LOGINنظرت ميرا إلى الملابس المعلقة الموضوعة أمامها مرة أخرى، ثم عادت ببصرها إلى أماريل. ظلت للحظات صامتة، وكأنها تجمع شجاعتها لطلب شيء تخشى أن يُرفض.ثم قالت بهدوء:«سيدة أماريل... أريد أن أطلب منك شيئًا.»التفتت أماريل إليها، وقد كانت ترتب إحدى قطع الملابس بعناية، ثم ابتسمت وقالت:«تفضلي يا ميرا، ماذا تريدين؟»ترددت ميرا لحظة، ثم قالت:«الفستان الذي جئت به... لا أريدك أن ترميه أو تتخلصي منه.»توقفت أماريل عن الحركة، ونظرت إليها باستغراب.«ذلك الفستان؟»أومأت ميرا.«نعم.»نظرت أماريل إليها ثم إلى الفستان القديم، وكأنها تحاول أن تفهم سبب تعلقها بقطعة قماش ممزقة ومتسخة إلى هذا الحد.قالت:«لكنه في حالة سيئة جدًا يا ميرا. إنه ممزق ومتسخ، ولم يعد صالحًا للاستخدام تقريبًا. ثم إن الفساتين التي أحضرناها لك أجمل بكثير.»خفضت ميرا عينيها قليلًا، ثم قالت:«أعرف ذلك... لكنني أريده.»اقتربت أماريل منها.«ولماذا؟»لم تجب ميرا مباشرة.لم تستطع أن تقول لها إن ذلك الفستان لم يكن مجرد ملابس بالنسبة إليها.كان آخر شيء بقي من حياتها القديمة.آخر قطعة تحمل رائحة عالمها، وذكريات قريتها، وأيامها مع أبيها.كان ا
في الصباح الباكر...استيقظت ميرا على صوت طرق خفيف على باب الغرفة.فتحت عينيها ببطء.احتاجت إلى لحظات حتى تتذكر أين هي.نظرت حولها.الغرفة.السرير.الستائر.الأزهار.ثم تذكرت كل شيء.جلست على السرير، وقالت بصوت متعب:«من؟»جاءها صوت أماريل من خلف الباب:«أنا، أماريل.»ثم فُتح الباب.دخلت أماريل، وخلفها خادمة أخرى تحمل صينية الإفطار.ابتسمت أماريل وقالت:«صباح الخير يا ميرا.»ابتسمت ميرا رغم نعاسها وقالت:«صباح النور يا أماريل.»ثم أضافت بأدب:«صباح النور يا سيدتي.»ضحكت أماريل.«لا داعي لكل هذا يا ميرا.»ثم أشارت إلى الحمام.«هيا، اذهبي واغتسلي وبدلي ثيابك قبل أن يبرد الإفطار، وبعدها تناولي طعامك.»أومأت ميرا.نهضت من السرير، ثم دخلت إلى الحمام واغتسلت سريعًا، وبعدها عادت وارتدت الفستان الأخضر الذي أحضرته لها أماريل في الليلة السابقة.فلم يكن لديها غيره حتى الآن.جلست أمام الطعام، وبدأت تتناول إفطارها.وبعد أن انتهت، عادت أماريل إلى الغرفة، ومعها خادمة أخرى أخذت صينية الطعام وخرجت بها.لكن ميرا لم تتوقع أن تعود أماريل بعد لحظات ومعها عدد من الخدم.كان كل واحد منهم يحمل مجموعة من الملاب
انتهت أماريل من تصفيف شعر ميرا، ثم تراجعت خطوة إلى الخلف، وظلت تحدق في انعكاسها داخل المرآة بإعجاب واضح. كانت قد رتبت خصلات شعرها الطويل بعناية، وتركت تموجاته تنساب حول كتفيها وظهرها بصورة طبيعية، دون أن تحاول تغيير طبيعته الغريبة التي أثارت دهشتها منذ اللحظة الأولى.ابتسمت أماريل أخيرًا وقالت:«لقد انتهيت.»أومأت ميرا برأسها، ثم نهضت من أمام المرآة.كانت لا تزال تشعر بشيء غريب وهي تنظر إلى نفسها. لم تكن معتادة على أن يهتم أحد بمظهرها بهذه الطريقة، ولا أن تجلس امرأة لتصفف شعرها وكأنها فتاة من سيدات القصور.لكن قبل أن تسترسل في أفكارها، قالت أماريل:«هيا، قبل أن يبرد الطعام.»ما إن سمعت ميرا كلمة الطعام حتى شعرت بمعدتها تؤلمها من شدة الجوع.لقد مرت ساعات طويلة منذ تناولت آخر وجبة لها، بل إن اليوم بأكمله كان قد انقضى تقريبًا دون أن يدخل جوفها شيء. كانت الأحداث التي مرت بها قد جعلتها تنسى الجوع، لكن بمجرد أن تذكرت الطعام، شعرت فجأة بمدى حاجتها إليه.تقدمت نحو الطاولة وجلست، بينما جلست أماريل بعيدًا عنها تراقبها باهتمام.مدت ميرا يدها إلى الطعام.وفي اللحظة التي تذوقت فيها أول لقمة، اتسعت
انتهت ميرا من اغتسالها، وظلت جالسة في الماء الدافئ للحظات أخرى، وكأنها لا تريد أن تنهي تلك اللحظة بسرعة. كان جسدها قد استعاد شيئًا من راحته بعد أيام طويلة من التعب والخوف والبرد، وشعرت وكأن المياه السحرية لم تنظف جسدها فقط، بل غسلت عنها جزءًا من الإرهاق الذي التصق بها منذ أن دخلت ذلك العالم الغريب.لكنها في النهاية اضطرت إلى الخروج.وقفت ببطء، ثم خرجت من حوض الاستحمام، ولفت حول جسدها قطعة من القماش الناعم كانت موضوعة بالقرب من الحوض، ثم التفتت إلى ملابسها القديمة.توقفت أمامها.كانت ملابسها لا تزال في حال يرثى لها.متسخة، ممزقة، فقدت الكثير من شكلها الأصلي، حتى إن أي شخص يراها قد يظن أن أفضل مكان لها هو سلة القمامة.ومع ذلك...لم تستطع ميرا أن تنظر إليها بهذه الطريقة.اقتربت منها، ومدت يدها ولمست طرف الثوب بأصابعها.هذه الملابس كانت آخر شيء بقي معها من عالمها.آخر شيء يربطها بالقرية.بوالدها.بلياليها القديمة.بذلك الكوخ الصغير الذي كان يجمعها بأبيها.لذلك لم تستطع أن تتخلى عنها.لا... لن أتركها.قالتها في داخلها.سأطلب من الخادمة أن تغسلها فقط... ثم تعيدها إليّ.كانت تعرف أنها قد تبد
أشارت أماريل إلى الصخور البلورية.«من الينابيع السحرية الموجودة أسفل القصر. هذه المياه تصل إلى القصر من باطن الأرض، وتحافظ على دفئها بفضل البلورات الحرارية.»اتسعت عينا ميرا.لم تفهم كيف يمكن أن يحدث ذلك.لكنها لم تكن بحاجة إلى فهمه.فهي أصبحت تدرك أن هذا العالم تحكمه أشياء لا تعرفها.وفي منتصف المكان كان هناك حوض استحمام واسع منحوت في الأرض نفسها، تحيط به درجات حجرية صغيرة، وقد غُطيت حوافه بأزهار بيضاء صغيرة لا تذبل.كان الماء ينساب إليه من فتحة طبيعية بين الصخور، ثم يختفي جزء منه عبر مجرى آخر محفور في الأرض، فيظل مستوى الماء ثابتًا بصورة عجيبة.وفوق الحوض، كانت تتدلى أغصان رقيقة من سقف الحمام، تتفتح عليها أزهار صغيرة مضيئة، تلقي ضوءًا ناعمًا على الماء.أما الأرض، فقد غطتها حجارة ملساء دافئة تحت القدمين، وبينها خطوط من بلور أخضر ينبض بضياء خافت.وعلى أحد الجدران كانت هناك أوعية حجرية صغيرة تحتوي على زيوت وأعشاب عطرية، تفوح منها روائح مختلفة؛ بعضها يشبه رائحة الورد، وبعضها يشبه الأعشاب البرية .ظلت ميرا واقفة عند المدخل، عاجزة عن إخفاء دهشتها.«هذا... حمام؟»ابتسمت أماريل.«أجل.»هزت
ظلت ميرا واقفة في منتصف الغرفة، لا تزال عيناها تجولان في أرجائها وكأنها تخشى أن ترمش فتختفي كل تلك التفاصيل من أمامها. كانت الغرفة أكثر جمالًا مما تستطيع الكلمات أن تصفه، وكل زاوية فيها تحمل شيئًا جديدًا لم تره من قبل. الألوان الهادئة، الضوء الناعم المتسلل من النوافذ، الأزهار الصغيرة التي تزين بعض الأركان، والأثاث الذي بدا وكأنه نُحت من الطبيعة نفسها، كل ذلك جعلها تتسأل هل هى في حلم أو في قصة خيالية وقعت في صفحاتها بالخطأ. لما هذا العالم مختلف تماما عن عالمها؟لكنها لم تجد الإجابة.وسرعان ما هزت رأسها بخفة، وكأنها تحاول طرد تلك الأفكار من عقلها.لا تتعلقي بهذا المكان يا ميرا...قالتها في داخلها بحزم.لا تتعلقي بجماله، ولا بهذه الغرفة، ولا بكل ما ترينه حولك. أنتِ لن تبقي هنا.رفعت عينيها نحو النافذة، ثم أضافت في نفسها:سيعيدني الحاكم إلى أبي قريبًا... أليس كذلك؟كانت تلك الفكرة هي الشيء الوحيد الذي يمنحها بعض الطمأنينة.والدها.كلما شعرت بالخوف، عادت صورتُه إلى ذهنها.وجهه المبتسم، صوته، طريقته في الحديث معها، والكوخ الصغير الذي كان عالمهما كله.كان يكفيها أن تفكر فيه حتى تشعر بأن شيئ