Teilen

الحلقة الثامنه

last update Veröffentlichungsdatum: 06.07.2026 07:45:22

(الفصل الثامن:

​لم تكن الأيام التي تلت اللقاء العاصف في المكتبة القديمة هادئة في وجدان "إسلام"، بل كانت أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة، عاد إلى منزل عائلته وروحه تفيض بعزيمة انقطعت لسنوات..

كان يعلم يقينًا أن عقلية والد "ريهام" عقلية تحكمها الأصول وتزن الرجال بميزان الاستقرار والمكانة والقدرة على حماية ابنتهم وتأمين مستقبلها، خاصة بعد تجربة طلاقها الحساسة.

​جلس إسلام مع شقيقته "سارة" في جوف الليل لترتيب الخطوة الاستراتيجية الأولى.

قال إسلام بنبرة حاسمة:

— "سارة.. أنا مش عايز أي غلطة. إحنا مش هنروح نطلب ريهام بشكل مفاجئ يخليهم يحسوا إن في ترتيب مسبق، أو يثير ريبتهم ومخاوفهم على سمعة البنت وهي لسه خارجة من تجربة طلاق من شهر واحد. أنا عايزك تتصلي بوالدة ريهام بحكم الصداقة اللي بينك وبين بنتها، وتلمحي ليها إن أخوكي رجع من السفر، وإنه بيدور على زوجة صالحة، وإنك مش شايفه حد بأدب وأصل ريهام.. سيبيهم هما اللي يفتحوا الباب لينا."

​وافقت سارة على الخطة الذكية، وبالفعل، في اليوم التالي، أجرت اتصالاً هادئًا بوالدة ريهام، حيث بدأت سارة بالاطمئنان على أحوال ريهام ومواساتها، ثم عرجت بسلاسة نحو الحديث عن شقيقها إسلام، مستعرضةً نجاحاته المبهرة في الخارج، ومنصبه التنفيذي، وكيف أنه يملك كل مقومات الرجل الجاهز الذي يبحث عن الاستقرار والنقاء. التقطت الأم الخيط فورًا، وسرى في صدرها بريق أمل غامض، فابنتها مطلقة في مجتمع يترصدها، وتقدم شاب بهذه المواصفات يعد طوق نجاة أرسله القدر.

​بمجرد أن أغلقت الأم الهاتف، توجهت مسرعة إلى غرفة زوجها "الحاج أحمد"، حيث كان يجلس واجمًا يراجع بعض دفاتر حساباته. جلست بجواره ونبرة صوتها تحمل لهفة حقيقية:

— "يا حاج.. جالي تليفون دلوقتي من سارة، البنت اللي كانت صاحبة ريهام في الكلية. بتلمح إن أخوها إسلام رجع من بره.. شاب مهندس ومستثمر، شغال مدير في شركة كبيرة في الخليج، وعنده شقته وعربيته وجاهز من كل شيء. البنت بتقول ن اخوها عايز يتقدم لريهام، وشايف إن طلاقها مش عيب، ده شاري أدبها وأصلها."

​قطب الحاج أحمد جبينه، ووضع نظارته على الطاولة بصدمة ممزوجة بالشك:

— "أخو سارة؟ إسلام؟ مش ده الواد اللي كان معاها في المدرسة زمان؟" ثم صمت لبرهة يسترجع الذاكرة، وتابع بنبرة حذرة: "بس البنت لسه مطلقة مكملتش شهرين يا أم ريهام! الناس هتقول إيه؟ هيقولوا كانت على علاقة بيه؟ ولا هيقولوا صدقت ما صدقت خلصت من مصطفى عشان تاخد غيره؟ الأصول بتقول نستنى شوية."

​ثارت الأم دافعة عن مصلحة ابنتها..

— "أصول إيه يا حاج! البنت بريئة وظلمها مصطفى وعشنا في نكد خمس سنين. الشاب جاهز ومش ناقصه حاجة، والفرصة دي لو ضاعت والناس عرفت إنها مطلقة ومبتخلفش —زي ما مصطفى وأمه روجوا في الحتة— محدش هيعبرنا تاني. الشاب مستعد يدخل من الباب.. اقعد معاه وشوفه."

​تحت إلحاح الأم، وافق الحاج أحمد على استقبال الشاب بشكل مبدئي كـ "زيارة تعارف عائلية" دون إعلان رسمي، على أن يحدد الموعد في نهاية الأسبوع.

​في غرفتها، كانت ريهام تستمع إلى همسات والديها المرتفعة خلف الباب. كان

يدها تقبض بقوة على الدفتر الجلدي الصغير المخفي تحت وسادتها. أخيرًا.. الحلم القديم يطرق الباب الحقيقي، الصبي الذي كان يحرسها بصمت من المقاعد الخلفية يأتي اليوم كقائد يملك أسلحة المواجهة كاملة.

​دخلت عليها والدتها والابتسامة تعود لوجهها لأول مرة منذ الطلاق:

— "ريهام يا بنتي.. جايلك عريس، وأبوكي وافق يقابله يوم الخميس. إسلام أخو صاحبتك سارة. وشاريكي بالدنيا."

​تظاهرت ريهام بالخجل ونكست رأسها في الأرض قائلة بصوت خافت:

— "اللي تشوفه يا أمي.. بس أنا خايفة من رأي بابا وكلام الناس في الشارع."

ربتت الأم على كتفها بحنان:

— "متخافيش يا حبيبتي.. ادعي ربنا يقدم اللي فيه الخير."

​أمضت ريهام الليالي المتبقية حتى يوم الخميس في حالة من التضرع والدعاء؛ لم تكن تبكي حزنًا هذه المرة، بل كانت تبكي خوفًا من أن يعاندها القدر في اللحظات الأخيرة، وتتمنى أن تكتمل اللوحة التي بدأت خطوطها بالطباشير على رصيف المدرسة الابتدائية.

​جاء يوم الخميس المنتظر، واكتسى بيت الحاج أحمد بحالة من الترقب. في تمام الساعة السابعة مساءً، رن جرس الباب. فتح الحاج أحمد ل يجد أمامه إسلام، يرافقه خاله (كرجل حكيم من العائلة) وشقيقته سارة.

​كان إسلام يرتدي حُلة رسمية زرقاء داكنة (كحلي)، تفيض بالرقي والوقار، ويحمل في يده باقة فاخرة من الورد الأبيض وعلبة من الشوكولاتة الثمينة.

خطى داخل الصالون بخطوات واثقة وهادئة، ونبرة صوته عند إلقاء التحية كانت تحمل مزيجًا عاصفًا من احترام الأصول وكبرياء الرجل الناجح.

​جلس الجميع، وبدأ الحوار التقليدي الذي قاده خال إسلام بذكاء، ممهدًا الحديث عن تفوق ابن أخته وعمله في الخارج ورغبته في الاستقرار مع فتاة من بيت كريم يناسب أصولهم. كان الحاج أحمد يراقب إسلام بدقة شديدة؛ يتفحص نظرات عينيه، طريقة كلامه، وثقته بنفسه وهو يشرح طبيعة عمله الاستثماري ومخططاته لبناء حياة مستقرة في مصر أو الخارج حسب رغبة زوجته المستقبيلية.

​شعر الحاج أحمد بداخل نفسه بإنبهار مكتوم؛ فالشاب الذي أمامه ليس مراهقًا طائشًا، بل رجل بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يملك البريق والجاه والمستقبل الذي يضمن لابنته حياة كريمة تعوضها عن جحيم خمس سنوات مضت.

​طلب الحاج أحمد من زوجته إحضار ريهام لتقديم العصير والجلوس في الرؤية الشرعية المعتادة. دلفت ريهام إلى الصالون بخطوات متهدجة، كانت تحمل الصينية بعبء مرتجف، وعيناها مثبتتان في الأرض بحياء شديد. وضعت الصينية، وجلست على مقعد مقابل لوالدها وإسلام.

​رفع إسلام رأسه ونظر إليها. كانت هذه هي المرة الأولى التي يملك فيها الحق الشرعي والقانوني والاجتماعي لينظر إلى وجهها تحت سقف بيتها وبعلم أهلها. طافت في عقله ملامح الطفلة ذات الضفيرتين، وطالبة الجامعة العفيفة، والعروس المكلومة، ورأى فيها اليوم نضج المرأة التي صقلتها التجارب وازدادت في عينه رفعة وجمالاً.

​تنحنح الحاج أحمد، وطلب من الجميع تركهما للحديث لدقائق تحت أنظاره. ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يكسره إسلام بصوت منخفض، دافئ، يحمل نبرة حانية التفتت لها روح ريهام فورًا:

— "شفتي يا ريهام؟ قعدت في الصالون ده وكلمتك قدام والدك.. زي ما وعدتك في المكتبة. الصمت بتاع زمان خلص، ودلوقتي أنا هنا عشان أخدك وممشيش من غيرك."

​رفعت ريهام عينيها لتلتقي بعينيه السوداوين، وقالت بنبرة مشوبة بالدموع المكتومة:

— "أنا كنت خايفة يا إسلام.. خايفة الدنيا تعاندنا تاني."

ابتسم إسلام ابتسامة ثقة غسلت مخاوفها:

— "مفيش خوف تاني.. أنا اتكلمت مع أبوكي، أنا هقدم كل الضمانات اللي تخليه يطمن عليكي، ومش هسيب كلام الناس يقف في طريقنا."

​بعد انصراف ريهام، عاد الحاج أحمد للحديث مع إسلام وخاله بوجه أكثر انفتاحاً، لكنه قرر وضع النقاط على الحروف واختبار مدى تمسك الشاب بابنته المطلقة:

— "يا ابني.. إنت شاب زين، وألف مين تتماك. وريهام بنتي طيبة وأصيلة، بس إنت عارف ظروفها.. البنت خارجة من تجربة زواج ومحصلش نصيب في الخلفة، والناس هنا مبتسيبش حد في حاله. إيه اللي يخلي شاب في مركزك يصر على واحدة مطلقة؟"

​نظر إسلام إلى الحاج أحمد بثبات وصدق، وقال بنبرة قوية نابعة من جوف قلبه:

— "يا عمي.. أنا عارف ريهام من وإحنا أطفال في المدرسة الابتدائية. ريهام بالنسبة لي مش مجرد عروسة بختارها بالوصف.. ريهام هي البنت الوحيدة اللي تمنيتها في حياتي. طلاقها مش عيب، ده شرف ليها إنها حافظت على كرامتها ورفضت الظلم. أما موضوع الخلفة.. ده رزق بتاع ربنا، وأنا شاري ريهام لنفسها، ولو ربنا مرزقناش بأولاد، ريهام عندي بالدنيا وما فيها. أنا جاهز لكل شروطك؛ ومستعد أكتب كتابي عليها فورا ونعمل الفرح وقت ما تحبوا عشان نقطع لسان أي حد يتكلم."

​وقع كلام إسلام كالغيث على قلب الحاج أحمد؛ فقد لمس فيه رجولة نادرة وإخلاصاً عز وجوده في هذا الزمن. التفت الحاج أحمد إلى خال إسلام، ومد يده مصافحاً وقال وعيناه تلمعان باحترام:

— "على بركة الله يا ابني.. أنا بنتي غالية عليا، وإنت أثبتت إنك راجل وتستاهلها. نقرأ الفاتحة، وربنا يتمم بخير."

​قُرئت الفاتحة في الصالون، وتصاعدت الزغاريد الخافتة من داخل البيت لتعلن انتصار الحب الأول على قيود النصيب.

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الثانية والثلاثون

    الفصل الثاني والثلاثون ​عند مرور ثلاثة أشهر كاملة على ذلك الحادث المشؤوم الذي غير مجرى كل شيء. ثلاثة أشهر تحولت فيها ممرات المستشفى الباردة، برائحة المعقمات النفاذة وصوت أجهزة مراقبة النبض الرتيبة، إلى مجرد ذكرى بعيدة يحاول الجميع تناسيها. عاد "مصطفى" إلى بيته مرة أخرى، ولكن بعد أن كتب الله له حياة مرة ثانية، لكنه لم يعد الشخص نفسه الذي غادره في تلك الليلة العاصفة وذلك اليوم الموعود الذي كاد أن ينهي حياته في غمضة عين. ​الحادث ترك ندوباً واضحة وجلية على جسده؛ فما زال يستند إلى عصا يتكأ عليها أثناء سيره، تعينه على تعثر قدمه اليسرى التي نالت النصيب الأكبر من الكسور. وعلى جبهته، استقرت ندبة طويلة ممتدة تحكي بدقة تفاصيل ارتطام رأسه بزجاج السيارة في ليلة المطر. لكن الندوب الأعمق والأكثر تأثيراً لم تكن تلك الظاهرة للعيان، بل كانت الندوب التي حُفرت في روحه، والتي تبدلت تماماً بطريقة أذهلت كل من يعرفه. ​جلس مصطفى في شرفة منزله المطلة على حديقة صغيرة، يتأمل غروب الشمس وغرق في التفكير وفي ذلك اليوم المشؤوم، كان يحمل بين يديه كوباً من الشاي الدافئ، يتصاعد منه البخار ليلامس وجهه، ونفحات الهواء

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الواحد والثلاثين

    الفصل الواحد والثلاثون:بعد مرور عدة سنوات كبرت الصغيرة نور وتزوجت من مصطفى، وهو رجل ناجح في حياته المهنية لكنه يعيش غصة قلبت حياته وحياته الزوجية رأساً على عقب. بعد سنوات من الزواج والفحوصات الطبية المستمرة، يتلقى مصطفى الصدمة الكبرى: هو رجل عقيم ولا أمل طبي في إنجابه. هذا الخبر يحوّل حياته إلى سلسلة من الإحباطات، وتبدأ الفجوة تتسع بينه وبين زوجته، وتتحول الأجواء في بيتهما إلى صمت قاتل يشوبه شعور بالذنب والعجز.​ساد الصمت الغرفة مجدداً، لكنه لم يكن صمتاً عادياً؛ بل كان أشبه بهدوء كئيب يعقب انفجاراً مدمراً. كانت دموع نور تتساقط في صمتٍ جريح، وهي تنظر إلى الرجل الذي شاركته أجمل سنوات عمرها، الرجل الذي تحول بسبب وجعه الدفين إلى غربةٍ متجسدة، تنفر من كل يدٍ تُمد لترميم انكساره.​أشاح مصطفى بوجهه عنها، خجلاً من تفجره القاسي، وعاجزاً عن الاعتذار. كان صدره يعلو ويهبط بأنسجةٍ مجهدة، ونبضات قلبه تتسارع كطبلٍ يقرع بالخطر. لم يستطع البقاء في هذه الغرفة ثانية واحدة أخرى؛ فنظرات نور لم تكن تتضمن غضباً، بل حزناً خالصاً، وكان حزنها تحديداً هو النصل الذي يقطع نياط قلبه.​التقط مفاتيح سيارته وسترته ا

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الثلاثون

    الفصل الثلاثون :​مرت السنوات على القاهرة هادئةً وادعة، كأنها تمسح بأيديها الدافئة كل آثار الرعب والدم والأوراق المشبوهة التي خاضت "ريهام" وزوجها "إسلام" أتونها لسنوات طويلة. لم تكن الشقة المطلة على النيل مجرد سكنٍ فاخر، بل أصبحت محراباً مهيباً تشع منه الطمأنينة، وتتسامى فيه ذكرى انتصار الشرف والأصول على كل أشكال الغدر والابتزاز.​كبر الصغيران "أحمد" و"نور" تحت عينين لا تنامان؛ عيني إسلام اللتين حفظتا البيت بالصلابة والعدل، وعيني ريهام اللتين ملأتا أركانه بالحنان والتقوى. أتم أحمد دراسته في علوم الحاسوب والأمن السيبراني، مقتفياً أثر والده في حماية ثغرات الوطن والمؤسسات، بينما تخرجت نور في كلية الإعلام، لتصبح الصوت الناطق لمؤسسة أمها الخيرية، تنشر الأمل وتدافع عن كرامة النساء والفقراء.​أما عائلة ريهام —الأم "الحاجة فاطمة"، والأخ "طارق"، والأخت "سارة"— فقد التأم شملهم بالكامل، وطُهرت جذورهم من أشباح الماضي، ليعيشوا في سلامٍ مطلقٍ بعد أن أغلقت النيابة العامة والقضاء كافة الملفات القديمة بحكامٍ باتة لا رجعة فيها.​في صباح يومٍ مشرق من أيام الخريف، تلقى إسلام إشعاراً رسمياً من مجلس الوزرا

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة التاسعة والعشرون

    الفصل التاسع والعشرون: ​كانت القاهرة تغرق في ليلة صيفية شديدة الحرارة، ليلة خنق فيها الضباب الرطب أنفاس المدينة، وجعل مجرى النيل يبدو كشريط زئبقي أسود يسري بين أضواء البنايات الفارهة.​في شقة "إسلام" و**"ريهام"**، كان الهدوء يبدو كاملاً ومكتظاً بالإيحاء بالسلام. نام الصغيران "أحمد" و"نور" في غرفتهما، وعادت "سارة" —شقيقة إسلام— إلى بيتها بعد أن أُسقطت عنها كافة الشبهات وحُميت كرامتها بأيدٍ من فولاذ.​جلست ريهام في الصالة، تنظر إلى "الدفتر الجلدي الصغير" القابع على الطاولة، وفي يدها كوب شاي ساخن ينبعث منه البخار ببطء. كان إسلام يجلس أمام حاسوبه الشخصي في المكتب، يتابع الإجراءات النهائية لتأمين شبكات مؤسسة ريهام الخيرية وشركته الاستثمارية.​قالت ريهام وهي تنظر إليه عبر الباب المفتوح:— "إسلام.. تفتكر خلاص؟ مفيش أسماء تانية؟ مفيش أوراق منسية في أي خزنة قديمة؟ أنا كل ما أسمع صوت الريح في الشباك بحس إن الشباك بيكلمني عن خطر جديد."​التفت إليها إسلام، وبدت في عينيه ملامح الإرهاق المحفور بسنوات من المراقبة والتأهب، لكنه ابتسم بثقة هادئة وقال:— "ريهام.. الشبكة الدولية اتقبض على أطرافها في سو

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الثامنه والعشرون

    الفصل الثامن والعشرون: ​لم تكن سماء القاهرة قد استعادت حُمرتها الطبيعية بعد ليلة السرداب بالشرقية، حين توقفت سيارة "إسلام" و**"ريهام"** أمام البناية المطلة على النيل. كانت ملامح ريهام تبدو كسطح بحيرة بعد عاصفة عاتية: هادئة، ناصعة، لكنها محفورة بالجهد والتعب.​كانت تظن —كما ظن إسلام— أن سقوط "شريف الموصلي" وانكشاف الحقيقة الكاملة لأوراق الحاج أحمد قد أقفل آخر أبواب الجحيم، وأن "الدفتر الجلدي الصغير" لن يحتاج إلى قطرة حبر واحدة أخرى.​لكنّ البيوت التي خاضت معارك الشرف والدم لا تتركها الأقدار ترتاح بسهولة؛ فالشر الذي متد جذوره لسنوات في شبكات المال الأسود لا يتلاشى بمجرد قطع أذرعه الظاهرة، بل يفتش دائماً عن أكثر الثغرات دفئاً وقرباً ليحرق الحصن من الداخل.​في ظهر اليوم التالي، وبينما كان إسلام يراجع بعض ملفات إعادة الهيكلة لشركته، دخلت الشقة شقيقته الصغرى "سارة" —شقيقة إسلام، الفتاة الشابة ذات الثمانية وعشرين عاماً، التي عاشت لسنوات في إنجلترا لندب دراستها في الهندسة المعمارية، وعادت مؤخراً لتستقر في مصر.​كانت سارة تبدو مختلفة؛ عيناها المتوترتان تطوفان بأرجاء الصالة، ويدها تضغط بعصبية

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة السابعة والعشرون

    الفصل السابع والعشرون: ​كانت القاهرة في منتصف الليل تتنفس برفق تحت غطاءٍ ثقيل من الضباب الساحلي الذي زحف من الشمال، ليغلف مجرى النيل برداءٍ فضيٍّ غامض. في الشقة الفاخرة، كانت الأنوار خافتة، وصوت حفيف الأشجار في الشارع هو الوحيد الذي يكسر صمت المكان.​جلست "ريهام" في الصالة، تنظر إلى "الدفتر الجلدي الصغير" المستقر على الطاولة الخشبية. برغم أن أختها "سارة" وأخاها "طارق" ووالدتها "الحاجة فاطمة" عادوا إلى حياتهم الآمنة بعد تطهير ملف "عمر العقاد"، وبرغم أن المحاكم أغلقت كل القضايا، إلا أن نغمة غريبة في أذنها كانت تمنعها من إغلاق عينيها.​كان "إسلام" يتفقد أقفال الأبواب وشاشات المراقبة التلفزيونية في الممر، وهو يرتدي معطفه المنزلي. ملامحه الفولاذية التي اعتادت الصمود بدت عليها مسحة خفيفة من الترقب. جلس إلى جوارها، وربت على يدها الحنونة قائلاً بصوته الرخيم:— "لسه صاحية يا ريهام؟ كل حاجة انتهت خلاص، والبيت آمن والأولاد نايمين زي الملائكة. العيلة اجمعت، والماضي اندفن بالكامل تحت جزم القانون."​أومأت ريهام برأسها، لكن عينها ظلت معلقة على نافذة الشرفة:— "مش عارفة يا إسلام.. بحس إن النيل لما ب

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status