Partager

الحلقة الثالثة

last update Date de publication: 2026-06-30 22:19:01

الفصل الثالث:

في باحة الانتظار والترقب

​لم تكن شمس الشتاء في ذلك العام تحمل أي دفء يذكر؛ بل كانت تسكب ضياءً باهتًا يغسل جدران كلية التجارة العتيقة بلون رمادي يشبه مزاج "إسلام". كان يجلس على المقاعد الخشبية المنتشرة في ساحة الكلية، يمسك بملخصات المواد الدراسية دون أن يقرأ منها سطرًا واحدًا. لقد تبدلت أحواله تمامًا بعد صدمة استبعاده من الكلية العسكرية، وتحول ذلك الشاب الممتلئ بالحماس والشغف إلى جسد بلا روح، يسير في أروقة الكلية كمن يساق إلى حتفه.

​كان يدرك تمامًا أن خسارته لم تكن مجرد خسارة لوظيفة مرموقة أو بدلة عسكرية كان يحلم بارتدائها، بل كانت خسارة للمفتاح الوحيد الذي يملك به حق التقدم لخطبة "ريهام" دون أن يواجه بالرفض من عائلتها. في مجتمعهما، شهادة كلية التجارة تعني بداية رحلة طويلة وشاقة من البحث عن عمل، ثم سنوات أخرى لتوفير نفقات الزواج وشراء شقة وتجهيزها، وهي سنوات يعلم إسلام يقينًا أن عائلة ريهام لن تمنحه إياها كمهلة لانتظاره.

​على الجانب الآخر من الجامعة، في مبنى كلية التربية، كانت ريهام تعيش دوامة لا تقل قسوة. انقطعت سارة عن الحضور لأيام بسبب حزنها على شقيقها وبكائها المستمر، فغابت معها أخبار إسلام. كانت ريهام تجلس في المحاضرات شاردة الذهن، تستمع إلى شرح الأساتذة عن مناهج التعليم وطرق التدريس كأنه لغة أجنبية لا تفقه منها شيئًا. كانت تنظر إلى أصابع يدها اليمنى وتتخيلها مكبلة بخاتم زواج من شخص لا تعرفه، ويسري الخوف في عروقها كلما تذكرت أن سنين الدراسة ستمضي سريعًا وأن المواجهة مع الواقع باتت وشيكة.

​لم يتأخر الواقع كثيرًا في فرض شروطه القاسية. في أحد مساءات يوم الخميس، عادت ريهام إلى منزلها لتجد والدتها في انتظارها بابتسامة عريضة تحمل خلفها خطة مرتبة. كان البيت يعبق برائحة البخور، وتفوح من المطبخ روائح إعداد الحلوى، وهي علامات كانت ريهام تفهمها جيدًا وتخشاها.

​جلست الأم بجوارها على الأريكة، وأخذت تملس على شعرها بحنان قائلة:

— "ريهام يا حبيبتي.. لقد جاءكِ اليوم عريس لا يمكن لعاطل أو عاقل أن يرفضه. شاب مهندس، يعمل في شركة كبرى، من عائلة عريقة وأصول طيبة، وقد رآكِ في حفل زفاف قريبنا الشهر الماضي وسأل عنكِ حتى وصل إلى والدك."

​تصلب جسد ريهام، وشعرت بغصة تكتم أنفاسها. حاولت أن تبدو طبيعية وقالت بنبرة مرتعشة:

— "لكن يا أمي.. أنا ما زلت في الجامعة، أريد أن أركز في دراستي أولًا، والزواج سيعطلني عن التفوق."

قطبت الأم جبينها مستنكرة، وقالت بنبرة حاسمة لا تخلو من اللوم:

— "الدراسة ليست عائقًا يا ابنتي، والمهندس مصطفى وعد والدكِ بأنه لن يمنعكِ من إكمال تعليمكِ، بل وسيدعمكِ لتعملي معلمة بعد التخرج إن أردتِ. والدكِ جلس معه وأعجب بأدبه واستقراره المادي. إنه جاهز من كل شيء، ولن نجد لشقيقاتكِ أو لكِ فرصة أفضل من هذه. والدكِ يريد مصلحتكِ وتأمين مستقبلكِ."

​خرجت الأم من الغرفة لتترك ريهام في مواجهة إعصار مدمر. ارتمت على فراشها، ودفنت وجهها في وسادتها لتكتم صرخات بكائها المتواصل. كانت تشعر بالعجز الكامل؛ فكيف لها أن ترفض شابًا كامل الأوصاف في نظر أهلها والمجتمع؟ وبأي حجة ستقاوم رغبة والدها الذي تراه دائمًا يسعى لمصلحتها؟ هل تقول له إنها تنتظر زميل طفولتها الذي يدرس في كلية التجارة ولم يتحدث إليها كلمة واحدة طوال حياته؟ إن مجرد نطقها بهذا السر سيعني دمار ثقة عائلتها بها، وربما منعها من الذهاب إلى الجامعة نهائيًا.

​**أصعب قرار وتحديد مصير:

​في الصباح التالي، التقت ريهام بسارة خلف مبنى المكتبة المركزية بالجامعة. كانت عيون ريهام متورمة من البكاء، ملامحها الشاحبة اختصرت كل الكلمات. ما إن رأتها سارة حتى احتضنتها بقوة، وانفجرتا معًا في البكاء.

​قالت ريهام بصوت حزين ومتهدج:

— "سارة.. تقدم لخطبتي مهندس جاهز، ووالدي وافق عليه بشكل مبدئي. أمي تتحدث عن الأمر كأنه قُضي وانتهى. ماذا أفعل؟ طاقة التحمل عندي انتهت."

​مسحت سارة دموعها، ونظرت إلى صديقتها بقلب ممزق. كانت سارة تعيش صراعًا مريرًا؛ فهي من جهة شقيقة إسلام التي ترى عذابه اليومي وانطفاء روحه، ومن جهة أخرى صديقة ريهام التي تعلم أن الفتاة لا ذنب لها، وأن وقوفها في وجه عائلتها دون مبرر ملموس تفرضه التقاليد يعد انتحارًا اجتماعيًا.

قالت سارة بصدق مؤلم:

— "ريهام.. إسلام يموت ببطء في غرفته. عندما علم برفض الكلية العسكرية أغلق على نفسه الباب. أنا أخبرته اليوم بما حدث معكِ.. بكى لأول مرة منذ أن كان طفلًا. قال لي بالحرف الواحد: 'ليس بيدي شيء أقدمه لها الآن، ليس لدي سوى قلب مكسور ومستقبل مجهول، ولا يمكنني أن أطلب منها أن تضيع عمرها في انتظاري وأنا لا أملك ثمن الدبلة'."

​سقطت الكلمات على مسامع ريهام كالخناجر. عرفت أن إسلام رفع الراية البيضاء استسلامًا لواقع أقوى منهما، وأن الصمت الذي بدأا به حكايتهما سيظل هو السطر الأخير فيها. تيقنت أن عائلتها، برغبتهم الصادقة في تأمين "مصلحتها"، يقودونها إلى حياة لم تخترها، لكنها لم تكن تملك التمرد على هذه المصلحة المفروضة.

​**نهاية قصة الحب الأول:

​مرت الأسابيع سريعة كالكابوس. تمت المقابلة الرسمية بين ريهام ومصطفى بحضور الأهل. كان مصطفى رجلًا مهذبًا، يتحدث بثقة عن مستقبله وشقته الفاخرة وسيارته، لكن ريهام لم تكن تسمع سوى طنين صامت في أذنها. كانت تجيب بنعم ولا آلية، وعيناها مثبتتان في الأرض، ظن أهلها ومصطفى أن هذا من فرط خجلها وأدبها، ولم يدركوا أنه كان من فرط استسلامها لوفاة حلمها.

​جاء يوم الخطبة، ثم تلاه بسرعة غير متوقعة إعداد مراسم الزواج؛ فقد كان مصطفى مستعجلًا للاستقرار قبل السفر في مأمورية عمل طويلة. تم الزواج وريهام ما زالت في سنتها الدراسية الثالثة.

​في ليلة زفافها، وهي ترتدي الفستان الأبيض الذي تحلم به كل فتاة، كانت ريهام تبدو كالملكات جمالًا، لم تكن ليلة زفافها التى كانت ترسمها منذ ان كانت طفلة، تحلم بذلك اليوم المنتظر، لكن قلبها كان مغطى بكفن أسود، كانت تجلس امام المرأة، وكانت تصفف شعرها، والمصففة تضع لمساتها الاخيرة مع المكياج التى تتزين به، والتاج الذى تتزين به على رأسها، ولكن ابتسامتها كانت مزيفة، لانها كانت تنظر فى زاويةاخرى من الغرفة ظننا أن تأتى إليها سارة لتنتشلها من ذلك اليوم المكلوم، فاذ باام ريهام تدخل عليها وهى فى قمة سعادتها باابنتها وهى عروس، واخذت تنظر اليها والدموع فى عينيها من شدة الفرح، وقالت لابنتها ريهام:

اخيرا اطمن قلبى عليك.

اطمأن قلب أمها، وتحطم قلبها هى.

أثناء وقوفها في قاعة الأفراح، وبينما كانت الموسيقى تصدح والمهنئون يرقصون حولها، التفتت بعينيها نحو الباب الخلفي للقاعة للحظة خاطفة. تمنت في سرها، بأمل طفولي يائس، أن يقتحم إسلام المكان ويأخذها ويرحل، لكن الباب ظل مغلقًا، وظل الواقع جاثمًا على صدرها. انحنت لتستقبل قبلة مصطفى على جبهتها، ومعه أعلنت رسميًا نهاية قصة "الحب الأول" واستسلامها لحياتها الجديدة مع شخص غريب، مدفوعة بكلمة واحدة كانت ترددها أمها دائمًا: "غدًا تعتادين عليه وتحبينه، الأهل يعرفون مصلحتكِ أكثر منكِ".

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الثلاثون

    الفصل الثلاثون :​مرت السنوات على القاهرة هادئةً وادعة، كأنها تمسح بأيديها الدافئة كل آثار الرعب والدم والأوراق المشبوهة التي خاضت "ريهام" وزوجها "إسلام" أتونها لسنوات طويلة. لم تكن الشقة المطلة على النيل مجرد سكنٍ فاخر، بل أصبحت محراباً مهيباً تشع منه الطمأنينة، وتتسامى فيه ذكرى انتصار الشرف والأصول على كل أشكال الغدر والابتزاز.​كبر الصغيران "أحمد" و"نور" تحت عينين لا تنامان؛ عيني إسلام اللتين حفظتا البيت بالصلابة والعدل، وعيني ريهام اللتين ملأتا أركانه بالحنان والتقوى. أتم أحمد دراسته في علوم الحاسوب والأمن السيبراني، مقتفياً أثر والده في حماية ثغرات الوطن والمؤسسات، بينما تخرجت نور في كلية الإعلام، لتصبح الصوت الناطق لمؤسسة أمها الخيرية، تنشر الأمل وتدافع عن كرامة النساء والفقراء.​أما عائلة ريهام —الأم "الحاجة فاطمة"، والأخ "طارق"، والأخت "سارة"— فقد التأم شملهم بالكامل، وطُهرت جذورهم من أشباح الماضي، ليعيشوا في سلامٍ مطلقٍ بعد أن أغلقت النيابة العامة والقضاء كافة الملفات القديمة بحكامٍ باتة لا رجعة فيها.​في صباح يومٍ مشرق من أيام الخريف، تلقى إسلام إشعاراً رسمياً من مجلس الوزرا

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة التاسعة والعشرون

    الفصل التاسع والعشرون: ​كانت القاهرة تغرق في ليلة صيفية شديدة الحرارة، ليلة خنق فيها الضباب الرطب أنفاس المدينة، وجعل مجرى النيل يبدو كشريط زئبقي أسود يسري بين أضواء البنايات الفارهة.​في شقة "إسلام" و**"ريهام"**، كان الهدوء يبدو كاملاً ومكتظاً بالإيحاء بالسلام. نام الصغيران "أحمد" و"نور" في غرفتهما، وعادت "سارة" —شقيقة إسلام— إلى بيتها بعد أن أُسقطت عنها كافة الشبهات وحُميت كرامتها بأيدٍ من فولاذ.​جلست ريهام في الصالة، تنظر إلى "الدفتر الجلدي الصغير" القابع على الطاولة، وفي يدها كوب شاي ساخن ينبعث منه البخار ببطء. كان إسلام يجلس أمام حاسوبه الشخصي في المكتب، يتابع الإجراءات النهائية لتأمين شبكات مؤسسة ريهام الخيرية وشركته الاستثمارية.​قالت ريهام وهي تنظر إليه عبر الباب المفتوح:— "إسلام.. تفتكر خلاص؟ مفيش أسماء تانية؟ مفيش أوراق منسية في أي خزنة قديمة؟ أنا كل ما أسمع صوت الريح في الشباك بحس إن الشباك بيكلمني عن خطر جديد."​التفت إليها إسلام، وبدت في عينيه ملامح الإرهاق المحفور بسنوات من المراقبة والتأهب، لكنه ابتسم بثقة هادئة وقال:— "ريهام.. الشبكة الدولية اتقبض على أطرافها في سو

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الثامنه والعشرون

    الفصل الثامن والعشرون: ​لم تكن سماء القاهرة قد استعادت حُمرتها الطبيعية بعد ليلة السرداب بالشرقية، حين توقفت سيارة "إسلام" و**"ريهام"** أمام البناية المطلة على النيل. كانت ملامح ريهام تبدو كسطح بحيرة بعد عاصفة عاتية: هادئة، ناصعة، لكنها محفورة بالجهد والتعب.​كانت تظن —كما ظن إسلام— أن سقوط "شريف الموصلي" وانكشاف الحقيقة الكاملة لأوراق الحاج أحمد قد أقفل آخر أبواب الجحيم، وأن "الدفتر الجلدي الصغير" لن يحتاج إلى قطرة حبر واحدة أخرى.​لكنّ البيوت التي خاضت معارك الشرف والدم لا تتركها الأقدار ترتاح بسهولة؛ فالشر الذي متد جذوره لسنوات في شبكات المال الأسود لا يتلاشى بمجرد قطع أذرعه الظاهرة، بل يفتش دائماً عن أكثر الثغرات دفئاً وقرباً ليحرق الحصن من الداخل.​في ظهر اليوم التالي، وبينما كان إسلام يراجع بعض ملفات إعادة الهيكلة لشركته، دخلت الشقة شقيقته الصغرى "سارة" —شقيقة إسلام، الفتاة الشابة ذات الثمانية وعشرين عاماً، التي عاشت لسنوات في إنجلترا لندب دراستها في الهندسة المعمارية، وعادت مؤخراً لتستقر في مصر.​كانت سارة تبدو مختلفة؛ عيناها المتوترتان تطوفان بأرجاء الصالة، ويدها تضغط بعصبية

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة السابعة والعشرون

    الفصل السابع والعشرون: ​كانت القاهرة في منتصف الليل تتنفس برفق تحت غطاءٍ ثقيل من الضباب الساحلي الذي زحف من الشمال، ليغلف مجرى النيل برداءٍ فضيٍّ غامض. في الشقة الفاخرة، كانت الأنوار خافتة، وصوت حفيف الأشجار في الشارع هو الوحيد الذي يكسر صمت المكان.​جلست "ريهام" في الصالة، تنظر إلى "الدفتر الجلدي الصغير" المستقر على الطاولة الخشبية. برغم أن أختها "سارة" وأخاها "طارق" ووالدتها "الحاجة فاطمة" عادوا إلى حياتهم الآمنة بعد تطهير ملف "عمر العقاد"، وبرغم أن المحاكم أغلقت كل القضايا، إلا أن نغمة غريبة في أذنها كانت تمنعها من إغلاق عينيها.​كان "إسلام" يتفقد أقفال الأبواب وشاشات المراقبة التلفزيونية في الممر، وهو يرتدي معطفه المنزلي. ملامحه الفولاذية التي اعتادت الصمود بدت عليها مسحة خفيفة من الترقب. جلس إلى جوارها، وربت على يدها الحنونة قائلاً بصوته الرخيم:— "لسه صاحية يا ريهام؟ كل حاجة انتهت خلاص، والبيت آمن والأولاد نايمين زي الملائكة. العيلة اجمعت، والماضي اندفن بالكامل تحت جزم القانون."​أومأت ريهام برأسها، لكن عينها ظلت معلقة على نافذة الشرفة:— "مش عارفة يا إسلام.. بحس إن النيل لما ب

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة السادسة والعشرون

    الفصل السادس والعشرين: ​لم يكن الدفتر الجلدي قد أُغلق كما ظنت "ريهام" و"إسلام"؛ بل كان هناك سطرٌ غائبٌ كتبته الأقدار في طياتِ الماضي البعيد، سطرٌ لا يكتمل إلا بعودة الوجوه التي ظن الجميع أنها ابتعدت عن مسرح الأحداث.​في صباحِ يومٍ دافئ، ساد الهدوء شقة النيل؛ كان الصغيران "أحمد" و"نور" يلعبان في الصالة، بينما كان إسلام يتابع أعماله عبر الحاسوب، وريهام تعد القهوة في المطبخ وهي تسترجع في خاطرها أوهام السلام الأبدي. لكنّ هدوء البيت تحطم فجأة على صوت جرس الباب الذي دق بنبراتٍ متسارعة، حادة، تشي بحدثٍ طارئ لا يحتمل التأجيل.​فتح إسلام الباب، ل يتفاجأ بوجود "الأم" (والدة ريهام - الحاجة فاطمة) تقف على العتبة، وجهها يفيض بالاصفرار والتعب، وبجوارها شقيق ريهام الأكبر "طارق" وشقيقتها الصغرى "سارة". كانت الوجوه شاحبة، والأعين تلمع بخرق العادة، وكأنهم يفرون من خطرٍ يطارد خطواهم في أزقة القاهرة.​ركضت ريهام من المطبخ، وسقط الفنجان من يدها ليتحطم على الأرض فور رؤيتها لوالدتها التي ارتمت في أحضانها وهي تنتحب بصوت مكتوم:— "ريهام! يا بنتي الحقينيا.. الماضي مسبناش يا ريهام، السر اللي خبيته عنك وعن أباك

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الخامسة والعشرون

    الفصل الخامس والعشرون: ​لم تكن ليلة هادئة تلك التي تلت القبض على "شريف" واجتثاث شفرته الميتة. ساد الشقة المطلة على النيل صمتٌ ثقيلٌ ومريب، كأن الهواء نفسه تشبع بشحناتٍ كهرومغناطيسية تتنبأ بعاصفة غير مسبوقة.​كان "إسلام" يقف في شرفته، يراقب انعكاس أضواء الشارع على مياه النيل الداكنة. برغم أن الساعات الماضية شهدت سقوط كافة البيادق —من مصطفى وشريف إلى الثعلب زكريا خلف البحار— إلا أن حسه العسكري والأمني القديم كان يرسل إلى عقله ذبذبات حادة تحذره من أمرٍ غافل عنه الجميع. كانت هناك قطعة مفقودة في هذه الأحجية؛ سؤالٌ ملحّ لم يجد له إجابة: من الذي موّل عملية هروب شريف من المستشفى بتلك الاحترافية العالية التي تتجاوز قدرات زكريا المحاصر في سويسرا؟​في داخل الغرفة، كانت "ريهام" تتفقد طفليها "أحمد" و"نور" اللذين ناما في سلام. كانت تشعر بدفء الأمان ينساب في أوصالها، لكنها عندما نظرت إلى ظهر إسلام المشتد في الشرفة، أدركت أن الفارس لم يضع سيفه بعد، وأن المعركة الأخيرة ربما لم تُكتب أسطرها بعد.​​في تمام الساعة الواحدة صباحاً، اهتز هاتف إسلام الشخصي —الذي لا يعلم رقمه السرّي سوى ثلاثة أشخاص في العال

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status