Share

32

last update publish date: 2026-07-21 15:49:06

في قلب مملكة الربيع، وعلى مسافة غير بعيدة عن القصر الملكي، ارتفع صرحٌ عظيم عُرف بين سكان المملكة باسم أكاديمية الطب الملكية؛ ذلك المكان الذي تخرّج منه أعظم المعالجين الذين خدموا المملكة منذ آلاف السنين، والذي لم يكن مجرد مدرسة لتعليم التعاويذ العلاجية، بل كان مدينةً صغيرةً قائمةً بذاتها، لا يدخلها إلا من اختار أن يجعل من إنقاذ الأرواح رسالته.

تكوّنت الأكاديمية من مجموعة كبيرة من المجمعات المتجاورة، بُنيت جميعها على هيئة واحدة، حتى ليظن الناظر إليها أنها صورة واحدة تكررت عشرات المرات. كانت المسا
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    55

    تقدّم الحكيم ثامور إلى داخل قاعة الحكم بخطواتٍ ثابتة اتسمت بالوقار، وما إن تجاوز عتبتها حتى انكشفت أمامه القاعة الملكية بكل عظمتها، تلك القاعة التي كانت تُجسّد هيبة مملكة الربيع وسلطانها. ارتفع سقفها إلى علوٍ شاهق حتى خُيّل للناظر أنه يلامس السماء، وقد تدلت منه أغصانٌ بلورية مضيئة تتفتح عند أطرافها أزهارٌ سحرية تبعث نورًا أخضر وذهبيًا ناعمًا يغمر المكان بهالةٍ مريحة للنفس. أما الأعمدة الضخمة التي اصطفت على جانبي القاعة، فقد نُحتت من حجرٍ أبيض نادر تتخلله عروق زمردية نابضة بالطاقة، والتفت حولها كرومٌ حية تحمل أوراقًا لامعة تتحرك برفقٍ كأنها تتنفس مع القاعة نفسها. وعلى امتداد الأرضية الرخامية البيضاء ارتسمت دوائر ورموز سحرية دقيقة، ينبعث منها وهجٌ خافت ينساب بين أرجاء المكان في هدوء، حتى بدت القاعة وكأنها كائنٌ حي يحرس عرش سيده.وفي أقصى القاعة ارتفع عرش حاكم مملكة الربيع فوق منصةٍ واسعة من ثلاث درجات، صُنع من خشب الشجرة المقدسة التي لا تنمو إلا في قلب الغابة المباركة، وتداخلت في أجزائه عروقٌ من البلور الزمردي المشع، بينما تشكل ظهر العرش على هيئة شجرةٍ عظيمة باسقة، امتدت أغصانها خلفه في

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    54

    ظلّت العربة الملكية تشق طريقها خارج أسوار الأكاديمية في هدوءٍ مهيب، تسير فوق ممراتٍ مرصوفة بحجارةٍ بيضاء لامعة تنبعث من شقوقها خيوطٌ خضراء دقيقة من الطاقة السحرية. وعلى جانبي الطريق امتدّت غابات مملكة الربيع الساحرة، حيث ارتفعت أشجارٌ عملاقة لا تُرى نهايات أغصانها، تتدلّى منها أوراقٌ بلورية شفافة تعكس أشعة الشمس بألوان زمردية وزرقاء ذهبية. وبين الجذوع الواسعة جرت جداول ماءٍ صافية تتوهج بخفوت، بينما كانت أزهارٌ غريبة تتفتح وتغلق بتناسقٍ هادئ كأنها تستجيب لأنفاس الأرض نفسها. وكلما تقدمت العربة، ظهرت بين الأشجار تماثيل حجرية قديمة لحكماء وقادة منسيين، غطتها كرومٌ مضيئة جعلتها تبدو كأطيافٍ تحرس الطريق المؤدي إلى قصر الحاكم.وبعد مسافة طويلة، بدأت الأشجار تتباعد شيئًا فشيئًا، حتى انفتح الطريق على ساحةٍ واسعة تتوسطها بوابة القصر الملكي. ارتفعت البوابة شاهقة كأنها جزءٌ من غابةٍ سماوية، صُنعت من معدنٍ فضي يميل إلى الخضرة، نُقشت عليه أغصانٌ وأوراقٌ متشابكة بدت كأنها تنمو فوق سطحه ببطء. وعلى جانبيها ارتفعت أبراجٌ رشيقة يعلو كلًّا منها حجرٌ زمردي ضخم ينبض بضوءٍ هادئ يحرس القصر بسحرٍ قديم.وخلف ا

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    53

    بعد مرور أسبوعين...مرَّ أسبوعان كاملان على تلك الأحداث التي قلبت الهدوء داخل أكاديمية الطب رأسًا على عقب، وفي صباحٍ اتشح بضوءٍ ذهبيٍّ هادئ، دلف المعلم أوريڤال بخطواتٍ ثابتة إلى المبنى الرئيسي للأكاديمية، حيث يقيم كبير الحكماء الحكيم ثامور.كان المبنى الرئيسي يختلف عن سائر مباني الأكاديمية في كل شيء؛ فقد ارتفع شامخًا في قلب المجمع كأنه شجرةٌ سماوية نبتت من أعماق الأرض حتى لامست أطراف الغيوم. شُيِّدت جدرانه من حجرٍ أبيض ناصع تتخلله عروق زمردية متوهجة، تتبدل ألوانها مع حركة الضوء، بينما التفَّت حول الأعمدة كرومٌ سحرية تحمل أزهارًا بلورية تبعث نورًا رقيقًا يملأ المكان بالسكينة. وعلى امتداد الواجهة ارتفعت نوافذٌ شاهقة صُنعت من زجاجٍ شفاف كالماء، نُقشت عليه رموزٌ سحرية قديمة لا يخبو بريقها مهما تعاقبت عليها الأزمنة، أما السلالم المؤدية إلى المدخل فكانت واسعة، تحفُّها تماثيل حجرية لكبار حكماء مملكة الربيع، وكأنها تقف منذ مئات السنين تحرس العلم والحكمة.طرق أوريڤال الباب طرقاتٍ خفيفة، ثم دخل بعدما سمع الإذن.وجد الحكيم ثامور واقفًا في منتصف الغرفة، وقد بدا مستعدًا للرحيل، مرتديًا عباءته الرس

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    52

    في زنزانةٍ صغيرة تقع في أحد الأركان الهادئة من سجن الأكاديمية، جلست ميرا فوق سريرها الضيق تضم ساقيها إلى صدرها، وتحيطهما بذراعيها في محاولة يائسة لتمنح نفسها شيئًا من الدفء الذي افتقدته منذ أن وطئت قدماها هذا العالم الغريب. كانت تُسند جبهتها إلى ركبتيها، بينما عيناها الشاردتان تحدقان في الفراغ وكأنهما تبحثان عن شيء ضاع منهما إلى الأبد.لم تعد تعلم منذ متى وهي هنا... أهو أسبوع؟ أم أكثر؟ لقد فقدت الإحساس بالزمن تمامًا. لم تعد تفرق بين الصباح والمساء إلا عندما يفتح أحد الحراس الباب الحديدي ويضع لها الطعام ثم يرحل دون أن ينطق بكلمة واحدة.هكذا أصبحت حياتها.تنام حين يغلبها الإرهاق، وتستيقظ حين تفتح عيناها من تلقاء نفسيهما، وتأكل ما يقدمه لها الحراس دون شهية، ثم تعود لتجلس في المكان نفسه، غارقة في بحرٍ لا ينتهي من التفكير.تنهدت بعمق وهمست بصوتٍ متقطع:— إلى متى... إلى متى سأظل هنا؟ارتجف صوتها وهي ترفع رأسها قليلًا.— كيف حال أبي الآن؟ هل ما زال يبحث عني؟ أم أنه...؟توقفت الكلمات في حلقها، وشعرت بدموعها تنساب من جديد.تذكرت وجه والدها في تلك الليلة... صوته المرتجف... نظرته الأخيرة إليها و

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    51

    بعد مرور أسبوع كامل على تلك الأحداث، خيّم الهدوء على أروقة أكاديمية الطب، إلا أن ذلك الهدوء لم يكن سوى ستار يخفي خلفه قلقًا يتزايد يومًا بعد يوم.في الطابق العلوي من المبنى الرئيسي، جلس كبير الحكماء ثامور خلف مكتبه العريض المصنوع من خشبٍ أبيض تتخلله عروق زمردية متوهجة بخفوت، بينما كانت رفوف الكتب القديمة تحيط بالغرفة من كل جانب، وقد امتلأت بمجلدات سحرية عتيقة ولفائف تعاويذ لم يعد يعرف أسرارها إلا القليل. غير أن الحكيم لم يكن يطالع شيئًا منها؛ بل كان جالسًا شارد الذهن، وعيناه معلقتان برسالة موضوعة أمامه فوق المكتب، وكأنهما تبحثان بين كلماتها عن حل لم يجده حتى الآن.قبل قليل كان قد أرسل في طلب المعلم أوريڤال بعد أن وصله منه طلب لقاء عاجل، ولم تمضِ سوى لحظات حتى انفتح باب الغرفة بهدوء.دخل أوريڤال بخطوات ثابتة، ثم انحنى احترامًا لمعلمه وقال:— كيف حالك يا معلمي.أومأ ثامور برأسه إشارة إلى أن يقترب، ثم قال بصوته الوقور:— اقترب أوريڤال... لقد طلبت مقابلتي، فما الأمر؟تنحنح أوريڤال قليلًا، ثم استقام في وقفته وقال:— يا معلمي... لقد مر أسبوع كامل منذ ظهور تلك الفتاة، ومنذ ذلك اليوم لم يصلني

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    50

    أخذ الجنود ميرا من بين يدى إيلينورا، وانطلقوا بها خارج الغرفة بخطوات ثابتة لا تعرف التردد، بينما بقيت إيلينورا واقفة فى مكانها كتمثال حجرى، لا تكاد تصدق ما جرى أمام عينيها. كانت تحدق فى الباب الذى أُغلق خلفهم، وكأنها ما زالت ترى ميرا تسير بينهم برأس منكس، وقد استسلمت تمامًا لمصير لا تعلم عنه شيئًا. أخذت تحدث نفسها فى صمت مرير: لماذا تفاجأت؟ أليس هذا هو الأمر الطبيعى؟ بعد كل ما حدث أمام كبير الحكماء، وبعد أن عجزت أقوى التعاويذ عن التأثير فيها، كان من المستحيل أن يتركوها حرة. ثم زفرت ببطء وهى تشعر بشىء من الطمأنينة يتسلل إلى قلبها رغم كل شيء، وقالت فى داخلها: على الأقل... إن حاولوا قتلها بتعويذة الموت فلن ينجحوا، فقد رأيت ذلك بعينى، لكن... توقفت أفكارها فجأة، وارتجف قلبها عندما أكملت الحقيقة التى كانت تخشاها: يمكنهم قتلها بطرق أخرى لا علاقة لها بالسحر...انقطع شرودها على صوت معلمها أوريڤال وهو يناديها للمرة الثانية بنبرة امتزج فيها الضيق بالإرهاق: «إيلينورا... ما بك؟ إننى أحدثك.» انتفضت من مكانها كأنها استيقظت من حلم طويل، ثم قالت مسرعة: «ها... نعم يا معلمى... أعتذر، ماذا تريد؟» نظر إلي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status