LOGINالفصل الرابع /
** تدهور الحالة النفسية: في تلك الليلة المشؤومة، لم يكن إسلام في بيته. كان يسير في شوارع المدينة بلا هدى، تحت المطر الشديد الذي كان يغسل وجهه ويمتزج بدموعه الساخنة. كان يتخيلها الآن ببدلتها البيضاء مع رجل آخر، يستمع إلى ضحكاتها، ويملك الحق في النظر إلى عينيها التي طالما حرسها إسلام بنظراته العفيفة من بعيد لسنوات طويلة. عندما عاد إلى المنزل في ساعة متأخرة من الفجر، دخل غرفته وأغلق الباب خلفه بالمفتاح. ومنذ تلك الليلة، دخل إسلام في حالة أشبه بالغيبوبة النفسية. انقطع عن الذهاب إلى كلية التجارة لأسابيع، وامتنع عن التحدث مع أي فرد من أفراد عائلته، حتى مريم كانت تقف خلف الباب تبكي وتتوسل إليه أن يفتح لها دون جدوى. كان يقضي ساعات طويله مستلقيًا على فراشه، ينظر إلى السقف في صمت مطبق. يرفض الطعام إلا قشورًا تضعها والدته أمام الباب بعد إلحاح شديد. تحولت غرفته إلى زنزانة اختيارية، يعاقب فيها نفسه على قلة حيلته وعلى عدم قدرته على حماية حبه. تذكر كل تفاصيل طفولتهما؛ خطوط الطباشير، ضفائرها السوداء، مشيتها الهادئة، والرسالة في الدفتر الجلدي التي رفضت استلامها خوفًا من أهلها، والآن ها هم أهلها يسلمونها لرجل آخر باسم النصيب والمصلحة. مرت الشهور، وببطء شديد بدأ إسلام يتعافى ظاهريًا من غيبوبته النفسية، ليس لأن الجرح قد التأم، بل لأن الألم تحول إلى طاقة باردة من الإصرار والرغبة في الهروب الكامل. عاد إلى كليته، وركز كل جهده وعقله في الدراسة حتى تخرج بتقدير مرتفع في كلية التجارة. لكنه كان يعلم أن البقاء في هذه المدينة، واستنشاق نفس الهواء الذي تستنشقه ريهام، ورؤية الأماكن التي جمعتهما في صمت، سيظل يغرس الخناجر في قلبه يوميًا. كان يجب أن يرحل، أن يضع مسافات جغرافية شاسعة بينه وبين ماضيه الحاضر في عقله دائمًا. بمساعدة أحد أقاربه وتفوقه الدراسي، استطاع إسلام الحصول على عقد عمل مجزٍ في شركة استثمارية كبرى في الخارج. وفي الليلة التي سبقت سفره، وقف إسلام في غرفته يحزم حقائبه. دخلت عليه سارة وكانت ملامحها تحمل حزن الفراق وتأنيب الضمير لأنها كانت وسيطة في حكاية لم تكتمل. نظر إليها إسلام وابتسم ابتسامة باهتة وقال: — "لا تحزني يا سارة.. السفر هو الحل الوحيد. سأذهب لأبني نفسي، لأثبت لهذا القدر أنني كنت أستحقها، ولأنسى.. أو على الأقل لأتعلم كيف أعيش والذكريات تملأ رأسي دون أن تقتلني." احتضن شقيقته طويلًا، وفي جوف الليل، استقل سيارة الأجرة متوجهًا إلى المطار. غادر إسلام البلاد تاركًا خلفه حطام قصة حب صامتة بدأت ببريق قلم رصاص في الصف الرابع الابتدائي، وانتهت بدموع في المطار، لتبدأ ريهام في نفس الوقت فصلاً جديدًا وثقيلًا من حياتها الزوجية التي دامت لأكثر من خمس سنوات، دون أن تدري أن القدر ما زال يخبئ لهما في جعبته فصولًا أخرى لم تخطر على بال أحد. في بلاد الغربة: كانت العاصمة التي استقر فيها "إسلام" بالخارج باردة، صاخبة، ولا تنام. هنا، حيث ناطحات السحاب تعانق الضباب، والوجوه تمر عابرة دون أن تلتفت لأحد، وجد إسلام ملاذًا في هذا الصخب البارد ليختبئ فيه من ضجيج أفكاره. مرّت السنوات الخمس على غربته ثقيلة في بدايتها، ثم تحولت إلى إيقاع روتيني سريع بفعل الغرق المتواصل في العمل. نجح إسلام في تحقيق ما عجز عنه في وطنه. بذكائه واجتهاده وطاقته التي كان يفرغها في العمل هربًا من الفراغ، تدرج سريعًا في الشركة الاستثمارية حتى أصبح أحد المديرين التنفيذيين الشباب. امتلك الشقة الفاخرة، والسيارة الحديثة، والبريق الاجتماعي الذي كان يظن يومًا أنه لو ملكه لكانت "ريهام" تجلس بجواره الآن. لكن هذا النجاح المادي لم يكن سوى قشرة خارجية تخفي خلفها قلبًا توقف نبضه العاطفي منذ ليلة الزفاف المشؤومة. حاول إسلام مرارًا، وبتشجيع من أصدقائه الجدد، أن يفتح قلبه لقصة حب جديدة؛ التقى بفتيات كثيرات، بعضهن تميزن بالجمال والذكاء، لكنه في كل مرة كان يبحث في عيونهن عن تلك البراءة الريفية، وعن نظرة الحياء التي كانت تمنحه إياها ريهام في ممرات الجامعة. كان يدرك بأسى أنه مصاب بمرض "الحب الأول"، وأن ريهام لم تكن مجرد امرأة أحبها، بل كانت جزءًا من تكوينه النفسي الذي لا يمكن انتزاعه دون تدمير الذات. كان يجلس في شقته ليلًا، ينظر من النافذة الزجاجية الكبيرة إلى أضواء المدينة المتحركة، ويمسك بكوب القهوة الدافئ، ليتذكر في صمت خطوط الطباشير القديمة، ويتساءل إن كانت هي الأخرى تتذكره، أم أن دوامة الحياة الزوجية والأمومة قد جرفتها بعيدًا عنه. **زواج بلا روح: في تلك الأثناء، وفي شقة أنيقة تقع في إحدى البنايات الحديثة في مصر، كانت ريهام تعيش حياة يمكن وصفها بكل شيء إلا أنها حياة. مرّت خمس سنوات على زواجها من المهندس "مصطفى". تخرجت ريهام من كلية التربية، لكنها لم تجد شغفًا حتى في العمل، فآثرت البقاء في المنزل، مستسلمة لروتين قاتل يمتص أيامها ببطء. كان مصطفى زوجًا تقليديًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ يوفر لها أرقى مستويات المعيشة، ويلبي طلباتها المادية دون تردد، لكنه كان غائبًا بجسده وروحه خلف شاشات حاسوبه ومشاريع عمله التي لا تنتهي. لم يكن هناك تقارب فكري أو عاطفي بينهما. كانت ريهام تشعر أنها مجرد قطعة أثاث ثمينة في منزله، يؤدي نحوها واجباته الزوجية بآلية جافة، دون أن يدرك أن خلف هذا الهدوء بركانًا من الوحدة والانطفاء. "ما أصعب أن تعيش تحت سقف واحد مع شخص يشاركك الفراش والطعام، لكنه لا يشاركك فكرة واحدة، أو نبضة قلب، أو دمعة خفية في جوف الليل." كانت ريهام تمضي نهارها في تنظيف البيت وإعداد الطعام، وانتظار مصطفى الذي يعود متأخرًا ليتناول عشاءه وينام. وفي غمرة هذه الوحدة، كان طيف إسلام يزورها دائمًا. كانت تتذكر صديقتها سارة التي انقطعت أخبارها تدريجيًا بعد سفر إسلام وزواج ريهام، وتشعر بالندم لأنها لم تملك الشجاعة يومًا لتدافع عن حبها. كانت تعزي نفسها بـأن "الأهل أرادوا مصلحتها"، لكنها بعد خمس سنوات من هذا الزواج البارد، بدأت تتساءل: هل هذه هي المصلحة حقًا؟ هل المصلحة في أن يموت الإنسان حيًا؟الفصل الثلاثون :مرت السنوات على القاهرة هادئةً وادعة، كأنها تمسح بأيديها الدافئة كل آثار الرعب والدم والأوراق المشبوهة التي خاضت "ريهام" وزوجها "إسلام" أتونها لسنوات طويلة. لم تكن الشقة المطلة على النيل مجرد سكنٍ فاخر، بل أصبحت محراباً مهيباً تشع منه الطمأنينة، وتتسامى فيه ذكرى انتصار الشرف والأصول على كل أشكال الغدر والابتزاز.كبر الصغيران "أحمد" و"نور" تحت عينين لا تنامان؛ عيني إسلام اللتين حفظتا البيت بالصلابة والعدل، وعيني ريهام اللتين ملأتا أركانه بالحنان والتقوى. أتم أحمد دراسته في علوم الحاسوب والأمن السيبراني، مقتفياً أثر والده في حماية ثغرات الوطن والمؤسسات، بينما تخرجت نور في كلية الإعلام، لتصبح الصوت الناطق لمؤسسة أمها الخيرية، تنشر الأمل وتدافع عن كرامة النساء والفقراء.أما عائلة ريهام —الأم "الحاجة فاطمة"، والأخ "طارق"، والأخت "سارة"— فقد التأم شملهم بالكامل، وطُهرت جذورهم من أشباح الماضي، ليعيشوا في سلامٍ مطلقٍ بعد أن أغلقت النيابة العامة والقضاء كافة الملفات القديمة بحكامٍ باتة لا رجعة فيها.في صباح يومٍ مشرق من أيام الخريف، تلقى إسلام إشعاراً رسمياً من مجلس الوزرا
الفصل التاسع والعشرون: كانت القاهرة تغرق في ليلة صيفية شديدة الحرارة، ليلة خنق فيها الضباب الرطب أنفاس المدينة، وجعل مجرى النيل يبدو كشريط زئبقي أسود يسري بين أضواء البنايات الفارهة.في شقة "إسلام" و**"ريهام"**، كان الهدوء يبدو كاملاً ومكتظاً بالإيحاء بالسلام. نام الصغيران "أحمد" و"نور" في غرفتهما، وعادت "سارة" —شقيقة إسلام— إلى بيتها بعد أن أُسقطت عنها كافة الشبهات وحُميت كرامتها بأيدٍ من فولاذ.جلست ريهام في الصالة، تنظر إلى "الدفتر الجلدي الصغير" القابع على الطاولة، وفي يدها كوب شاي ساخن ينبعث منه البخار ببطء. كان إسلام يجلس أمام حاسوبه الشخصي في المكتب، يتابع الإجراءات النهائية لتأمين شبكات مؤسسة ريهام الخيرية وشركته الاستثمارية.قالت ريهام وهي تنظر إليه عبر الباب المفتوح:— "إسلام.. تفتكر خلاص؟ مفيش أسماء تانية؟ مفيش أوراق منسية في أي خزنة قديمة؟ أنا كل ما أسمع صوت الريح في الشباك بحس إن الشباك بيكلمني عن خطر جديد."التفت إليها إسلام، وبدت في عينيه ملامح الإرهاق المحفور بسنوات من المراقبة والتأهب، لكنه ابتسم بثقة هادئة وقال:— "ريهام.. الشبكة الدولية اتقبض على أطرافها في سو
الفصل الثامن والعشرون: لم تكن سماء القاهرة قد استعادت حُمرتها الطبيعية بعد ليلة السرداب بالشرقية، حين توقفت سيارة "إسلام" و**"ريهام"** أمام البناية المطلة على النيل. كانت ملامح ريهام تبدو كسطح بحيرة بعد عاصفة عاتية: هادئة، ناصعة، لكنها محفورة بالجهد والتعب.كانت تظن —كما ظن إسلام— أن سقوط "شريف الموصلي" وانكشاف الحقيقة الكاملة لأوراق الحاج أحمد قد أقفل آخر أبواب الجحيم، وأن "الدفتر الجلدي الصغير" لن يحتاج إلى قطرة حبر واحدة أخرى.لكنّ البيوت التي خاضت معارك الشرف والدم لا تتركها الأقدار ترتاح بسهولة؛ فالشر الذي متد جذوره لسنوات في شبكات المال الأسود لا يتلاشى بمجرد قطع أذرعه الظاهرة، بل يفتش دائماً عن أكثر الثغرات دفئاً وقرباً ليحرق الحصن من الداخل.في ظهر اليوم التالي، وبينما كان إسلام يراجع بعض ملفات إعادة الهيكلة لشركته، دخلت الشقة شقيقته الصغرى "سارة" —شقيقة إسلام، الفتاة الشابة ذات الثمانية وعشرين عاماً، التي عاشت لسنوات في إنجلترا لندب دراستها في الهندسة المعمارية، وعادت مؤخراً لتستقر في مصر.كانت سارة تبدو مختلفة؛ عيناها المتوترتان تطوفان بأرجاء الصالة، ويدها تضغط بعصبية
الفصل السابع والعشرون: كانت القاهرة في منتصف الليل تتنفس برفق تحت غطاءٍ ثقيل من الضباب الساحلي الذي زحف من الشمال، ليغلف مجرى النيل برداءٍ فضيٍّ غامض. في الشقة الفاخرة، كانت الأنوار خافتة، وصوت حفيف الأشجار في الشارع هو الوحيد الذي يكسر صمت المكان.جلست "ريهام" في الصالة، تنظر إلى "الدفتر الجلدي الصغير" المستقر على الطاولة الخشبية. برغم أن أختها "سارة" وأخاها "طارق" ووالدتها "الحاجة فاطمة" عادوا إلى حياتهم الآمنة بعد تطهير ملف "عمر العقاد"، وبرغم أن المحاكم أغلقت كل القضايا، إلا أن نغمة غريبة في أذنها كانت تمنعها من إغلاق عينيها.كان "إسلام" يتفقد أقفال الأبواب وشاشات المراقبة التلفزيونية في الممر، وهو يرتدي معطفه المنزلي. ملامحه الفولاذية التي اعتادت الصمود بدت عليها مسحة خفيفة من الترقب. جلس إلى جوارها، وربت على يدها الحنونة قائلاً بصوته الرخيم:— "لسه صاحية يا ريهام؟ كل حاجة انتهت خلاص، والبيت آمن والأولاد نايمين زي الملائكة. العيلة اجمعت، والماضي اندفن بالكامل تحت جزم القانون."أومأت ريهام برأسها، لكن عينها ظلت معلقة على نافذة الشرفة:— "مش عارفة يا إسلام.. بحس إن النيل لما ب
الفصل السادس والعشرين: لم يكن الدفتر الجلدي قد أُغلق كما ظنت "ريهام" و"إسلام"؛ بل كان هناك سطرٌ غائبٌ كتبته الأقدار في طياتِ الماضي البعيد، سطرٌ لا يكتمل إلا بعودة الوجوه التي ظن الجميع أنها ابتعدت عن مسرح الأحداث.في صباحِ يومٍ دافئ، ساد الهدوء شقة النيل؛ كان الصغيران "أحمد" و"نور" يلعبان في الصالة، بينما كان إسلام يتابع أعماله عبر الحاسوب، وريهام تعد القهوة في المطبخ وهي تسترجع في خاطرها أوهام السلام الأبدي. لكنّ هدوء البيت تحطم فجأة على صوت جرس الباب الذي دق بنبراتٍ متسارعة، حادة، تشي بحدثٍ طارئ لا يحتمل التأجيل.فتح إسلام الباب، ل يتفاجأ بوجود "الأم" (والدة ريهام - الحاجة فاطمة) تقف على العتبة، وجهها يفيض بالاصفرار والتعب، وبجوارها شقيق ريهام الأكبر "طارق" وشقيقتها الصغرى "سارة". كانت الوجوه شاحبة، والأعين تلمع بخرق العادة، وكأنهم يفرون من خطرٍ يطارد خطواهم في أزقة القاهرة.ركضت ريهام من المطبخ، وسقط الفنجان من يدها ليتحطم على الأرض فور رؤيتها لوالدتها التي ارتمت في أحضانها وهي تنتحب بصوت مكتوم:— "ريهام! يا بنتي الحقينيا.. الماضي مسبناش يا ريهام، السر اللي خبيته عنك وعن أباك
الفصل الخامس والعشرون: لم تكن ليلة هادئة تلك التي تلت القبض على "شريف" واجتثاث شفرته الميتة. ساد الشقة المطلة على النيل صمتٌ ثقيلٌ ومريب، كأن الهواء نفسه تشبع بشحناتٍ كهرومغناطيسية تتنبأ بعاصفة غير مسبوقة.كان "إسلام" يقف في شرفته، يراقب انعكاس أضواء الشارع على مياه النيل الداكنة. برغم أن الساعات الماضية شهدت سقوط كافة البيادق —من مصطفى وشريف إلى الثعلب زكريا خلف البحار— إلا أن حسه العسكري والأمني القديم كان يرسل إلى عقله ذبذبات حادة تحذره من أمرٍ غافل عنه الجميع. كانت هناك قطعة مفقودة في هذه الأحجية؛ سؤالٌ ملحّ لم يجد له إجابة: من الذي موّل عملية هروب شريف من المستشفى بتلك الاحترافية العالية التي تتجاوز قدرات زكريا المحاصر في سويسرا؟في داخل الغرفة، كانت "ريهام" تتفقد طفليها "أحمد" و"نور" اللذين ناما في سلام. كانت تشعر بدفء الأمان ينساب في أوصالها، لكنها عندما نظرت إلى ظهر إسلام المشتد في الشرفة، أدركت أن الفارس لم يضع سيفه بعد، وأن المعركة الأخيرة ربما لم تُكتب أسطرها بعد.في تمام الساعة الواحدة صباحاً، اهتز هاتف إسلام الشخصي —الذي لا يعلم رقمه السرّي سوى ثلاثة أشخاص في العال







