Share

الفصل السادس: لستِ مثلهم

Author: Jacy writes
last update Petsa ng paglalathala: 2026-08-14 04:31:54

في صباح اليوم التالي، فتحتُ وسادتي قبل أن أخرج من الغرفة. كانت القماشة الحمراء ساكنة، والزهرة الفضية فوقها كما تركتها ليلًا. وضعت إصبعي على إحدى بتلاتها، فاهتزت بلطف تحت يدي. انتزعتُ بتلةً صغيرة، ووضعتها في جيبي. لم أكن أعرف لماذا فعلت ذلك، لكنني شعرت أنني لا بد أن أحمل معي شيئًا من تلك الليلة.

نقلني أحد الحراس بعد ذلك إلى الساحة الخارجية. كان الطلاب يتدربون هناك بحضور كايل، وكان على الخدم أن يقفوا على الأطراف يحملون الماء والمناشف.

وقفت في الزاوية، بعيدًا عن الجميع. لم أنظر طويلًا إلى وجوههم. كان يكفيني أن أرى ما يحدث في مركز الساحة: طلاب النخبة يتحولون، فتمتلئ أجسادهم قوةً لا أملكها، وتشتدّ أصواتهم وتحضنهم الأرض كأنهم ولدوا لها. أدرت عينيّ عن التفاصيل التي كانت تجعل قلبي ينقبض. لم يكن يؤلمني شكلهم، بل ما كانوا يملكونه وأنا لا أملكه.

"أنتِ."

التفتُ. كانت إحدى الطالبات واقفة أمامي، في يدها قربة ماء، وعلى وجهها ذلك الابتسام الذي رأيته كثيرًا منذ وصلت إلى هنا.

"حذائي اتّسخ"، قالت. "نظّفيه."

نظرت إلى حذائها. كان نظيفًا، لكنها رفعته أمامي ببطء. لم أتحدث. انحنيت، وأخرجت قطعة القماش التي أُعطيت لي، وبدأت أمسح. لم يكن الأمر يستحق الكلام. كنتُ أعرف أن الكلام يجلب عقابًا أشد.

"لن تكوني واحدة منا أبدًا."

لم أرفع رأسي. كان صوتها هادئًا وواضحًا، تحيط به أصوات أخرى تنهمر مثل حجارة صغيرة:

"أرأيتم كيف تخفض رأسها؟"

"إنها بلا ذئب. بلا شيء."

"لن تكوني واحدة منا أبدًا."

تركتني أخيرًا. مشت مع صديقاتها، وضحكتهنّ خلفها تقطع الهواء. بقيت واقفة في مكاني، أمسح حذاءً لم يكن بحاجة إلى مسح. لم أبكِ أمامهنّ. لم أبكِ وأنا أسمع أقدامهن تبتعد.

لكن حين خلت الساحة، وانصرف الجميع نحو القاعات الداخلية، ركعتُ عند حافة الحوض الحجري لأغسل القماشة. ارتجفت يداي. انفلتت دمعة واحدة قبل أن أمنعها، وسقطت على الحجر بين قدميّ.

لم أسمع لها صوتًا.

لكنني رأيت شيئًا يحدث تحت عينيّ.

في المكان الذي سقطت فيه الدمعة، تشكّل الصقيع بسرعة. زحف بياض رقيق على سطح الحجر، ثم ارتفع في خيط صغير شفاف، حتى صار أمامي زهرة من جليد، بتلاتها دقيقة تلمع كأنها من ضوءٍ متجمد.

رفعت يدي لأخفيها، لكنني سمعت صوتًا خلفي:

"ارفعي يدكِ."

كايل.

وقف على بعد خطوات، لم أسمع خطواته. كان وجهه هادئًا، وعيناه على الحجر، على الزهرة التي لا ينبغي أن تكون هناك.

رفعت يدي ببطء.

اقترب. نظر إلى الزهرة طويلًا، ثم ركع وإصبعُه قريبٌ من بتلاتها دون أن يلمسها. كانت شفافة، نقية، لا تذوب.

"بكيتِ"، قال.

"لا."

"إذن من أين جاء هذا؟"

لم أجب.

نهض. نظر إليّ، وكان في عينيه ذلك الشيء الذي بدأ يظهر كلما رأى ما لا يفهمه: حيرة، وخوفٌ مكبوت، وسؤال أكبر منه.

"منذ متى تعرفين أنكِ تفعلين هذا؟"

"ما هذا؟"

"لا أدري"، قال بصدق. "لكنني أعرف أنه ليس عاديًا."

مدّ يده. لم يتجه إليّ، بل إلى الزهرة. أمسكها من ساقها، فبقيت باردة بين أصابعه ولم تذُب. وضعها في جيبه بهدوء.

ثم نظر إلى وجهي نظرة مطولة:

"كانوا يسخرون منكِ لأنك لستِ مثلهم."

"أنا معتادة."

"لا تخبري أحدًا بما رأيتِ."

"ولماذا؟"

"لأنهم إن عرفوا أنكِ لستِ مثلهم... سيفعلون أكثر من السخرية."

انصرف.

تركت الساحة وأنا أشعر أن قلبي يدق في مكان غريب. لم أكن أفهم ما رأيت. لكنني كنت أعرف أن الزهرة التي ظهرت من دمعة واحدة لم تكن وهمًا.

قبل أن أغادر، ركعتُ عند الحوض. في شق الحجر، حيث سقطت الدمعة، بقيت قطعة جليد صغيرة لم تذُب رغم شمس الظهيرة. انتزعتها بحذر، ووضعتها في جيبي، بجانب البتلة الفضية.

في غرفتي، أخرجت ما في جيبي ووضعته على الطاولة: بتلة فضية من زهرة الليل، وقطعة جليد من زهرة الصباح. جلست أمامهما. لمسْتُ البتلة، فكانت باردة. لمسْتُ الجليد، فكان باردًا أيضًا.

شعرت بالقلادة على صدري تدفأ للحظة، ثم عادت إلى سكونها.

لم أكن أعرف من أكون.

لكنني بدأت أعرف أن ما يسكن دمي لم يكن ضعفًا.

كان شيئًا آخر.

شيئًا باردًا... وكان يستيقظ.

6

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • أكاديمية المستذئبين: العبدة بلا ذئب   الفصل الرابع والثلاثون: الدرع

    34في الفجر الثاني، وضعت العجوز في كفّي وعاءً حجريًا صغيرًا، وأمرتني أن أملأه بدمي.لم تجلس على مقعدها هذه المرة. وقفت أمامي في وسط الدائرة، وذراعاها مضمومتان إلى صدرها، ووشاحها الأحمر المتحلل يلامس طرف أصابعها كلما تحركت.قالت بصوت مسطح، لا يشبه التحذير ولا الغضب:"اليوم نتعلم الدرع.""وماذا يعني الدرع؟"رمقتني بنظرة قصيرة."أن تصنعي من دمكِ شيئًا لا يخترقه أحد.""لأحمي نفسي؟"صمتت لحظة، ثم قالت الجملة التي ظلت تدور في رأسي ساعات:"الدرع لا يُبنى لمن يريد أن ينجو فقط. يُبنى لمن يعرف ما الذي يريد أن ينجو من أجله. من يخاف وحده لا يصنع درعًا. ومن يحب وحده قد يهدمه. أما من يعرف... فيعرف كيف يحمي.""وأنا، ما الذي أعرفه؟""هذا ما سنكتشفه."جرحت كفي، وملأت الوعاء.خرج الدم فضيًا كما هو دائمًا، وأخذ يلمع فوق الحجر الأسود، ثم اضطرب كأن الوعاء نفسه يريد أن يتنفس.وضعت العجوز إصبعها على سطحه ونطقت كلمتين لم أفهمهما.هدأ الدم."الآن ارفعي يدكِ

  • أكاديمية المستذئبين: العبدة بلا ذئب   الفصل الثالث والثلاثون: ظلّ الدم

    33بدأ الدرس في منتصف الليل، ولم يبدأ بكلمة.كنتُ مستلقية على الحصير في زاوية الكوخ، وقلبي ما زال يخفق من النبضة التي هزّت صدري في الدائرة. كانت النار قد خبت حتى صارت جمرًا أحمر يلمع تحت الرماد، والريح خارج الجدران تعوي كأنها تريد أن تدخل. ثم سمعت صوتًا لم يكن صوت الريح.مخالب على الحجر.انتفضتُ واقفة. على مسافة ذراع مني كانت العجوز واقفة عند الباب، عصاها في يدها، ووشاحها الأحمر المتحلل معلقًا على كتفها. لم تلتفت إليّ. كانت تنظر إلى العتمة خارج الكوخ.قالت بصوت هادئ كأنها تتكلم عن الطقس:"ارتدي حذاءك.""ما الأمر؟""الليل الأول لا يأتي إليك. تذهبين أنتِ إليه."خرجنا.كان الهواء يلسع وجهي حتى شعرت أن جلد رأسي يتقلص. كان القمر مكتملًا تقريبًا، يضيء الجبل بضوء فضي بارد يلامس الصخر فيمنحه لون العظام. لم ننزل في المسار الذي صعدتُ منه، بل اتجهنا إلى الجهة الأخرى من القمة، حيث تنكسر الصخور وتنفتح هاوية طويلة، لا ترى لها قاعًا حتى في ضوء القمر، وكان صفير الريح في ذلك الشق يشبه تنفس شيء ضخم نائم.

  • أكاديمية المستذئبين: العبدة بلا ذئب   الفصل الثاني والثلاثون: دروس الدم

    32لم تفتح لي الباب.كانت تجلس أمام الموقد، وعصاها مستندة على ركبتها، ودائرة مرسومة على التراب أمامها. لم ترفع عينيها حين دخلت.قالت: "تأخرتِ.""كنتِ تنتظرينني؟""الجبل كان ينتظركِ."اقتربتُ من النار. كانت ترتجف رغم دفء الكوخ. مددت يدي إلى قلادتي بلا وعي.قالت دون أن تنظر: "لا تلمسيها. كلما خفتِ، تسخن. وهي تعلمت منكِ الخوف أسرع مما تعلمتِ أنتِ الشجاعة."جلستُ. للمرة الأولى منذ أيام، لم يطلب مني أحد أن أركع أو أخفض رأسي.نظرت إليّ أخيراً."أتعرفين لماذا لا يملك قطيع الأكاديمية ذئباً مثلكِ؟"هززت رأسي."لأنهم يظنون أن الذئب يسكن الجسد. أنتِ لستِ من نسل الذئاب، يا ليرا. الذئب لا يسكنكِ. أنتِ تسكنين دمه."سكتُ. طوال حياتي قيل لي إن غياب الذئب هو عيب. والآن تقول إنه ليس غائباً، بل أنا الضيفة فيه.قالت: "مدي يدكِ."مددتها. أخذت سكيناً رمادية وشقت كفي شقاً صغيراً. لم أصرخ هذه المرة.خرج الدم فضياً. لم يسل. تحرك على جلدي كأنه حي، يحاول العودة."لا تحبسيه"، قالت وهي تمسك معصمي. "دعيه يسقط."سقطت القطرة في منتصف الدائرة. لم يترك التراب أثراً. ابتلعها.اهتزت الأرض تحتنا. همس عميق صعد من الشقوق،

  • أكاديمية المستذئبين: العبدة بلا ذئب   الفصل الحادي والثلاثون: إلى الجبال

    في الليلة الثالثة، سمعت الأقفال تُفتح.لم تكن خطوات الحراس المعتادة. كانت أثقل، أقرب، وكأن أحدهم يجرّ شيئًا جراً على الحجر. جلستُ منتصبة فوق القش، أضمّ البتلة الفضية في راحتي وأخفيها خلف ظهري. لم أعرف لماذا أخفيها تحديداً، لكن شيئًا في داخلي همس لي: لا تدعي أحدًا يرى ما تحملين الآن.انفتح الباب بعنف، ودخل رجلان بثياب سوداء لا تحمل أي شعار للأكاديمية. لم يكونا من الحرس إطلاقاً. كان الأول نحيفًا، بأنف مكسور، وفي يده خنجر قصير يلمع. أما الثاني فكان أضخم جثة، ويحمل كيسًا من القماش الأسود ألقاه أرضًا أمام قدميّ بلا اكتراث.قال النحيف بصوت جاف كالورق:"المجلس قدم الحكم. لن ننتظر ثلاثة أيام." ثم نظر إلى رفيقه ببرود، وأضاف: "افتح الكيس."فهمتُ قبل أن يفتحه حتى. أخرج الضخم من الكيس حبلًا وثيقًا، وربطه حول معصمي بهدوء مخيف، ثم مدّ النحيف يده مباشرة نحو القلادة المعلقة على رقبتي. لمستُ القلادة في ذات اللحظة التي لمستها فيها أصابعه، فتوقف فجأة. نظر إليّ نظرة غريبة مليئة بالصدمة، كأن يده قد لسعت بنار غير مرئية."ماذا بك؟" سأله الأضخ

  • أكاديمية المستذئبين: العبدة بلا ذئب   الفصل الثلاثون: التاج أو ليرا

    "سأختار."وقعت الكلمة في صمت المعبد، فلم ترفع صوتها، ولم تنكسر، لكنها كانت كفيلة بأن توقف كل شيء. حتى الأنفاس بدت وكأنها تتجمد في الصدور.تقدم كايل خطوة نحو وسط الدائرة، بين المجلس وبين التمثال. كان وجهه هادئًا، لكنني رأيت أصابعه تضغط على طرف عباءته السوداء، ورأيت عرقًا رقيقًا في جبينه يلمع تحت ضوء القمر المنهمر من فتحات السقف. قال بصوت خالٍ من التردد:"أيها المجلس، أريد أن أفهم ثمن الاختيار قبل أن أختار. إن وضعت التاج على رأسي الآن، ماذا سيحدث لها؟"نظر كبير المجلس إليه، ثم نظر إليّ، وعقد ذراعيه. قال ببطء، وكأنه يمضغ كل كلمة:"الفتاة التي رفضتها الإلهة ستحبس تحت الأكاديمية. سيبقى الطلاب في أمان، وستبقى مملكتنا في أمان. أما هي فستكون موضع تحقيق، حتى نفهم طبيعة تلك العلامة التي ظهرت على ذراعها.""وبعد التحقيق؟""بعد التحقيق، ينفذ فيها حكم الإلهة."نظر كايل إلى التمثال. كان الرخام الأبيض ساكنًا، وقد عاد إليه لونه الأول، وكأن الإلهة لن تنطق بعد الآن. سأل:"وإن اخترت هي؟"ابتسم كبير المجل

  • أكاديمية المستذئبين: العبدة بلا ذئب   الفصل التاسع والعشرون: محاكمة القمر

    جاؤوا عند الفجر. ليس لأخذي إلى محكمة دم. بل إلى محاكمة القمر.ثلاثة حراس بأقنعة حديدية فتحوا باب برج كايل دون طرق. قالوا: "أمر المجلس. محاكمة القمر اليوم. الإلهة ستقرأ دمها."كنت أعرف ما تعنيه. منذ أن تجمدت البحيرة، وهم يهمسون بها في الممرات. محاكمة لا يُحاكم فيها مجرم، بل دم. يضعون يدكِ على حجر القمر، والإلهة تقول إن كنتِ من نسلها أم لا.ألبسوني ثوباً رمادياً خشناً، ليس لي. لم يسمحوا لي بغسل وجهي. أرادوني كما وجدوني أول مرة: خادمة بلا ذئب.ساروا بي عبر الممرات. مئات الطلاب واقفون عند النوافذ، صامتون. هذه المرة لا ضحك. لأن محاكمة القمر لا تُعقد إلا مرة كل عشر سنوات. وآخر من فشل فيها أُحرق.توقفنا أمام المعبد القمري.حجر أبيض، أعمدة عليها ذئاب تعوي، وفي داخله برد لا يأتي من الطقس. في الوسط تمثال الإلهة القمرية، امرأة رخامية ترفع ذراعيها نحو فتحة في السقف ينزل منها ضوء القمر حتى في النهار. أمامها حجر أسود يطفو فوق قاعدة فضية. حجر القمر.المجلس كله هناك بأرديته الحمراء والسوداء. وخلفهم، وراء الحبال، كل طلاب الأكاد

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status