Masukكان الليل في تلك الليلة مختلفاً عن كل الليالي. القمر مكتملٌ، ضخمٌ وعاجي، معلقٌ فوق الأكاديمية كعينٍ لا ترمش، والنسيم يحمل رائحة التراب المبلل والراتنج، ورائحة شيءٍ آخر لا أعرف اسمه. ربما كان التوتر، أو ربما كان التوقع؛ تلك الرائحة التي تسبق الأحداث الكبيرة، رائحة الهواء قبل أن ينشقّ.
أخبرني خادمٌ صامت، عبر طرقته الخافتة على الباب، أنني يجب أن أرتدي ثوباً أسود وأذهب إلى الساحة المركزية. لم أكن أعرف ما الذي يحدث، لكنني تعلمتُ ألا أسأل. ارتديتُ الثوب، وخرجتُ.
كانت الساحة مكتظة. اصطفّ الطلاب جميعاً في صفوفٍ طويلة، يرتدون أثواباً بيضاء تلمع تحت ضوء القمر، وجوههم متجهة نحو منصةً حجرية في منتصف الساحة حيث وقف كايل وحده، مرتدياً ذهباً داكناً، ويداه مشبوكتان أمامه. كان منظره مؤلماً لسببٍ لا أستطيع تفسيره، كأنه مصنوع من مسافة لا يمكن عبورها.
وقفتُ في الظل، خلف صفوف المتفرجين، بعيداً عنهم. لم يكن أحد قد رآني بعد، أو هكذا ظننت.
وقف رجلٌ عجوزٌ أمام المنصة، ورفع يديه عالياً، فأخذت الساحة تصمت تدريجياً. كان صوته خشنًا لكنه يصل إلى كل ركن، وهو يقول كلماتٍ لا أستطيع تذكرها الآن، عن القمر، والذئاب، والرفاق الذين تختارهم الإلهة لكل واحدٍ منا. كان يتكلم عن شيء يشبه القدر، شيء يحدث لكَ لا باختيارك، شيء يعيد تشكيلك من الداخل دون أن يسألك إن كنت مستعداً.
شعرتُ ببرودةٍ تسري في يدي. لم أكن أريد سماع هذا. كان الأمر يبدو كوعدٍ تحتفظ به لغيري، كنافذةٍ تغلق في وجهي قبل أن أقرّب منها.
بدأ الطلاب يتقدمون واحداً تلو الآخر، ويقفون عند المنصة، ويرفع المدير العجوز يده فوق رؤوسهم. في كل مرة، كان الطالب يتجمد للحظة، ثم يهتز، وكأن شيئاً تمرّ به، وترتسم على وجهه نظرة الفهم الصامت. كانت العملية سريعة، لكنها كانت شخصية جداً، لدرجة أنني شعرت أنني أتطفل على شيء لا يحق لي رؤيته. كان كل واحدٍ منهم يُختبر أمام القمر، ويُثبَت أن له مكاناً في هذا العالم.
وصل الدور إلى ثلاثة طلاب كانوا قد وقفوا بجانبي في ساحة التدريب. رأيت الأشقر منهم يتقدم، فيقف عند المنصة، فتمتد فوقه اليد العجوز، فيتصلب لحظة، ثم يهتز. Когда المدير نطق ببطء: "ذئب القمر الفضي." انحنيت في مكاني. كان لصقاً: يشعر الطلاب بالنخوة، لكنه كان بلا معنى لي.
تابعتُ. كانوا جميعاً يحصلون على أسمائهم، ويشربون من النور، ويعودون إلى صفوفهم كأنهم ولدوا من جديد.
ثم تقدم كايل.
عندما وقف على المنصة، تغير شيءٌ في الهواء. لم يكن مجرد طالبٍ يتقدم؛ كان ملكاً يصعد على عرشه. صمتت الساحة تماماً، حتى الأنفاس بدت كأنها تتلاشى. وقف أمام المدير العجوز، وأحنى رأسه قليلاً، والجميع يحدقون به.
رفع المدير يده، وبدأ يتمتم بكلماتٍ قديمة. رأيتُ جسد كايل يتصلب، وشفتاه تنضغطان. كانت عيناه مغمضتين، وجبهته تتجعد قليلاً. كنتُ أراقبه من بعيد، وأشعر بقلبي ينبض ببطء، كما لو أن شيئاً في صدري كان يردد نبضه.
ثم حدث ما لم أستطع تفسيره.
تحرّك الضوء.
كان ضوء القمر يتساقط على المنصة كالمعتاد، لكنني رأيتُه فجأة يتكثف، يتجمع، يتحول إلى خيطٍ رفيع ينساب في الهواء. لم يكن أحد سواي يراه، هكذا ظننت. سار الخيط نحوي ببطء. لم أستطع أن أتحرك، لم أستطع أن أبتعد. كان يشبه لعاب عنكبوت من الضوء، أو خيطاً فضيًّا مسحوباً من قلب القمر.
وصل إليّ.
حين لمس صدري، شعرتُ بشيءٍ ينفجر في داخلي. ليس ألماً، بل امتلاءً مفاجئاً، كأن المكان الذي كان فارغاً في داخلي طوال حياتي قد امتلأ دفعةً واحدة. كان ذلك فارغاً أكبر من مجرد غياب ذئب؛ كان غياباً لشيءٍ لم أكن أعرف اسمه لكنه كان حقيقياً. الآن، كان ممتلئاً، كأن جسداً آخر يسكن جسدي، وينبض بنبضه.
سمعتُ صوتاً غريباً. استغرق الأمر لحظة لأدرك أنه كان أنيناً صادراً عني. انحنيتُ وركبتاي ترتعشان، وضعتُ يدي على صدري حيث لمسني الضوء. كان الجلد يحترق ببرودة شديدة، وتحت أصابعي، شعرتُ بشيءٍ يتحرك، ينبض، يرفرف.
نظرتُ نحو المنصة فجأة.
وقف كايل ويداه على صدره أيضاً. كانت عيناه مفتوحتين، تحدقان فيّ من عبر الحشد. لم أرَ في عينيه غضباً ولا اشمئزازاً هذه المرة؛ رأيتُ شيئاً يشبه الذهول، ثم شيئاً يشبه الألم. تراجع خطوةً إلى الوراء، وكانت حركته غير متزنة، كأنه تلقى ضربةً على رأسه.
والتقت عينانا.
في تلك اللحظة، شعرتُ بشيءٍ يجرّني نحوه. كان يجذبني من مكانٍ في صدري لا أعرفه، خيطٌ غير مرئي مربوط بيني وبينه. وقفتُ رغم رعشتي، وبدأتُ أتقدم، دون أن أعي أنني أتحرك. كانت قدماي تخطوان من تلقاء نفسهما، وتأخذانني عبر الحشد، بين الطلاب المذهولين، عبر الهواء الذي صار سميكاً كالماء.
"ماذا تفعلين؟" سمعتُ أحدهم يقول، لكنني لم أستطع الرد.
كان هو أيضاً يتحرك نحوي. رأيتُه يدفع الهواء بيده، كأنه يقاوم شيئاً يضغط عليه. كانت المسافة تقصُر. خمس خطوات، أربع، ثلاث. رأيتُ عينيه تغرقان في الذهب، ورأيتُ على شفتيه كلمةً لم تصل إلى أذني.
ثم انفجر شيء بيننا.
كان نوراً أبيض فضيًّا، يخرج من صدري ومن صدره في آن واحد، فغمر الساحة كلها. لم أستطع رؤية أي شيء؛ رأيتُ فقط النور الذي كان يتدفق، ويتشابك، ويلتف حولنا، كأن إلهةً ما كانت تعقد خيطنا الأول وأخيراً في السماء.
سمعتُ صرخة قديمة في داخلي، ثم شعرتُ بالأرض تنزلق من تحت قدمي. سقطتُ.
وجسدي فوق الحجر البارد، رأيتُ فوقي السماء تدور والقمر يتضاعف. كان كل شيء يطنّ. ثم رأيتُ ظلاً يقترب مني، أو ربما رأيتُ نظرة عينيه الرماديتين، أو ربما سمعتُ شيئاً يشبه همساً أتى من بعيد.
"شريكة روحي..."
لم أكن أعرف إن كان هو من قالها أم أن القمر كان يقولها لنا. لكن الكلمة كانت ترن في صدري كجرسٍ مصنوع من جليد.
ثم ارتجف كل شيء، وأظلمت الدنيا.
34في الفجر الثاني، وضعت العجوز في كفّي وعاءً حجريًا صغيرًا، وأمرتني أن أملأه بدمي.لم تجلس على مقعدها هذه المرة. وقفت أمامي في وسط الدائرة، وذراعاها مضمومتان إلى صدرها، ووشاحها الأحمر المتحلل يلامس طرف أصابعها كلما تحركت.قالت بصوت مسطح، لا يشبه التحذير ولا الغضب:"اليوم نتعلم الدرع.""وماذا يعني الدرع؟"رمقتني بنظرة قصيرة."أن تصنعي من دمكِ شيئًا لا يخترقه أحد.""لأحمي نفسي؟"صمتت لحظة، ثم قالت الجملة التي ظلت تدور في رأسي ساعات:"الدرع لا يُبنى لمن يريد أن ينجو فقط. يُبنى لمن يعرف ما الذي يريد أن ينجو من أجله. من يخاف وحده لا يصنع درعًا. ومن يحب وحده قد يهدمه. أما من يعرف... فيعرف كيف يحمي.""وأنا، ما الذي أعرفه؟""هذا ما سنكتشفه."جرحت كفي، وملأت الوعاء.خرج الدم فضيًا كما هو دائمًا، وأخذ يلمع فوق الحجر الأسود، ثم اضطرب كأن الوعاء نفسه يريد أن يتنفس.وضعت العجوز إصبعها على سطحه ونطقت كلمتين لم أفهمهما.هدأ الدم."الآن ارفعي يدكِ
33بدأ الدرس في منتصف الليل، ولم يبدأ بكلمة.كنتُ مستلقية على الحصير في زاوية الكوخ، وقلبي ما زال يخفق من النبضة التي هزّت صدري في الدائرة. كانت النار قد خبت حتى صارت جمرًا أحمر يلمع تحت الرماد، والريح خارج الجدران تعوي كأنها تريد أن تدخل. ثم سمعت صوتًا لم يكن صوت الريح.مخالب على الحجر.انتفضتُ واقفة. على مسافة ذراع مني كانت العجوز واقفة عند الباب، عصاها في يدها، ووشاحها الأحمر المتحلل معلقًا على كتفها. لم تلتفت إليّ. كانت تنظر إلى العتمة خارج الكوخ.قالت بصوت هادئ كأنها تتكلم عن الطقس:"ارتدي حذاءك.""ما الأمر؟""الليل الأول لا يأتي إليك. تذهبين أنتِ إليه."خرجنا.كان الهواء يلسع وجهي حتى شعرت أن جلد رأسي يتقلص. كان القمر مكتملًا تقريبًا، يضيء الجبل بضوء فضي بارد يلامس الصخر فيمنحه لون العظام. لم ننزل في المسار الذي صعدتُ منه، بل اتجهنا إلى الجهة الأخرى من القمة، حيث تنكسر الصخور وتنفتح هاوية طويلة، لا ترى لها قاعًا حتى في ضوء القمر، وكان صفير الريح في ذلك الشق يشبه تنفس شيء ضخم نائم.
32لم تفتح لي الباب.كانت تجلس أمام الموقد، وعصاها مستندة على ركبتها، ودائرة مرسومة على التراب أمامها. لم ترفع عينيها حين دخلت.قالت: "تأخرتِ.""كنتِ تنتظرينني؟""الجبل كان ينتظركِ."اقتربتُ من النار. كانت ترتجف رغم دفء الكوخ. مددت يدي إلى قلادتي بلا وعي.قالت دون أن تنظر: "لا تلمسيها. كلما خفتِ، تسخن. وهي تعلمت منكِ الخوف أسرع مما تعلمتِ أنتِ الشجاعة."جلستُ. للمرة الأولى منذ أيام، لم يطلب مني أحد أن أركع أو أخفض رأسي.نظرت إليّ أخيراً."أتعرفين لماذا لا يملك قطيع الأكاديمية ذئباً مثلكِ؟"هززت رأسي."لأنهم يظنون أن الذئب يسكن الجسد. أنتِ لستِ من نسل الذئاب، يا ليرا. الذئب لا يسكنكِ. أنتِ تسكنين دمه."سكتُ. طوال حياتي قيل لي إن غياب الذئب هو عيب. والآن تقول إنه ليس غائباً، بل أنا الضيفة فيه.قالت: "مدي يدكِ."مددتها. أخذت سكيناً رمادية وشقت كفي شقاً صغيراً. لم أصرخ هذه المرة.خرج الدم فضياً. لم يسل. تحرك على جلدي كأنه حي، يحاول العودة."لا تحبسيه"، قالت وهي تمسك معصمي. "دعيه يسقط."سقطت القطرة في منتصف الدائرة. لم يترك التراب أثراً. ابتلعها.اهتزت الأرض تحتنا. همس عميق صعد من الشقوق،
في الليلة الثالثة، سمعت الأقفال تُفتح.لم تكن خطوات الحراس المعتادة. كانت أثقل، أقرب، وكأن أحدهم يجرّ شيئًا جراً على الحجر. جلستُ منتصبة فوق القش، أضمّ البتلة الفضية في راحتي وأخفيها خلف ظهري. لم أعرف لماذا أخفيها تحديداً، لكن شيئًا في داخلي همس لي: لا تدعي أحدًا يرى ما تحملين الآن.انفتح الباب بعنف، ودخل رجلان بثياب سوداء لا تحمل أي شعار للأكاديمية. لم يكونا من الحرس إطلاقاً. كان الأول نحيفًا، بأنف مكسور، وفي يده خنجر قصير يلمع. أما الثاني فكان أضخم جثة، ويحمل كيسًا من القماش الأسود ألقاه أرضًا أمام قدميّ بلا اكتراث.قال النحيف بصوت جاف كالورق:"المجلس قدم الحكم. لن ننتظر ثلاثة أيام." ثم نظر إلى رفيقه ببرود، وأضاف: "افتح الكيس."فهمتُ قبل أن يفتحه حتى. أخرج الضخم من الكيس حبلًا وثيقًا، وربطه حول معصمي بهدوء مخيف، ثم مدّ النحيف يده مباشرة نحو القلادة المعلقة على رقبتي. لمستُ القلادة في ذات اللحظة التي لمستها فيها أصابعه، فتوقف فجأة. نظر إليّ نظرة غريبة مليئة بالصدمة، كأن يده قد لسعت بنار غير مرئية."ماذا بك؟" سأله الأضخ
"سأختار."وقعت الكلمة في صمت المعبد، فلم ترفع صوتها، ولم تنكسر، لكنها كانت كفيلة بأن توقف كل شيء. حتى الأنفاس بدت وكأنها تتجمد في الصدور.تقدم كايل خطوة نحو وسط الدائرة، بين المجلس وبين التمثال. كان وجهه هادئًا، لكنني رأيت أصابعه تضغط على طرف عباءته السوداء، ورأيت عرقًا رقيقًا في جبينه يلمع تحت ضوء القمر المنهمر من فتحات السقف. قال بصوت خالٍ من التردد:"أيها المجلس، أريد أن أفهم ثمن الاختيار قبل أن أختار. إن وضعت التاج على رأسي الآن، ماذا سيحدث لها؟"نظر كبير المجلس إليه، ثم نظر إليّ، وعقد ذراعيه. قال ببطء، وكأنه يمضغ كل كلمة:"الفتاة التي رفضتها الإلهة ستحبس تحت الأكاديمية. سيبقى الطلاب في أمان، وستبقى مملكتنا في أمان. أما هي فستكون موضع تحقيق، حتى نفهم طبيعة تلك العلامة التي ظهرت على ذراعها.""وبعد التحقيق؟""بعد التحقيق، ينفذ فيها حكم الإلهة."نظر كايل إلى التمثال. كان الرخام الأبيض ساكنًا، وقد عاد إليه لونه الأول، وكأن الإلهة لن تنطق بعد الآن. سأل:"وإن اخترت هي؟"ابتسم كبير المجل
جاؤوا عند الفجر. ليس لأخذي إلى محكمة دم. بل إلى محاكمة القمر.ثلاثة حراس بأقنعة حديدية فتحوا باب برج كايل دون طرق. قالوا: "أمر المجلس. محاكمة القمر اليوم. الإلهة ستقرأ دمها."كنت أعرف ما تعنيه. منذ أن تجمدت البحيرة، وهم يهمسون بها في الممرات. محاكمة لا يُحاكم فيها مجرم، بل دم. يضعون يدكِ على حجر القمر، والإلهة تقول إن كنتِ من نسلها أم لا.ألبسوني ثوباً رمادياً خشناً، ليس لي. لم يسمحوا لي بغسل وجهي. أرادوني كما وجدوني أول مرة: خادمة بلا ذئب.ساروا بي عبر الممرات. مئات الطلاب واقفون عند النوافذ، صامتون. هذه المرة لا ضحك. لأن محاكمة القمر لا تُعقد إلا مرة كل عشر سنوات. وآخر من فشل فيها أُحرق.توقفنا أمام المعبد القمري.حجر أبيض، أعمدة عليها ذئاب تعوي، وفي داخله برد لا يأتي من الطقس. في الوسط تمثال الإلهة القمرية، امرأة رخامية ترفع ذراعيها نحو فتحة في السقف ينزل منها ضوء القمر حتى في النهار. أمامها حجر أسود يطفو فوق قاعدة فضية. حجر القمر.المجلس كله هناك بأرديته الحمراء والسوداء. وخلفهم، وراء الحبال، كل طلاب الأكاد







