LOGINمرت الأيام كقطط خائفة: تنسلّ، تختفي، ولا تترك أثراً. كنتُ أحصيها واحدةً تلو الأخرى من خلف نافذة غرفتي الصغيرة، حيث الضوء يأتي متأخراً ويغادر مبكراً. لم أكن أخرج إلا عندما يُطلب مني، ولم يكن أحد يطلب مني شيئاً. كايل لم يرسل إليّ طعاماً بنفسه؛ كان يرسل خادماً صامتاً يضع الصينية عند الباب ويختفي. ولم أكن أعرف إن كان ذلك عقاباً أم حمايةً أم مجرد نسيان.
في جيبي، بقيت البتلة الفضية التي قطفتها تلك الليلة. كانت قد ذبلت، لكنها كانت تحتفظ بلونها، كأنها ترفض أن تموت تماماً. كنتُ أخرجها في الليل، وأحدق فيها تحت ضوء القمر، وأتساءل: ما الذي يجعل دمي فضيًّا؟ ما الذي جعل الزهور تفتح عند لمسي؟ لم أكن أعرف الإجابة. لكنني كنتُ أعرف أن كايل كان يبحث عنها أيضاً؛ رأيتُ الكتب تُكوم في مكتبه، رأيتُه يقرأ حتى وقت متأخر، والضوء تحت بابه كان يتوهج كأنه جرحٌ مفتوح.
في اليوم السابع، فُتح الباب دون طرق. وقف كايل في المدخل، مرتديًا معطفاً أسود طويلاً، وعيناه تنظران إليّ كعادتهما: بلا شفقة، بلا قسوة، فقط مراقبة. قال: "ارتدي معطفكِ الثقيل. سترافقينني اليوم."
لم أسأل إلى أين. لا فائدة من الأسئلة معه؛ كان يجيب فقط بما يريد أن نعرفه. ارتديتُ معطفي، وتبعته في الممرات، وأنا أسمع صرير حذائين على الحجر: خطوته القوية المتوازنة، وخطوتي القصيرة التي تحاول اللحاق به دون أن تبدو مجتهدة.
خرجنا إلى الفناء الخلفي، ثم إلى طريقٍ ترابي طويل يتسلل بين صفوفٍ من أشجار الصنوبر. كان الهواء بارداً، يحمل رائحة الراتنج والندى، وكلما تقدمنا، صار الصوت أعلى: هديرٌ منخفض، نَباح متقطع، وعواءٌ طويل مرسوم على حافة الريح.
"أين نحن ذاهبان؟" سألتُ أخيراً.
"ساحة التدريب."
لم يزد شيئاً. مشينا حتى انتهى الطريق عند بوابةٍ حديدية ضخمة، خلفها ساحةٌ واسعة محاطة بسياجٍ عالٍ، تتسع لمئات الطلاب. كانوا مصطفين في صفوفٍ طويلة، وهم يركعون ويتمددون، وأنفاسهم تتصاعد في الهواء البارد كدخانٍ من مداخن كثيرة. في وسط الساحة وقف مدربٌ كبير الجثة، بوجهٍ متجعدٍ من سنواتٍ قاسية، وعينين صغيرتين تشبهان شقين في صخرة.
توقف كايل عند حافة الساحة. وقفتُ خلفه قليلاً، لا أعرف ما إذا كان مقصوداً أن أكون ظاهرةً أم غير مرئية. لكنني لم أكن غير مرئية. رآني أحد الطلاب، ثم ثانٍ، ثم ثالث، فبدأت الهمسات تنتشر كحريق في عشبٍ يابس.
المدرب نظر إلى كايل، ثم إلىّ، وقال بصوتٍ خشن: "ما الذي تفعله هذه هنا؟"
"ستشاهد"، قال كايل ببساطة. "فقط. لتعرف ما الذي لا تملكه."
لم أستطع قراءة نبرته: هل كان يريد أن يذلّني؟ أم يريد أن يعلمني شيئاً؟ ربما كلاهما، ربما لا. وقفتُ حيث أمرني، ويدي معلقةً بجانبي، وقلبي يدق بهدوء.
ثم بدأ التدريب.
رفع المدرب يده، وقال: "التحوّل."
في البداية، لم يحدث شيء. كان الطلاب واقفين، وجوههم مركزة، وأجسادهم متصلبة. ثم سمعتُ الصوت الأول: أزمة عظمٍ جافة، وصرخة مكتومة. التفتُ نحو مصدره. كان شاباً ذا شعرٍ بني، وقد ثنيت ذراعه بشكلٍ غريب، وتشكلت في يده حوافر؟ لا، مخالب. كان جسده يتشقق من الداخل، ينتفخ، يطول، يلتف، حتى صار فراءً وذيلاً وكمامة. في أقل من دقيقة، كان ذئباً بنيًّا كبيراً يقف على أربع، يتنفس بصعوبة، ورمقه نحوي.
شعرتُ بشيءٍ في صدري، ليس ألماً بالضبط، بل غياب. كأنه فراغٌ في المكان الذي يجب أن يكون فيه شيء. نظرتُ إلى الطلاب الآخرين، واحداً بعد واحد، وهم يتحولون: أجسادهم تتمزق ثم تلتئم بشكلٍ آخر، عظامهم تزداد طولاً، وجوههم تدفع نفسها إلى الأمام، وأعينهم تشتعل بلونٍ ذهبي أو أخضر أو رمادي. كان المشهد عنيفاً وجميلاً في آن، كأنهم يخلعون جلداً بشرياً ويصبحون ما كانوا منذ الأزل.
كان يجب أن أكون واحدةً منهم. لكنني كنتُ الفراغ الذي يتركه الغياب.
"انظري"، قال كايل بهدوء. لم يرفع صوته بقدر ما كان يتحدث إلى نفسه. ربما كان يقولها لي أيضاً.
نظرتُ. كانت الساحة الآن مليئةً بالذئاب، تقف في صفوفٍ متقاربة، تهزّ أذيالها، وتبادل الغريمات. كان المدرب قد تحول بدوره: ذئبٌ ضخم بفراءٍ رمادي داكن، وعينيه تحملان بقايا الصرامة البشرية. أشار بخطمه نحو مجموعة من الذئاب، فهاجمت بعضها في قتالٍ تدريبي.
شاهدتهم يتصارعون. كانت حركاتهم سريعة، دقيقة، بلا قسوة زائدة؛ كل عضةٍ عضةٌ محسوبة، كل انقضاضةٍ انقضاضةٌ مكتوبة. كانوا يعرفون أجسادهم جيداً، يثقون بها، يتنفسون بها. كنتُ أراقبهم من خلف سياجٍ غير مرئيّ، ويدي ترتجفان قليلاً.
اقترب مني ذئبٌ رمادي فاتح، ربما كان الطالبة التي رأيتها هناك. وقف أمامي على مسافة ذراع، وراح يشتمّ الهواء حولي، ثم كشف عن أسنانه. لم أتحرك. كنتُ أستطيع سماع همهمة منخفضة في حلقه، تهديداً أو استفزازاً. لم أبتعد. ربما لأنني تعلمتُ في هذا المكان أن أتصلب أمام التهديد، أو ربما لأنني شعرتُ أن جسدي لا يملك مكاناً يهرب إليه.
قال كايل فجأة: "هيا". اختفى الذئب الرمادي من أمامي، عاد إلى الصفوف. لم أكن أعرف إن كان كايل قد أعطاه إشارةً بيده أم لا، لكنه انصاع.
بعد ساعة أو أكثر، توقف التدريب. عاد الطلاب إلى أشكالهم البشرية، وهم يتصببون عرقاً رغم البرد، ويضحكون، ويربتون على أكتاف بعضهم. كانوا يشبهون البشر تماماً، لكن بقايا الحيوان ما زالت في عيونهم.
ثم اقترب مني ثلاثٌ منهم. لم يكونوا ذئاباً الآن، بل شباناً يرتدون الملابس التدريبية. كان أحدهم أشقر العينين، وآخر أسود الشعر، وثالث أطولهم، بوجهٍ متغطرس. وقف الثالث أمامي بالفعل وقال:
"أنتِ العبد التي اشتراها الملك، أليس كذلك؟"
لم أجب.
"ألا تستطيعين الكلام؟ أم أنكِ لا تملكين لساناً كبقيتنا؟"
قلت: "أستطيع الكلام."
"لكنكِ لا تستطيعين التحول"، قال الأشقر. "أرأيتِنا؟ هل أعجبكِ المشهد؟ إنه مشهدٌ لن ترينه من الداخل أبداً."
ضحكوا. كان ضحكهم قصيراً، جافاً، كأنهم كانوا يريدون إنهاءه بسرعة.
"لن تكوني واحدة منا أبداً"، قال الأسود، بصوتٍ منخفض كأنه يحدد حقيقةً نهائية.
حاولتُ ألا أُظهر أي شيء. لكن الكلمات كانت تدخل إلى جسدي، وتستقر في العظام، وتتصلب هناك. لم يكن ألم الجلد، بل شيئاً أعمق: حقيقةٌ كنتُ أعرفها لكنني كنتُ أدفعها بعيداً. كنتُ أعرف أنني لستُ واحدةً منهم. كنتُ أعرف أن شيئاً في تكويني مختلف، أو ناقص، أو مخفيّ.
ولم أستطع منع الدمع. كان ذلك هو الأسوأ. لم أكن أريد أن أبكي أمامهم. كنتُ أريد أن أكون نواةً صلبة لا تنكسر. لكن دمعةً واحدةً تسللت من عيني، سقطت على الحصى بعيداً عن أقدامهم. وعندما لمست الأرض، حدث شيء غريب.
تكوّنت زهرة جليد صغيرة في مكان سقوط الدمعة، بلورة شفافة تلمع كأنها خرجت من الأرض. كانت صغيرة، لكنها كانت موجودة. اندفعتُ بقدمي بسرعة، وغطيتها بالحصى قبل أن يلاحظها أحد. كان قلبُي يدق بعنف.
هل رأى أحد؟
نظرت إلى الطلاب الثلاثة. كانوا قد انصرفوا، يضحكون، ويشيرون إليّ بأيديهم. لم يروا. ثم نظرت إلى كايل.
كان يراقبني. وللمرة الأولى منذ أن عرفت هذا الوجه، لم أستطع قراءة ما فيه. كان هناك السؤال نفسه الذي يحدث عندما تعرف أنك رأيت شيئاً لم يكن يجب أن تراه: شيءٌ في عينيه انكسر، أو انفتح، أو صمت.
رفعت قدمي وكان الجليد محطماً، لكن الأثر بقي: بقعة بيضاء صغيرة على الأرض الجافة، مثل ندبةٍ على الحجر.
مشى نحوي كايل. وقف أمامي، ثم قال بصوتٍ منخفض، لا يسمعه أحد غيره:
"اركعي هنا. لا تتحركي حتى أقول لكِ."
لم يكن أمراً عادياً. أمرٌ في العلن؟ ربما لصرف انتباههم عن الجليد. ركعتُ على الحصى، والشظايا الصغيرة تؤذي ركبتيّ. بقي واقفاً أمامي قليلاً، ثم التفت إلى المدرب وقال: "انتهى التدريب. ليذهب الجميع."
تفرق الطلاب، والمدرب نظر إليّ نظرةً أخيرة، ثم غادر. بقيتُ راكعة وحدي في الساحة، وأنا أسمع خطوات كايل تبتعد، ثم تعود.
عاد واقفاً أمامي. نزلَ قرفصاءً حتى صار وجهه مقابل وجهي. كان التنفس من فمه يخرج دافئاً، يلامس خديّ. كان قريباً جداً، قريباً بما يكفي لرؤية شعيرات دقيقة في فكّه، وبقايا الغبار على أكتافه.
قال: "ماذا يكون هذا الذي يخرج من عينيكِ؟"
لم أستطع أن أكذب. لكنني أيضاً لم أستطع أن أشرح. قلت: "لا أعرف."
نظر إلى المكان الذي سقطت فيه الدمعة، إلى الأثر الباهت، ثم إلى عينيّ مرةً أخرى. "عيناكِ تلمعان. مثل الدم. مثل تلك الزهور."
"لا أعرف", كررت.
صمت طويلاً. ثم قال، ببطء، كأنه كان يزن كل كلمة: "الدمع ليس من شأنكِ. لا يجب أن تبكي هنا. هؤلاء ليسوا أصدقاءكِ، ولن يكونوا أبداً. ما رأيته اليوم هو ما سيبقون عليه دائماً: ذئابٌ. وأنتِ..." توقف. "أنتِ لستِ ذئباً."
لم أستطع قول أي شيء. وقف، ومدّ يده إليّ. للمرة الأولى، امتدت يده نحوي. لم أكن أعرف إن كان يريد أن يساعدني على النهوض أم كان يريد شيئاً آخر. أخذتُ يده، فسحبني بلطفٍ مفاجئ، ثم أسرع يبتعد.
لم أركع في مكانٍ آخر. بل مشيت خلفه في الصمت، وأنا ألمس مكان الدمعة على وجهي؛ كان بارداً.
في تلك الليلة، في غرفتي، أخرجت البتلة الفضية من جيبي. ثم أخرجت قطعة جليد صغيرة التقطتها من الأرض قبل أن نغادر الساحة، مخبأةً في كمّي. وضعتهما معاً على الطاولة، وتحت ضوء القمر، لم أستطع التمييز بينهما: كان كلاهما فضيًّا، كلاهما بارداً، كلاهما غريباً.
لم أكن أعرف من أكون. لكنني بدأت أعرف أن ما يسكن دمي لم يكن ضعفاً.
كان جليداً.
كان ملكوتاً.
وكان ينتظر.
مرت الأيام كقطط خائفة: تنسلّ، تختفي، ولا تترك أثراً. كنتُ أحصيها واحدةً تلو الأخرى من خلف نافذة غرفتي الصغيرة، حيث الضوء يأتي متأخراً ويغادر مبكراً. لم أكن أخرج إلا عندما يُطلب مني، ولم يكن أحد يطلب مني شيئاً. كايل لم يرسل إليّ طعاماً بنفسه؛ كان يرسل خادماً صامتاً يضع الصينية عند الباب ويختفي. ولم أكن أعرف إن كان ذلك عقاباً أم حمايةً أم مجرد نسيان.في جيبي، بقيت البتلة الفضية التي قطفتها تلك الليلة. كانت قد ذبلت، لكنها كانت تحتفظ بلونها، كأنها ترفض أن تموت تماماً. كنتُ أخرجها في الليل، وأحدق فيها تحت ضوء القمر، وأتساءل: ما الذي يجعل دمي فضيًّا؟ ما الذي جعل الزهور تفتح عند لمسي؟ لم أكن أعرف الإجابة. لكنني كنتُ أعرف أن كايل كان يبحث عنها أيضاً؛ رأيتُ الكتب تُكوم في مكتبه، رأيتُه يقرأ حتى وقت متأخر، والضوء تحت بابه كان يتوهج كأنه جرحٌ مفتوح.في اليوم السابع، فُتح الباب دون طرق. وقف كايل في المدخل، مرتديًا معطفاً أسود طويلاً، وعيناه تنظران إليّ كعادتهما: بلا شفقة، بلا قسوة، فقط مراقبة. قال: "ارتدي معطفكِ الثقيل. سترافقينني اليوم."لم أسأل إلى أين. لا فائدة من الأسئلة معه؛ كان يجيب فقط بما
بعد حادثة الحظيرة، تغير شيءٌ في الطريقة التي ينظر بها الطلاب إليّ. لم يعودوا يتجاهلونني كقطعة أثاث. صاروا ينظرون إليّ بنوعٍ من الفضول، كأنني شيءٌ غريب أُحضر إلى معرض، يُشار إليه بالأصابع لكن لا أحد يلمسه. ربما كانت القصة قد انتشرت: أنني أكلتُ من بقايا الطعام ولم أبكِ. ربما كان ذلك غريباً بما يكفي ليجعلني شيئاً يُذكر، حتى لو كان الذكر ازدراءً.لكن كايل لم يتغير. كان لا يزال يأمرني بأشياء صغيرة كل يوم: أحضر له الماء، نظف حذاءه، رتّب مكتبه. لم يكن هناك عنفٌ جسدي هذه المرة، بل شيءٌ أقسى: الاعتياد. أن أعتاد أن أكون ظلاً يتحرك بأمره.في اليوم الخامس بعد خروجي من الجناح الطبي، أرسلني إلى الحديقة الخلفية لأقطف بعض الأعشاب. قال إنه يحتاجها لخلطةٍ طبية، لكنني شعرتُ أن السبب الحقيقي هو أنه أراد أن يراني أتسخ يديّ بالتراب. لم أقل شيئاً؛ ذهبتُ.وكانت الحديقة شاسعة، مسوّرة بأشجار طويلة تجعلها تبدو بمنأى عن العالم. كان الهواء فيها مختلفاً، يحمل رائحة النعناع والزعتر والندى، كأنها قطعة من عالم آخر. مشيتُ بين الصفوف، وأنا أقطف ما طلبه، وأشعر بيدي ترتعشان قليلاً من البرد. ثم وجدتُ شيئاً غير متوقع: زهور
خرجتُ من الجناح الطبي بعد ثلاثة أيام، وأنا أظن أن الألم سيبقى هناك خلفي. لكن الألم ليس شيئاً يتركك. إنه يمشي معك، يلتصق بظهرك كظلّ، يوقظك في منتصف الليل ليطمئن أنك ما زلت تتذكره. تعلمتُ أن أتعايش معه كما تتعايش مع صوتٍ مزعج في غرفة مجاورة: تسمعه، لكنك تدفنه تحت أشياء أخرى.كان الصباح بارداً. وقفتُ في زاوية الفناء، أنتظر أمراً لم يأتِ بعد. كايل لم يكن قد خرج من مبناه، لكنني شعرتُ به قبل أن أراه. كان هناك نوعٌ من التواصل الصامت بيننا، لا أفهمه؛ كخيطٍ ممدودٍ بين جسدين، يهتزّ كلما اقترب مني. لم أكن أريد أن أسميه ما هو. كنتُ أعرف أنني إذا أطلقتُ عليه اسماً، فسوف يصبح حقيقياً.ظهر أخيراً عند درج الساحة، ومشى نحوي بخطواتٍ محسوبة. لم يكن يحمل سوطاً هذه المرة، ولا كان يحمل شيئاً ظاهراً. لكنه كان يحمل شيئاً في عينيه، نوعاً من القرار الذي سبق أن اتخذه في مكانٍ لا أستطيع الوصول إليه.قال: "سأريكِ اليوم كم تساوين."لم يسأل إن كنتُ جاهزة. لم يسأل إن كان ظهري قد التئم. مشى أمامي، وأنا تبعته كأن قدميّ تعرفان الطريق من غير عقلي.أدخلني قاعة الطعام الكبرى، تلك القاعة التي رأيتُها من بعيد عند وصولي؛ صفو
في الصباح، لم يكن هناك أملٌ يشبه الضوء. كان الضوء نفسه بارداً، يزحف عبر ثقبٍ صغير في السقف، فبدا كخيطٍ مقطوع. نهضتُ بصعوبة، وثوبي الرمادي يلتصق بظهري حيث جفّ الدم، لكنني لم أنظر إلى الجرح. كان هناك شيءٌ واحدٌ أريده في ذلك الصباح: ألا أنكسر.وجدت كايل واقفاً عند الباب، ممتلئاً بالصمت كعادته. قال: "اتبعيني". ولم يسأل إن كنتُ أستطيع المشي.مشيتُ خلفه عبر الممرات، وكانت كل خطوةٍ توقظ ألماً جديداً. كأن ظهري كان طفلاً يبكي، وكأن كل خطوةٍ تهزّه. لكنني تعلمتُ منذ زمنٍ بعيد أن الألم لا يختفي؛ بل يتعلم أن يسير خلفك كظلٍ مطيع. كان الطلاب يمرون بنا، ويتفرقون أمامه كالماء، وبعضهم نظر إليّ بنوعٍ من الفضول الذي يشبه الشفقة، لكنه لم يكن شفقةً حقيقية.وصلنا إلى ساحةٍ داخلية واسعة، حجارتها رمادية مبللة. في منتصف الساحة كان حشدٌ متجمع، وفي قلبه دائرةٌ تتسع كجرح. اقتربتُ، فرأيتُ ما لم أكن أريد رؤيته: فتاةً صغيرة، في الرابعة عشرة من عمرها تقريباً، لا يتجاوز مئزرها الغبار، واقفةً أمام ألفا شابٍ بعينين بلون الرمال. كانت الصينية قد سقطت، والمرق يتسرب إلى شقوق الأرض، والفتاة ترتجف حتى صار ارتجافها واضحاً كأنه
ظننتُ أن الركض سينقذني. لكن لم يكن هناك مكانٌ أذهب إليه، ولا بابٌ ينتظرني خارجه. ثلاثة حراس أمسكوني قبل أن أبلغ نهاية الممر، بأذرعٍ قاسية لا تشبه أيدي البشر. لم يتكلموا. ساقوني عبر دهاليز متشابهة، طويلاً، حتى توقفت أقدامهم أمام الباب المنحوت عليه ذئبٌ تحت هلال. شعرتُ بقلبي يعود إلى مكانه في صدري، ثقيلاً كحجر، ثم فُتح الباب.كان كايل واقفاً عند النافذة، ظهره إليّ، يمسك كأساً داكنة. لم يلتفت حين دخلتُ، ولم يلتفت حين أُغلق الباب خلفي. النارُ كانت قد كادت تنطفئ، لكنني رأيتُ يديه بوضوح في ضوء اللهب الأخير. كانتا ترتجفان. ارتجافةٌ خفيفةٌ، كأنه يمنع نفسه من شيء، أو كأن شيئاً في داخله يمنعه.ثم قال، بصوتٍ لا يشبه صراخه الذي سمعتُه قبل قليل، هادئاً كالجليد:"القواعد. عشرٌ. سأقولها مرةً واحدة، وسأعطيكِ حتى الصباح لتتعلميها. إن لم تحفظيها، فسوف أعلّمكِ إياها بطريقةٍ أفضل."التفت أخيراً. عيناه الرماديتان لم تكونا غاضبتين. كانتا فارغتين. كأنهما تنظران إلى شيءٍ لا يستحق أي مشاعر. وقف مقابل الضوء، فصار وجهه ظلاً لا يُقرأ."الأولى: لا تتكلمين إلا إذا خاطبتُك. الثانية: لا تنظرين في عينيّ أبداً. ال
كانوا يسمّونني "بلا ذئب". في هذا العالم، لم تكن تلك صفةً عابرة، بل حكماً بالإعدام. واقفةٌ على منصّة المزاد، بين خشبٍ باردٍ يلسع قدميّ الحافيتين وحرابِ مئةِ عينٍ تلتهمني، استوعبتُ للمرة الألف أنني لستُ إنسانةً ولا مستذئبة، بل شيئاً بينهما. شيئاً لا يريد أحدٌ أن يدفع ثمنه.رفع المُنادِي يديّ إلى الأعلى، فانزلق الكمّ القطني فكشف عن ندوبٍ قديمة على ساعديّ. كان حبلٌ خشنٌ يربط معصميّ، والحبلُ مربوطٌ بحلقةٍ حديديةٍ في الأرض. قال بحنجرةٍ مبحوحة: "ليـرا ڤيكس، الثامنة عشرة، بلا ذئب. لا قدرة على التحوّل، لا رائحة ذئب، لا قيمة.""لا قيمة" كلمتان دخلا صدري كسهمٍ مسموم. سمعتهما طوال حياتي بصيغٍ مختلفة، لكن اليوم صارتا تُعلَنان بصوتٍ عالٍ أمام المدرّج الممتلئ، وكأنهما شهادةُ ميلادٍ جديدة. حاولتُ ألا أرتجف. تعلّمتُ منذ زمنٍ طويل أن البكاء يجعلهم يعضّون أشدّ، وأن الصمتَ أفضلُ دروعِ الضعيف.ضحك أحدهم في الصفوف الأمامية: "من يشتري خادمةً لا تستطيع حتى أن تمرّغ فراء أعدائها؟"انفجر الحشد بالضحك. لم أرفع رأسي. ركّزت على عقدةٍ صغيرةٍ في خشب المنصّة، على شكلها الدائري الذي يشبه قمراً مصغّراً. ثم انتبهتُ إلى