Mag-log inاستيقظتُ على صوت تنفسٍ ثقيل، وعلى ألمٍ يختبئ في كل خليةٍ من جسدي كأنني نزلتُ من حلمٍ طويل عن طريق الصدمة. كان سقفاً حجرياً فوقي، وبجانبي، غرفةٌ مليئة بالوجوه التي تحوم في ضباب. لم أكن أعرف كم مرّ من الوقت. ربما دقائق، ربما ساعات. كل ما عرفته أنني ممددةٌ على الأرض، وأن شيئاً في صدري ما زال ينبض بنبضةٍ غريبة، كأنه قلبان.
رفعتُ رأسي بصعوبة. كان الطلاب قد شكّلوا دائرةً واسعة حولنا، عيونهم مفتوحة على مصراعيها، وهمساتهم تتصاعد وتنخفض كأمواج بعيدة. المدير العجوز وقف عند المنصة، ووجهه شاحبٌ غير متحرك. ثم رأيتُه.
كايل كان جالساً على الأرض أيضاً، على بعد خطواتٍ مني. كان مرفقاه على ركبتيه، ورأسه منحنٍ، يتنفس بصعوبة كما لو أنه ركض مسافةً طويلة. كان شعره مبعثراً، ويده اليمنى تضغط على صدره حيث كان الضوء قد دخل. لم يكن ينظر إليّ؛ كان ينظر إلى الأرض، إلى نقطةٍ لا أفهمها.
"كايل", قال المدير العجوز بصوتٍ يرتجف قليلاً. "هذا... هذا مستحيل. نحن بحاجة إلى فهم ما حدث."
رفع كايل رأسه ببطء. رأيتُ عينيه: كانتا لا تزالان تحملان وميضاً ذهبيًّا من أثر الانفجار، لكنهما كانتا يصطادان شيئاً آخر. كان يشبه الخوف، لكنه كان أكثر برودة. ثم رأيتُه يبحث عني وسط الدائرة، وعندما وجدني، تصلب. رأيتُه يبتلع ريقه، ويرى ما أعتقد أنه شيءٌ مألوف بقسوة.
وقف. كانت حركته بطيئة، لكنها واثقة. وقف وسحب كتفيه إلى الوراء، وأعاد إلى وجهه قناعه القديم: الهدوء الذي لا يهتز. مد يده ورفع يده نحو الحشد، فأخذت الهمسات تتلاشى تدريجياً.
قال: "لقد حدث شيءٌ غير متوقع. لكن لا داعي للقلق. سأعالجه."
"كيف؟" سأل أحد الطلاب من بعيد.
"هذا قراري", قال كايل. ثم التفت نحو المدير العجوز وأضاف بصوتٍ منخفض: "أرسل الجميع إلى غرفهم. سأتحدث معها وحدي."
كان يمكن أن ينتهي الأمر هناك. كان يمكن أن يهمس لي بأن هذا خطأ، وأننا سنجد حلاً. كان يمكن لأي شخصٍ آخر أن يفعل ذلك. لكن كايل لم يفعل.
وقبل أن أستطيع النهوض، وقبل أن أستطيع أن أقول أي شيء، سمعته يتكلم، بصوتٍ مرتفعٍ يُسمع كل الحشد، كما لو أنه يصدر حكماً في محكمة:
"أريد فقط أن أوضح شيئاً واحداً."
توقفت الساحة. حتى الريح توقفت.
قال: "أنا كايل فروست، ألفا هذا الأكاديمية. لا يمكن أن تكون رفيقتي عبداً بلا ذئب. أفضّل الموت على أن تكون أَمَةٌ بلا ذئب رفيقتي."
الكلمات سقطت كالحجارة.
لم أستطع التنفس. شعرتُ أن شيئاً في صدري انشقّ، ثم انفجر ضوءٌ رمادي بارد من مكانٍ ما بين ضلوعي. سمعتُ نفسي أصرخ، لكن الصوت لم يكن صوتي؛ كان شيئاً مكسوراً، يشبه عواءً قادماً من جسدٍ لا يملك ذئباً. تمدد الألم في جسدي كله، بدأ من صدري، ثم انتشر إلى ذراعيّ، إلى رقبتي، إلى رأسي، حتى صار الألم هو العالم الوحيد الذي أراه.
ركعتُ. أمسكتُ صدري بيدي، وشعرتُ بشيءٍ يتمزق بداخلي. لم يكن العضو، بل كان الخيط الذي تكوّن بيننا قبل لحظات؛ رأيتُه يتقطع كخيطٍ فضي مشدود، وكل عقدةٍ تنفصم تترك في جسدي جرحاً لا يلتئم. تنفست، لكن الهواء لم يكن يكفي. كان كأنني أغرق من الداخل، وكأن البحر الذي كان يملأني كان ينسحب فجأة، ويأخذ معه كل شيء.
رأيتُ الدم يلمع على شفتيّ. كان فضيًّا، مثل الدم الذي رأيته من قبل، لكنه لم يكن يزهر الآن؛ كان يسقط على الأرض، وتتجمد قطراته وتحوّلت إلى جليدٍ صغير قبل أن تتحطم.
نظرتُ إلى كايل. كان واقفاً في مكانه، ووجهه يتلوى ألماً. رأيتُه يكافح، يضغط على صدره، ويتنفس كما لو كان الألم يضرب ضربات متساوية. لقد أصابه الرفض أيضاً. لكنه وقف. وقف رغم الألم، ورغم أن عينيه كانتا تلمعان بذهولٍ لا يعرف اسمه.
قال بصوتٍ مبحوح، لا يسمعه غيري: "اذهبي. ابعدي عني. أنتِ لعنة."
لم أستطع المشي. كنتُ أزحف نحو الحافة، ثم سقطت على ركبتيّ. كان الطلاب قد بدأوا يتحركون، بعضهم يتراجع، وبعضهم يضحك بصوتٍ خافت. كان كايل قد أدار ظهره. رأيتُه يبتعد، وخطوته ثقيلة، وكأنه يجرّ شيئاً ميتاً خلفه. كان يمسك صدره بيده، لكنه لم يلتفت.
أنا لا أتذكر الباقي تماماً. أتذكر أن المدير العجوز أمر اثنين من الطلاب بحملي إلى مكانٍ ما، ثم شعرتُ بأنني أُسحب على طول ممرٍ بارد. أتذكر أن الضوء كان يضرب وجهي من زاوية غريبة، وأن سقفاً يمرّ فوقي مثل ممرٍ لا نهاية له. ثم أتذكر باباً حديدياً أُغلق خلفي، وصوت مزلاجٍ يحكم القفل.
دخلتُ إلى زنزانة صغيرة، بلا نوافذ، يصلها ضوءٌ خافت من فتحةٍ في السقف. كان الجو بارداً ورطباً، والأرض ترابية، وبجانب الجدار كان هناك قشٌّ معفن. ألقوني هناك مثل شيءٍ لم يعد ضرورياً.
بكيتُ. لأول مرة منذ سنوات، بكيتُ بلا توقف، بلا صوت، بلا أنانية. كانت دموعي تسيل على وجهي، وعندما سقطت على الأرض، تحولت إلى جليد صغير، مكونةً زهورا ًشاحبة على التراب. نظرت إليها في الظلام، ورأيتُ نفسي فيها: أشياءٌ تنمو في أماكن لا ينبغي لها أن تنمو، فقط لتذبل.
في مكانٍ ما في أعماقي، سمعتُ صوتاً قديماً، صوت خادمٍ من دار الأيتام حيث نشأت، كان يقول: "لا أحد سيحبكِ. لا أحد سيختاركِ." كنتُ أعتقد أنني تجاوزت ذلك. لكن الرفض جعل تلك الكلمات تنبض من جديد، أقوى من قبل، وتلتف حول قلبي كحبلٍ مشدود.
لم أكن أعرف ما هو الرفيق الحقيقي في ثقافتهم. لكنني عرفت أن ما حدث لم يكن مجرد كلمات. كان قطعًا لحبلٍ حي، وكان النزيف الذي يتبع ذلك لا يشبه أي ألمٍ عرفته. حتى الجلد، حتى الأكل من القمامة، كانت أطفالاً مقارنة بهذا. هذا كان شيئاً آخر: كأن نصف روحي قد انتُزع مني، وأنا ما زلت أحاول أن أتنفس.
مرّ وقتٌ لا أعرف مقداره. في الظلام، كان الجليد حولي يزداد اتساعاً. تغطت الأرض بطبقة رقيقة من الصقيع، وبدأت الرطوبة على الجدران تتحول إلى بلورات. كنتُ أرتجف، لكنني لم أعد أشعر بالبرد؛ كنتُ أشعر فقط بالثقب في صدري، بالفراغ الذي تركته روحٌ عادت إلى مكانها.
ثم سمعتُ صوت خطوات خارج الباب.
توقفت عن البكاء، ورفعت رأسي.
فتح الباب. وقف كايل في المدخل، ووجهه شاحب، وعيناه محمرتان، ورائحة دمٍ خفيفة حوله. لم يكن يرتدي ذهبه؛ كان يرتدي قميصاً بسيطاً متسخاً، وكانت يده اليمنى ملفوفة بقطعة قماش مبللة. نظر إليّ، ثم نظر إلى الجليد الذي يغطي الأرض، وإلى الزهور الجليدية الصغيرة التي نبتت من دموعي. تجمد مكانه، وعيناه تتسعان ببطء.
"ما هذا؟" سأل بصوتٍ مبحوح.
لم أجب. كنتُ جالسة على الأرض، أرتجف، وأحدق فيه بدون أن أعرف ما الذي أشعر به.
"ما هذا الذي تفعلينه؟" كرر، صوته كان أعلى، لكنه كان لا يزال أضعف من المعتاد.
"أنا لا أفعل شيئاً", قلت أخيراً، وصوتي كان يتشقق كزجاج.
"أنا لا أبكي. أنا فقط... أتجمد."
نظر إليّ طويلاً. ثم قال بصوتٍ غريب، قد يكون حزيناً أو ساخطاً: "إذا كان هذا يحدث لكِ، فأنتِ لستِ مجرد بلا ذئب. أنتِ شيءٌ آخر. شيءٌ خطر."
"ربما", قلت. "لكنك أيقظته. أنت. عندما رفضتني."
لم يرد. أدار ظهره فجأة، وغادر، وأغلق الباب بقوة. سمعتُ المزلاج ينزلق مرة أخرى.
بقيتُ وحدي في الظلام، بين الجليد والدموع، وأنا أضغط على صدري حيث الخيط المقطوع. كان الفراغ ينبض، لكنه كان حياً. كان مؤلماً، لكنه كان حياً. وفي تلك الليلة، بين الزنزانة الباردة وجسدٍ كان ينهار، عاهدتُ نفسي على شيء واحد:
إذا كان رفضه يقتلني، فسوف أتعلم أن أستخدم هذا الألم. سأجعل من هذا الفراغ قوة. وسيدفع ثمناً لكل قطرة دمعة تجمدت هنا.
لم أكن أعرف بعدُ ما كنتُ سأصبح. لكنني عرفت أنني لن أبقى ما كنتُه.
استيقظتُ على صوت تنفسٍ ثقيل، وعلى ألمٍ يختبئ في كل خليةٍ من جسدي كأنني نزلتُ من حلمٍ طويل عن طريق الصدمة. كان سقفاً حجرياً فوقي، وبجانبي، غرفةٌ مليئة بالوجوه التي تحوم في ضباب. لم أكن أعرف كم مرّ من الوقت. ربما دقائق، ربما ساعات. كل ما عرفته أنني ممددةٌ على الأرض، وأن شيئاً في صدري ما زال ينبض بنبضةٍ غريبة، كأنه قلبان.رفعتُ رأسي بصعوبة. كان الطلاب قد شكّلوا دائرةً واسعة حولنا، عيونهم مفتوحة على مصراعيها، وهمساتهم تتصاعد وتنخفض كأمواج بعيدة. المدير العجوز وقف عند المنصة، ووجهه شاحبٌ غير متحرك. ثم رأيتُه.كايل كان جالساً على الأرض أيضاً، على بعد خطواتٍ مني. كان مرفقاه على ركبتيه، ورأسه منحنٍ، يتنفس بصعوبة كما لو أنه ركض مسافةً طويلة. كان شعره مبعثراً، ويده اليمنى تضغط على صدره حيث كان الضوء قد دخل. لم يكن ينظر إليّ؛ كان ينظر إلى الأرض، إلى نقطةٍ لا أفهمها."كايل", قال المدير العجوز بصوتٍ يرتجف قليلاً. "هذا... هذا مستحيل. نحن بحاجة إلى فهم ما حدث."رفع كايل رأسه ببطء. رأيتُ عينيه: كانتا لا تزالان تحملان وميضاً ذهبيًّا من أثر الانفجار، لكنهما كانتا يصطادان شيئاً آخر. كان يشبه الخوف، لكنه
كان الليل في تلك الليلة مختلفاً عن كل الليالي. القمر مكتملٌ، ضخمٌ وعاجي، معلقٌ فوق الأكاديمية كعينٍ لا ترمش، والنسيم يحمل رائحة التراب المبلل والراتنج، ورائحة شيءٍ آخر لا أعرف اسمه. ربما كان التوتر، أو ربما كان التوقع؛ تلك الرائحة التي تسبق الأحداث الكبيرة، رائحة الهواء قبل أن ينشقّ.أخبرني خادمٌ صامت، عبر طرقته الخافتة على الباب، أنني يجب أن أرتدي ثوباً أسود وأذهب إلى الساحة المركزية. لم أكن أعرف ما الذي يحدث، لكنني تعلمتُ ألا أسأل. ارتديتُ الثوب، وخرجتُ.كانت الساحة مكتظة. اصطفّ الطلاب جميعاً في صفوفٍ طويلة، يرتدون أثواباً بيضاء تلمع تحت ضوء القمر، وجوههم متجهة نحو منصةً حجرية في منتصف الساحة حيث وقف كايل وحده، مرتدياً ذهباً داكناً، ويداه مشبوكتان أمامه. كان منظره مؤلماً لسببٍ لا أستطيع تفسيره، كأنه مصنوع من مسافة لا يمكن عبورها.وقفتُ في الظل، خلف صفوف المتفرجين، بعيداً عنهم. لم يكن أحد قد رآني بعد، أو هكذا ظننت.وقف رجلٌ عجوزٌ أمام المنصة، ورفع يديه عالياً، فأخذت الساحة تصمت تدريجياً. كان صوته خشنًا لكنه يصل إلى كل ركن، وهو يقول كلماتٍ لا أستطيع تذكرها الآن، عن القمر، والذئاب، وال
مرت الأيام كقطط خائفة: تنسلّ، تختفي، ولا تترك أثراً. كنتُ أحصيها واحدةً تلو الأخرى من خلف نافذة غرفتي الصغيرة، حيث الضوء يأتي متأخراً ويغادر مبكراً. لم أكن أخرج إلا عندما يُطلب مني، ولم يكن أحد يطلب مني شيئاً. كايل لم يرسل إليّ طعاماً بنفسه؛ كان يرسل خادماً صامتاً يضع الصينية عند الباب ويختفي. ولم أكن أعرف إن كان ذلك عقاباً أم حمايةً أم مجرد نسيان.في جيبي، بقيت البتلة الفضية التي قطفتها تلك الليلة. كانت قد ذبلت، لكنها كانت تحتفظ بلونها، كأنها ترفض أن تموت تماماً. كنتُ أخرجها في الليل، وأحدق فيها تحت ضوء القمر، وأتساءل: ما الذي يجعل دمي فضيًّا؟ ما الذي جعل الزهور تفتح عند لمسي؟ لم أكن أعرف الإجابة. لكنني كنتُ أعرف أن كايل كان يبحث عنها أيضاً؛ رأيتُ الكتب تُكوم في مكتبه، رأيتُه يقرأ حتى وقت متأخر، والضوء تحت بابه كان يتوهج كأنه جرحٌ مفتوح.في اليوم السابع، فُتح الباب دون طرق. وقف كايل في المدخل، مرتديًا معطفاً أسود طويلاً، وعيناه تنظران إليّ كعادتهما: بلا شفقة، بلا قسوة، فقط مراقبة. قال: "ارتدي معطفكِ الثقيل. سترافقينني اليوم."لم أسأل إلى أين. لا فائدة من الأسئلة معه؛ كان يجيب فقط بما
بعد حادثة الحظيرة، تغير شيءٌ في الطريقة التي ينظر بها الطلاب إليّ. لم يعودوا يتجاهلونني كقطعة أثاث. صاروا ينظرون إليّ بنوعٍ من الفضول، كأنني شيءٌ غريب أُحضر إلى معرض، يُشار إليه بالأصابع لكن لا أحد يلمسه. ربما كانت القصة قد انتشرت: أنني أكلتُ من بقايا الطعام ولم أبكِ. ربما كان ذلك غريباً بما يكفي ليجعلني شيئاً يُذكر، حتى لو كان الذكر ازدراءً.لكن كايل لم يتغير. كان لا يزال يأمرني بأشياء صغيرة كل يوم: أحضر له الماء، نظف حذاءه، رتّب مكتبه. لم يكن هناك عنفٌ جسدي هذه المرة، بل شيءٌ أقسى: الاعتياد. أن أعتاد أن أكون ظلاً يتحرك بأمره.في اليوم الخامس بعد خروجي من الجناح الطبي، أرسلني إلى الحديقة الخلفية لأقطف بعض الأعشاب. قال إنه يحتاجها لخلطةٍ طبية، لكنني شعرتُ أن السبب الحقيقي هو أنه أراد أن يراني أتسخ يديّ بالتراب. لم أقل شيئاً؛ ذهبتُ.وكانت الحديقة شاسعة، مسوّرة بأشجار طويلة تجعلها تبدو بمنأى عن العالم. كان الهواء فيها مختلفاً، يحمل رائحة النعناع والزعتر والندى، كأنها قطعة من عالم آخر. مشيتُ بين الصفوف، وأنا أقطف ما طلبه، وأشعر بيدي ترتعشان قليلاً من البرد. ثم وجدتُ شيئاً غير متوقع: زهور
خرجتُ من الجناح الطبي بعد ثلاثة أيام، وأنا أظن أن الألم سيبقى هناك خلفي. لكن الألم ليس شيئاً يتركك. إنه يمشي معك، يلتصق بظهرك كظلّ، يوقظك في منتصف الليل ليطمئن أنك ما زلت تتذكره. تعلمتُ أن أتعايش معه كما تتعايش مع صوتٍ مزعج في غرفة مجاورة: تسمعه، لكنك تدفنه تحت أشياء أخرى.كان الصباح بارداً. وقفتُ في زاوية الفناء، أنتظر أمراً لم يأتِ بعد. كايل لم يكن قد خرج من مبناه، لكنني شعرتُ به قبل أن أراه. كان هناك نوعٌ من التواصل الصامت بيننا، لا أفهمه؛ كخيطٍ ممدودٍ بين جسدين، يهتزّ كلما اقترب مني. لم أكن أريد أن أسميه ما هو. كنتُ أعرف أنني إذا أطلقتُ عليه اسماً، فسوف يصبح حقيقياً.ظهر أخيراً عند درج الساحة، ومشى نحوي بخطواتٍ محسوبة. لم يكن يحمل سوطاً هذه المرة، ولا كان يحمل شيئاً ظاهراً. لكنه كان يحمل شيئاً في عينيه، نوعاً من القرار الذي سبق أن اتخذه في مكانٍ لا أستطيع الوصول إليه.قال: "سأريكِ اليوم كم تساوين."لم يسأل إن كنتُ جاهزة. لم يسأل إن كان ظهري قد التئم. مشى أمامي، وأنا تبعته كأن قدميّ تعرفان الطريق من غير عقلي.أدخلني قاعة الطعام الكبرى، تلك القاعة التي رأيتُها من بعيد عند وصولي؛ صفو
في الصباح، لم يكن هناك أملٌ يشبه الضوء. كان الضوء نفسه بارداً، يزحف عبر ثقبٍ صغير في السقف، فبدا كخيطٍ مقطوع. نهضتُ بصعوبة، وثوبي الرمادي يلتصق بظهري حيث جفّ الدم، لكنني لم أنظر إلى الجرح. كان هناك شيءٌ واحدٌ أريده في ذلك الصباح: ألا أنكسر.وجدت كايل واقفاً عند الباب، ممتلئاً بالصمت كعادته. قال: "اتبعيني". ولم يسأل إن كنتُ أستطيع المشي.مشيتُ خلفه عبر الممرات، وكانت كل خطوةٍ توقظ ألماً جديداً. كأن ظهري كان طفلاً يبكي، وكأن كل خطوةٍ تهزّه. لكنني تعلمتُ منذ زمنٍ بعيد أن الألم لا يختفي؛ بل يتعلم أن يسير خلفك كظلٍ مطيع. كان الطلاب يمرون بنا، ويتفرقون أمامه كالماء، وبعضهم نظر إليّ بنوعٍ من الفضول الذي يشبه الشفقة، لكنه لم يكن شفقةً حقيقية.وصلنا إلى ساحةٍ داخلية واسعة، حجارتها رمادية مبللة. في منتصف الساحة كان حشدٌ متجمع، وفي قلبه دائرةٌ تتسع كجرح. اقتربتُ، فرأيتُ ما لم أكن أريد رؤيته: فتاةً صغيرة، في الرابعة عشرة من عمرها تقريباً، لا يتجاوز مئزرها الغبار، واقفةً أمام ألفا شابٍ بعينين بلون الرمال. كانت الصينية قد سقطت، والمرق يتسرب إلى شقوق الأرض، والفتاة ترتجف حتى صار ارتجافها واضحاً كأنه