمق، أبطأ، وأكثر سيطرة. ثم سمعتُ شيئاً يشبه الهدير، الصوت الصادر من صدره قبل أن يتحول. كان خافتاً، لكنه موجود.
نظر إليّ. عيناه تغيرتا: التلميذة اتسعت، وظهر في سوادها وميضٌ ذهبي صغير. رأيتُ الصراع في وجهه، شيئاً يريد أن يندفع إلى الأمام، وجسده كله يقاوم. ثم أزال يده عن يدي بسرعة، كأنه لسعته النار، ووقف وابتعد نحو النافذة.
ظل واقفاً هناك لدقيقة، لا يتكلم. كنتُ أشاهد ظهره يتوسع ويتقلص مع تنفسه. ثم قال، بصوتٍ مكبوت:
"امسحي الدم."
فعلتُ. مسحتُ إصبعي بطرف ثوبي، واختفى الضوء. لكنني شعرتُ أنه بقي في الغرفة، كشيءٍ غير مرئي يملأ الهواء.
التفت إليّ أخيراً. كان وجهه قد استعاد هدوءه، لكن عينيه كانتا لا تزالان مضطربتين بطريقة خفية، كأن بحيرةً تجمد سطحها لكن الماء تحتها لا يزال يتحرك.
قال: "لا تخبري أحداً بما رأيتِ."
"لن أخبر."
"أبداً."
"أبداً."
جلس أمامي مرة أخرى. كان صوته مختلفاً، أقل قسوة، وأكثر تركيزاً. "هل حدث هذا من قبل؟"
"لا."
"هل شعرتِ بأي شيء قبل أن يحدث؟"
"لا. فقط... لمستُ الزهرة، جرحت يدي، ثم تفتحت."
أطرق قليلاً، يفكر. ثم أخرج ورقةً من درجه، وكتب شيئاً عليها، وقال: "سأرسل أحدهم ليجلب كتباً من المكتبة العليا. لا تخرجي من غرفتك حتى آمرك بذلك."
"لماذا؟"
"لأن ما رأيته للتو لا ينبغي أن يراه أحد غيري."
لم أجادل. نهضتُ واتجهتُ نحو الباب. لكنني توقفت عند العتبة. دون أن أستدير، قلت:
"لماذا لم تكن خائفاً؟"
صمت طويلاً. ثم: "لأنني رأيتُ شيئاً كهذا من قبل. مرةً واحدة. عندما كنتُ طفلاً."
التفتُ إليه، لكنه كان ينظر نحو النافذة، وعيناه بعيدتان. لم يقل أكثر من ذلك. فهمتُ أن هذه هي نهاية الحديث.
خرجتُ وأغلقتُ الباب. في الممر، كانت يداي لا تزالان ترتجفان. لم يكن من الخوف؛ بل من شيءٍ آخر، شيء يشبه الاكتشاف البطيء لجسدٍ لم أكن أعرفه.
في غرفتي، بقيتُ جالسةً في الظلام. رفعتُ يدي أمام عينيّ، وأنا أبحث عن أي أثر من الفضة. لم يكن هناك شيء. لكنني عرفت، في مكان ما عميقاً في داخلي، أن الدم لم يختفِ. كان هناك، ينتظر فقط أن أستدعيه مرة أخرى.
في منتصف الليل، سمعتُ صوتاً من خارج نافذتي. لم يكن طرقاً، بل شيئاً أشبه بالنداء، مثل اسمي يُهمس في الريح. اقتربتُ من النافذة، لكن لم أرَ أحداً. فقط الأشجار تتمايل، والظلال تتحرك، والسماء السوداء ملبدة بالغيوم.
لكنني شعرتُ بوجوده. لقد كان هناك، في الظل، يراقبني.
لم أكن أعرف إن كان ذلك تهديداً أم حماية. لكنني عرفت، في تلك اللحظة، أن كل شيء قد تغير. الدم لم يكن مجرد دم. كان شيئاً أعمق، وأقدم، وأخطر مما كنتُ أتصور.
وجدت الزهرة البيضاء التي تفتحت في الحديقة، نابتةً تحت نافذتي. لم أكن قد جلبتها معي. لكنها كانت هناك، تنمو في شقٍ بين الحجارة، كأنها تبعني.
قطفتها ووضعتها تحت وسادتي.
في صباح اليوم التالي، كانت قد ذبلت. لكن بتلاتها كانت فضية اللون، تلمع في الضوء الخافت.
أخفيتها في جيبي.
مرت الأيام كقطط خائفة: تنسلّ، تختفي، ولا تترك أثراً. كنتُ أحصيها واحدةً تلو الأخرى من خلف نافذة غرفتي الصغيرة، حيث الضوء يأتي متأخراً ويغادر مبكراً. لم أكن أخرج إلا عندما يُطلب مني، ولم يكن أحد يطلب مني شيئاً. كايل لم يرسل إليّ طعاماً بنفسه؛ كان يرسل خادماً صامتاً يضع الصينية عند الباب ويختفي. ولم أكن أعرف إن كان ذلك عقاباً أم حمايةً أم مجرد نسيان.في جيبي، بقيت البتلة الفضية التي قطفتها تلك الليلة. كانت قد ذبلت، لكنها كانت تحتفظ بلونها، كأنها ترفض أن تموت تماماً. كنتُ أخرجها في الليل، وأحدق فيها تحت ضوء القمر، وأتساءل: ما الذي يجعل دمي فضيًّا؟ ما الذي جعل الزهور تفتح عند لمسي؟ لم أكن أعرف الإجابة. لكنني كنتُ أعرف أن كايل كان يبحث عنها أيضاً؛ رأيتُ الكتب تُكوم في مكتبه، رأيتُه يقرأ حتى وقت متأخر، والضوء تحت بابه كان يتوهج كأنه جرحٌ مفتوح.في اليوم السابع، فُتح الباب دون طرق. وقف كايل في المدخل، مرتديًا معطفاً أسود طويلاً، وعيناه تنظران إليّ كعادتهما: بلا شفقة، بلا قسوة، فقط مراقبة. قال: "ارتدي معطفكِ الثقيل. سترافقينني اليوم."لم أسأل إلى أين. لا فائدة من الأسئلة معه؛ كان يجيب فقط بما
بعد حادثة الحظيرة، تغير شيءٌ في الطريقة التي ينظر بها الطلاب إليّ. لم يعودوا يتجاهلونني كقطعة أثاث. صاروا ينظرون إليّ بنوعٍ من الفضول، كأنني شيءٌ غريب أُحضر إلى معرض، يُشار إليه بالأصابع لكن لا أحد يلمسه. ربما كانت القصة قد انتشرت: أنني أكلتُ من بقايا الطعام ولم أبكِ. ربما كان ذلك غريباً بما يكفي ليجعلني شيئاً يُذكر، حتى لو كان الذكر ازدراءً.لكن كايل لم يتغير. كان لا يزال يأمرني بأشياء صغيرة كل يوم: أحضر له الماء، نظف حذاءه، رتّب مكتبه. لم يكن هناك عنفٌ جسدي هذه المرة، بل شيءٌ أقسى: الاعتياد. أن أعتاد أن أكون ظلاً يتحرك بأمره.في اليوم الخامس بعد خروجي من الجناح الطبي، أرسلني إلى الحديقة الخلفية لأقطف بعض الأعشاب. قال إنه يحتاجها لخلطةٍ طبية، لكنني شعرتُ أن السبب الحقيقي هو أنه أراد أن يراني أتسخ يديّ بالتراب. لم أقل شيئاً؛ ذهبتُ.وكانت الحديقة شاسعة، مسوّرة بأشجار طويلة تجعلها تبدو بمنأى عن العالم. كان الهواء فيها مختلفاً، يحمل رائحة النعناع والزعتر والندى، كأنها قطعة من عالم آخر. مشيتُ بين الصفوف، وأنا أقطف ما طلبه، وأشعر بيدي ترتعشان قليلاً من البرد. ثم وجدتُ شيئاً غير متوقع: زهور
خرجتُ من الجناح الطبي بعد ثلاثة أيام، وأنا أظن أن الألم سيبقى هناك خلفي. لكن الألم ليس شيئاً يتركك. إنه يمشي معك، يلتصق بظهرك كظلّ، يوقظك في منتصف الليل ليطمئن أنك ما زلت تتذكره. تعلمتُ أن أتعايش معه كما تتعايش مع صوتٍ مزعج في غرفة مجاورة: تسمعه، لكنك تدفنه تحت أشياء أخرى.كان الصباح بارداً. وقفتُ في زاوية الفناء، أنتظر أمراً لم يأتِ بعد. كايل لم يكن قد خرج من مبناه، لكنني شعرتُ به قبل أن أراه. كان هناك نوعٌ من التواصل الصامت بيننا، لا أفهمه؛ كخيطٍ ممدودٍ بين جسدين، يهتزّ كلما اقترب مني. لم أكن أريد أن أسميه ما هو. كنتُ أعرف أنني إذا أطلقتُ عليه اسماً، فسوف يصبح حقيقياً.ظهر أخيراً عند درج الساحة، ومشى نحوي بخطواتٍ محسوبة. لم يكن يحمل سوطاً هذه المرة، ولا كان يحمل شيئاً ظاهراً. لكنه كان يحمل شيئاً في عينيه، نوعاً من القرار الذي سبق أن اتخذه في مكانٍ لا أستطيع الوصول إليه.قال: "سأريكِ اليوم كم تساوين."لم يسأل إن كنتُ جاهزة. لم يسأل إن كان ظهري قد التئم. مشى أمامي، وأنا تبعته كأن قدميّ تعرفان الطريق من غير عقلي.أدخلني قاعة الطعام الكبرى، تلك القاعة التي رأيتُها من بعيد عند وصولي؛ صفو
في الصباح، لم يكن هناك أملٌ يشبه الضوء. كان الضوء نفسه بارداً، يزحف عبر ثقبٍ صغير في السقف، فبدا كخيطٍ مقطوع. نهضتُ بصعوبة، وثوبي الرمادي يلتصق بظهري حيث جفّ الدم، لكنني لم أنظر إلى الجرح. كان هناك شيءٌ واحدٌ أريده في ذلك الصباح: ألا أنكسر.وجدت كايل واقفاً عند الباب، ممتلئاً بالصمت كعادته. قال: "اتبعيني". ولم يسأل إن كنتُ أستطيع المشي.مشيتُ خلفه عبر الممرات، وكانت كل خطوةٍ توقظ ألماً جديداً. كأن ظهري كان طفلاً يبكي، وكأن كل خطوةٍ تهزّه. لكنني تعلمتُ منذ زمنٍ بعيد أن الألم لا يختفي؛ بل يتعلم أن يسير خلفك كظلٍ مطيع. كان الطلاب يمرون بنا، ويتفرقون أمامه كالماء، وبعضهم نظر إليّ بنوعٍ من الفضول الذي يشبه الشفقة، لكنه لم يكن شفقةً حقيقية.وصلنا إلى ساحةٍ داخلية واسعة، حجارتها رمادية مبللة. في منتصف الساحة كان حشدٌ متجمع، وفي قلبه دائرةٌ تتسع كجرح. اقتربتُ، فرأيتُ ما لم أكن أريد رؤيته: فتاةً صغيرة، في الرابعة عشرة من عمرها تقريباً، لا يتجاوز مئزرها الغبار، واقفةً أمام ألفا شابٍ بعينين بلون الرمال. كانت الصينية قد سقطت، والمرق يتسرب إلى شقوق الأرض، والفتاة ترتجف حتى صار ارتجافها واضحاً كأنه
ظننتُ أن الركض سينقذني. لكن لم يكن هناك مكانٌ أذهب إليه، ولا بابٌ ينتظرني خارجه. ثلاثة حراس أمسكوني قبل أن أبلغ نهاية الممر، بأذرعٍ قاسية لا تشبه أيدي البشر. لم يتكلموا. ساقوني عبر دهاليز متشابهة، طويلاً، حتى توقفت أقدامهم أمام الباب المنحوت عليه ذئبٌ تحت هلال. شعرتُ بقلبي يعود إلى مكانه في صدري، ثقيلاً كحجر، ثم فُتح الباب.كان كايل واقفاً عند النافذة، ظهره إليّ، يمسك كأساً داكنة. لم يلتفت حين دخلتُ، ولم يلتفت حين أُغلق الباب خلفي. النارُ كانت قد كادت تنطفئ، لكنني رأيتُ يديه بوضوح في ضوء اللهب الأخير. كانتا ترتجفان. ارتجافةٌ خفيفةٌ، كأنه يمنع نفسه من شيء، أو كأن شيئاً في داخله يمنعه.ثم قال، بصوتٍ لا يشبه صراخه الذي سمعتُه قبل قليل، هادئاً كالجليد:"القواعد. عشرٌ. سأقولها مرةً واحدة، وسأعطيكِ حتى الصباح لتتعلميها. إن لم تحفظيها، فسوف أعلّمكِ إياها بطريقةٍ أفضل."التفت أخيراً. عيناه الرماديتان لم تكونا غاضبتين. كانتا فارغتين. كأنهما تنظران إلى شيءٍ لا يستحق أي مشاعر. وقف مقابل الضوء، فصار وجهه ظلاً لا يُقرأ."الأولى: لا تتكلمين إلا إذا خاطبتُك. الثانية: لا تنظرين في عينيّ أبداً. ال
كانوا يسمّونني "بلا ذئب". في هذا العالم، لم تكن تلك صفةً عابرة، بل حكماً بالإعدام. واقفةٌ على منصّة المزاد، بين خشبٍ باردٍ يلسع قدميّ الحافيتين وحرابِ مئةِ عينٍ تلتهمني، استوعبتُ للمرة الألف أنني لستُ إنسانةً ولا مستذئبة، بل شيئاً بينهما. شيئاً لا يريد أحدٌ أن يدفع ثمنه.رفع المُنادِي يديّ إلى الأعلى، فانزلق الكمّ القطني فكشف عن ندوبٍ قديمة على ساعديّ. كان حبلٌ خشنٌ يربط معصميّ، والحبلُ مربوطٌ بحلقةٍ حديديةٍ في الأرض. قال بحنجرةٍ مبحوحة: "ليـرا ڤيكس، الثامنة عشرة، بلا ذئب. لا قدرة على التحوّل، لا رائحة ذئب، لا قيمة.""لا قيمة" كلمتان دخلا صدري كسهمٍ مسموم. سمعتهما طوال حياتي بصيغٍ مختلفة، لكن اليوم صارتا تُعلَنان بصوتٍ عالٍ أمام المدرّج الممتلئ، وكأنهما شهادةُ ميلادٍ جديدة. حاولتُ ألا أرتجف. تعلّمتُ منذ زمنٍ طويل أن البكاء يجعلهم يعضّون أشدّ، وأن الصمتَ أفضلُ دروعِ الضعيف.ضحك أحدهم في الصفوف الأمامية: "من يشتري خادمةً لا تستطيع حتى أن تمرّغ فراء أعدائها؟"انفجر الحشد بالضحك. لم أرفع رأسي. ركّزت على عقدةٍ صغيرةٍ في خشب المنصّة، على شكلها الدائري الذي يشبه قمراً مصغّراً. ثم انتبهتُ إلى