로그인الفصل التاسع
المدينة التي تخفي الأسرار غادر رفيق المستودع القديم بعد ساعات طويلة من البحث والنقاش مع سامر. كانت السماء ما تزال تمطر بغزارة، وكأنها تحاول غسل آثار الماضي التي بدأت تظهر من جديد. وقف قرب سيارته للحظات. ينظر إلى الطريق الممتد أمامه. كان يعلم أن حياته لم تعد كما كانت. قبل أسابيع قليلة كان يعيش بهدوء، محاطًا بكتبه وعمله وذكرياته الصامتة. أما الآن، فقد أصبح جزءًا من قصة أكبر بكثير مما تخيل. قصة بدأت قبل خمسة وعشرين عامًا. وها هي تعود لتطال الجميع. حتى نورة. --- في طريق عودته إلى المنزل، اهتز هاتفه. كانت رسالة منها. "أتمنى أن تكون بخير." قرأ الكلمات أكثر من مرة. ورغم بساطتها، شعر بدفء غريب يتسلل إلى قلبه. لأول مرة منذ أيام خفّ ذلك الثقل قليلًا. كتب ردًا سريعًا: "أنا بخير. أعتذر عن اختفائي اليوم." وصل الرد بعد ثوانٍ. "كنت قلقة فقط." ابتسم دون أن يشعر. ثم أغلق الهاتف. لكن ابتسامته لم تدم طويلًا. فما ينتظره في الأيام القادمة قد يغيّر كل شيء. --- في صباح اليوم التالي، التقى سامر في المقهى القريب من الميناء. كان المكان شبه فارغ. والبحر يبدو رماديًا تحت الغيوم الكثيفة. وضع سامر مجموعة من الأوراق فوق الطاولة. وقال: "تحققت من المعلومات." رفع رفيق رأسه. "وماذا وجدت؟" فتح سامر إحدى الصفحات. وأشار إلى عنوان محدد. "الرجل الذي نبحث عنه شوهد آخر مرة في مدينة الساحل الأزرق." شعر رفيق بأنفاسه تتسارع. كان الاسم يتكرر باستمرار. في الرسائل. وفي الوثائق. وفي شهادات الأشخاص. كأن كل الطرق تؤدي إلى تلك المدينة. قال سامر: "إذا كان هناك شخص يعرف الحقيقة كاملة، فهو هناك." ساد الصمت للحظة. ثم قال رفيق: "متى ننطلق؟" ابتسم سامر. "غدًا عند الفجر." --- في ذلك المساء، التقى رفيق بنورة قرب البحر. كانت الأمواج هادئة على غير عادتها. والنسيم يحمل رائحة المطر. جلست نورة على المقعد الخشبي المعتاد. وما إن رأته يقترب حتى أدركت أن شيئًا تغير. كان يبدو أكثر جدية. وأكثر إرهاقًا. لكن هناك تصميمًا جديدًا في عينيه. قالت: "أنت بخير الآن؟" جلس بجانبها. وأجاب: "أفضل من الأيام الماضية." ابتسمت. لكنها لاحظت أنه يخفي شيئًا. قالت: "أشعر أنك على وشك القيام بأمر مهم." نظر إلى البحر. ثم قال: "سأسافر يومين أو ثلاثة." شعرت بانقباض خفيف في قلبها. رغم أنها لم تتوقع ذلك. "إلى أين؟" تردد للحظة. ثم أجاب: "إلى مدينة بعيدة." لم تسأله المزيد. لكنها كانت تدرك أن الأمر مرتبط بالماضي الذي يطارده. ساد الصمت بينهما. حتى قال رفيق: "أحيانًا أخاف مما سأكتشفه." نظرت إليه. وقالت بثقة هادئة: "الحقيقة قد تؤلم... لكنها أفضل من الشك." ظل ينظر إليها للحظات. ثم ابتسم. كانت هذه واحدة من الصفات التي أحبها فيها. قدرتها على قول الأشياء البسيطة بطريقة تجعلها تبدو مهمة. --- عند الفجر، انطلقت السيارة نحو المدينة الساحلية. كان الطريق طويلًا. يمتد بين الجبال والسهول. والبحر يظهر أحيانًا ثم يختفي خلف المنعطفات. جلس سامر خلف المقود. بينما كان رفيق يتأمل الوثائق مجددًا. كلما اقتربا من وجهتهما، ازداد توتره. كان يشعر أن النهاية تقترب. لكن النهايات ليست دائمًا كما نتوقع. --- بعد ساعات من السفر، ظهرت المدينة أخيرًا. كانت جميلة. هادئة. تطل على خليج واسع تحيط به التلال الخضراء. لكن بالنسبة لهما، لم تكن مجرد مدينة. بل قطعة مفقودة من الماضي. أوقف سامر السيارة قرب فندق صغير. ثم قال: "سنبدأ من هنا." قضيا بقية النهار في البحث. سألا السكان القدامى. وزارا أرشيف البلدية. وتحدثا مع عشرات الأشخاص. لكن دون نتيجة حقيقية. حتى أوشك الأمل على التلاشي. --- مع حلول المساء، دخلا مقهى قديمًا يطل على الميناء. كان المكان شبه خالٍ. إلا من رجل عجوز يجلس قرب النافذة. يلف كتفيه بمعطف سميك. وبدا وكأنه جزء من المكان نفسه. اقترب صاحب المقهى منهما. وسألهما عما يبحثان عنه. وعندما ذكرا الاسم الغامض، تغيرت ملامحه فورًا. ثم نظر نحو الرجل العجوز قرب النافذة. وقال بصوت منخفض: "إذا كان أحد يعرف شيئًا عنه... فهو ذلك الرجل." تبادل رفيق وسامر النظرات. ثم توجها نحوه. رفع العجوز رأسه ببطء. وكانت عيناه تحملان دهشة واضحة. وكأنه كان يتوقع هذا اللقاء منذ زمن طويل. قال رفيق: "نبحث عن شخص عاش هنا قبل سنوات." وقبل أن يكمل الاسم، قاطعه الرجل. وقال: "أعرف من تبحثون عنه." تجمد الاثنان في مكانهما. أما الرجل فأكمل بصوت خافت: "لكني لا أظن أنكما مستعدان لما ستسمعانه." ساد الصمت. وتسارعت دقات قلب رفيق. لأنه شعر للمرة الأولى أن الحقيقة أصبحت على بعد خطوات فقط. لكن تلك الحقيقة قد تكون أخطر مما تخيل. نهاية الفصل التاسعالجزء الثالثلم يستطع رفيق النوم تلك الليلة إلا بعد منتصف الليل بوقت طويل.كان يطفئ مصباح الغرفة، ثم يعاود إشعاله بعد دقائق، ينهض ليفتح النافذة، ثم يغلقها، ويجلس قليلًا قبل أن يعود إلى الوقوف من جديد. لم يكن القلق جديدًا عليه، لكنه هذه المرة لم يكن نابعًا من خوف أو مطاردة، بل من مواجهة طال انتظارها حتى أصبحت أثقل مما يحتمل.في النهاية، استسلم للتعب، لكن النوم جاء متقطعًا، محملًا بأحلام غير مكتملة. كان يرى نفسه يسير في شوارع المدينة، وكلما اقترب من وجه يعرفه، اختفى صاحبه قبل أن يصل إليه. وحين لمح نورة في أحد تلك الأحلام، لم تستدر نحوه، بل واصلت السير حتى ابتلعتها الزحام.استيقظ قبل شروق الشمس.جلس على طرف السرير، وأخذ يمرر يده على وجهه محاولًا طرد ما تبقى من أثر الحلم.نظر إلى الساعة.كانت الخامسة والنصف صباحًا.ابتسم لنفسه ابتسامة خافتة.منذ أن عاش مع فهد، اعتاد أن يبدأ يومه مع أول خيط للفجر، حتى أصبحت الساعة البيولوجية توقظه قبل المنبه.نهض بهدوء، توضأ، ثم وقف أمام النافذة.كانت المدينة لا تزال تستيقظ ببطء. الشوارع شبه خالية، والضباب الخفيف يعلو بعض الأبنية البعيدة، بينما بدأ عمال ال
الجزء الثانيوصل رفيق إلى الشقة مع حلول المساء. كانت العمارة هادئة على غير عادتها، ولم يكن يسمع سوى صوت مصعد يتوقف في أحد الطوابق البعيدة، ثم يعود الصمت ليغمر المكان من جديد. أخرج المفتاح الذي أعطاه له مراد، وأدار القفل ببطء، ثم دخل وأغلق الباب خلفه.خلع سترته ووضعها على ظهر المقعد، ثم وقف في منتصف الغرفة لحظات، كأنه لا يعرف ما الذي ينبغي عليه فعله. منذ أن عاد إلى المدينة وهو يتحرك باستمرار؛ يراقب الشوارع، يلتقي بمراد، ثم بسليم، أما الآن فقد وجد نفسه وحيدًا من جديد، ولا شيء يملأ المكان سوى صوت أنفاسه.اقترب من النافذة وفتحها.تسلل هواء المساء إلى الداخل، محملًا بأصوات المدينة التي بدأت تهدأ تدريجيًا. في الأسفل كان بعض الأطفال يركضون خلف كرة صغيرة، بينما كانت امرأة تنادي ابنها من شرفة الطابق المقابل، ورجل مسن يسير بخطوات بطيئة متكئًا على عصاه.ابتسم رفيق دون شعور.كم اشتاق إلى هذه الأصوات.في الجبال، كان الليل يبدأ بصمتٍ مختلف؛ صمت لا يقطعه إلا صوت الريح أو نباح كلب بعيد. أما هنا، فحتى الهدوء كان حيًا، يحمل تفاصيل البشر وحياتهم اليومية.ابتعد عن النافذة، وجلس على الأريكة.مد يده إلى جي
الفصل الواحد والعشرون بعد المئة: بين الرجاء والصدمةالجزء الأولغادر رفيق المقهى بعد أن ودّع مراد وسليم، لكنه لم يتجه مباشرة إلى الشقة التي يقيم فيها مؤقتًا. وقف لحظة عند الباب الزجاجي، وألقى نظرة أخيرة إلى الداخل. كان يرى من خلال الزجاج مراد وسليم ما يزالان يتبادلان الحديث، بينما بقي مقعده الفارغ في الزاوية شاهدًا على لقاء انتظره الجميع طويلًا. لم يشعر برغبة في العودة إليهما، كما لم يشعر برغبة في الإسراع إلى أي مكان آخر. كان يحتاج إلى أن يمشي... فقط يمشي، دون وجهة محددة، كما لو أن المدينة نفسها تستطيع أن ترتب أفكاره أفضل مما يستطيع هو.أدار وجهه نحو الشارع، وسار بخطوات هادئة. كانت الشمس قد بدأت تميل إلى المغيب، ولم تعد حرارة النهار خانقة كما كانت قبل ساعات. الهواء حمل شيئًا من البرودة الخفيفة، واختلطت فيه رائحة القهوة الخارجة من المقاهي بروائح الخبز الطازج المنبعثة من المخابز القريبة. كانت المدينة تعيش لحظة انتقالها اليومية؛ الموظفون يغادرون أعمالهم، وأصحاب المحال يستعدون لفترة المساء، والطرقات تمتلئ شيئًا فشيئًا بالسيارات.راقب كل ذلك بصمت.قبل أشهر، كان يتمنى فقط أن يرى شارعًا مزدح
الفصل العشرون بعد المئة: لقاء بعد الغيابالجزء الأولبدأ صباح اليوم التالي مختلفًا بالنسبة إلى رفيق. لم يكن السبب تغير الطقس أو هدوء المدينة، بل القرار الذي اتخذه في الليلة السابقة. للمرة الأولى منذ عودته، استيقظ وهو يعلم أن هذا اليوم لن ينتهي كما بدأ، وأن أحد أقرب الناس إليه سيعرف أخيرًا أنه ما زال على قيد الحياة.وقف أمام نافذة الشقة يتأمل الشارع أسفل المبنى. كانت السيارات تمر تباعًا، والناس يتجهون إلى أعمالهم كأي صباح عادي، بينما كان قلبه يخوض معركة صامتة بين الرغبة في اللقاء والخوف من لحظته الأولى.خرج من غرفته بعد أن ارتدى ملابس بسيطة، فوجد مراد قد سبقه إلى إعداد القهوة.ابتسم مراد وهو يناوله كوبًا."لم تنم كثيرًا، أليس كذلك؟"ابتسم رفيق ابتسامة خفيفة."واضح إلى هذه الدرجة؟"ضحك مراد."كنت أعرف أنك ستقضي الليل كله تفكر."جلسا متقابلين.قال رفيق بعد لحظة صمت:"هل أخبرته أنني أريد لقاءه؟"هز مراد رأسه بالنفي."كما وعدتك... لم أقل شيئًا."تنهد رفيق براحة."شكرًا."قال مراد وهو يضع كوبه على الطاولة:"لكنني طلبت منه أن يلتقيني بعد الظهر."رفع رفيق رأسه."بأي حجة؟"ابتسم مراد."قلت إن
الجزء الثالثوصل مراد إلى المكان المتفق عليه قبل الموعد بدقائق قليلة. أوقف سيارته في الجهة المقابلة للحديقة، ثم بقي للحظات ممسكًا بعجلة القيادة دون أن يترجل. كان يوم العمل قد انتهى، لكن التعب الذي يشعر به لم يكن سببه كثرة الملفات أو ضغط المراجعات، بل الضغط النفسي الذي عاشه منذ أن عاد رفيق إلى المدينة.رفع بصره فرأى رفيق جالسًا على أحد المقاعد الخشبية تحت شجرة كبيرة، يراقب المارة في هدوء. لم يكن يبدو كرجل هارب، بل كرجل يحاول أن يتصالح مع الحياة من جديد.ترجل من السيارة واتجه نحوه.ما إن اقترب حتى نهض رفيق مبتسمًا.قال مراد وهو يصافحه:"انتظرت كثيرًا؟"هز رفيق رأسه."ليس كثيرًا... كنت أستمتع بمراقبة الناس."جلسا معًا على المقعد.ساد بينهما صمت قصير، لم يكن صمتًا محرجًا، بل راحة بين صديقين يعرف كل منهما ما يدور في نفس الآخر.قطع مراد الصمت قائلاً:"بدأت تستعيد المدينة."ابتسم رفيق وهو ينظر إلى الأشجار الممتدة أمامه."أحاول."ثم أضاف:"الغريب أن كل شيء يبدو مألوفًا وغريبًا في الوقت نفسه."نظر إليه مراد باهتمام."كيف؟"قال رفيق:"الأماكن هي نفسها... لكنني أنا الذي تغيرت."لم يجد مراد ما يج
الفصل الثامن عشر بعد المئة: قبل أن تتبدل الطرقالجزء الأوللم يكن صباح ذلك اليوم مختلفًا عن غيره في مقر العمل، على الأقل بالنسبة إلى بقية الموظفين. دخل الجميع تباعًا، تبادلوا التحيات المعتادة، ثم انشغل كل واحد بما ينتظره من ملفات ومراجعات واجتماعات قصيرة. غير أن سليم، منذ اللحظة التي وصل فيها، شعر بأن شيئًا ما خرج عن المألوف، دون أن يستطيع تحديده بدقة.رفع رأسه نحو مكتب مراد، فوجده موجودًا قبل الجميع تقريبًا، وهي عادة لم يكن يلتزم بها إلا عندما يكون منشغلًا بأمر مهم. كان يجلس أمام شاشة الحاسوب، لكن عينيه لم تكونا تتحركان بين السطور كما اعتاد، بل كانتا شاردتين، وكأن ذهنه موجود في مكان آخر تمامًا.اقترب منه وهو يحمل كوبًا من القهوة، ووضع كوبًا آخر على مكتبه.قال مبتسمًا:"يبدو أنك سبقتني اليوم."انتبه مراد إلى صوته، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة."استيقظت باكرًا، فلم أجد سببًا للبقاء في المنزل."جلس سليم على الكرسي المقابل لبضع ثوانٍ."وهل أنهيت ما كنت منشغلًا به أمس؟"توقف مراد لحظة قصيرة قبل أن يجيب:"تقريبًا."كانت الإجابة مقتضبة أكثر من المعتاد، ولم تمر على سليم مرورًا عاديًا.طوال السنوات