Share

الظلال التي لا تعود

last update publish date: 2026-06-23 13:59:19

الفصل الثامن

الظلال التي تعود

الجزء الأول

غادر رفيق الحي القديم ببطء، بينما كانت كلمات المرأة العجوز تتردد في ذهنه بلا توقف.

"هناك شخص آخر يبحث عنك منذ سنوات."

لم تكن الجملة وحدها هي ما أقلقه.

بل الطريقة التي قالتها بها.

وكأنها تعرف أكثر مما تريد قوله.

وكأنها تخشى شيئًا ما.

جلس داخل سيارته لدقائق طويلة دون أن يدير المحرك.

كان ينظر إلى المنزل القديم من خلف الزجاج الأمامي.

المنزل الذي قاده إلى أول خيط حقيقي منذ وفاة والده.

تنهد أخيرًا.

ثم أخرج الصورة القديمة من حقيبته.

تأمل الوجوه الثلاثة فيها.

والده.

شريكه.

والرجل الثالث الغامض.

الرجل الذي بدأت كل الخيوط تشير إليه.

لكن السؤال الذي لم يفارقه كان أبسط من ذلك كله.

من هو الشخص الذي يبحث عنه؟

ولماذا انتظر كل هذه السنوات؟

---

في الجهة الأخرى من المدينة، كانت نورة تغادر المكتبة بعد يوم طويل.

كان المساء قد بدأ يرخي ستاره فوق الشوارع.

والهواء القادم من جهة البحر يحمل برودة خفيفة.

سارت بهدوء وهي تفكر في رفيق.

منذ أن أخبرها عن جزء من الحقيقة، أصبحت تشعر بثقل يرافقه أينما ذهب.

وكأن هناك معركة صامتة تدور داخله.

معركة لا يراها أحد سواه.

وصلت إلى منزلها.

لكنها لم تستطع تجاهل شعور القلق.

أخرجت هاتفها.

وظلت تحدق في اسمه للحظات.

ثم أغلقت الشاشة دون أن تتصل.

كانت تخشى أن تزعجه.

وفي الوقت نفسه كانت تتمنى لو تعرف كيف تساعده.

---

وصل رفيق إلى منزله بعد ساعات.

كانت المدينة قد غرقت في الظلام.

وحدها أضواء الميناء البعيدة كانت تنعكس فوق صفحة البحر.

دخل الشقة.

وأغلق الباب خلفه.

ثم توجه مباشرة إلى مكتبه.

أخرج الأوراق والصور والرسائل.

ونشرها فوق الطاولة.

كان يحاول ترتيب الأحداث زمنيًا.

كأنه يحل لغزًا معقدًا.

كل معلومة كانت تقوده إلى سؤال جديد.

وكل إجابة تفتح بابًا آخر من الغموض.

وبينما كان يقلب إحدى الوثائق القديمة، سقطت ورقة صغيرة مطوية من بين الصفحات.

توقف فجأة.

لم يكن قد رآها من قبل.

فتحها بحذر.

كانت تحتوي على عنوان مكتوب بخط يدوي.

وفي أسفل الصفحة تاريخ يعود إلى أربعة وعشرين عامًا.

شعر بقشعريرة تسري في جسده.

ذلك العنوان لم يكن غريبًا عليه.

لقد سمعه قبل ساعات فقط من المرأة العجوز.

وهذا لم يكن يمكن أن يكون مجرد مصادفة.

---

في اليوم التالي، قرر زيارة المكان المذكور في الورقة.

كان العنوان يقود إلى مستودع قديم يقع قرب الميناء الصناعي.

منطقة نائية لا يرتادها الكثير من الناس.

وصل قبيل الظهر.

كانت السماء ملبدة بالغيوم.

والرياح تعصف بقوة.

بدا المكان مهجورًا.

لكن شيئًا ما أخبره أن هناك من مر من هنا مؤخرًا.

اقترب من الباب الحديدي الكبير.

لاحظ آثار أقدام حديثة على الأرض المغبرة.

تسارعت دقات قلبه.

دفع الباب ببطء.

فصدر صوت صرير حاد.

ودخل.

كان المستودع مظلمًا إلا من بعض أشعة الضوء المتسللة عبر النوافذ المكسورة.

بدأ يتقدم بحذر.

وكل خطوة كانت تزيد شعوره بالتوتر.

ثم فجأة لمح شيئًا في الزاوية البعيدة.

طاولة خشبية.

وفوقها صندوق معدني صغير.

اقترب منه.

وتردد قبل فتحه.

لكنه فعل.

وجد بداخله مجموعة من الصور القديمة.

وصحيفة تعود إلى سنوات بعيدة.

ورسالة.

رسالة موجهة إلى والده.

شعر بأنفاسه تتسارع.

فتح الرسالة بسرعة.

وبدأ يقرأ.

لكن قبل أن يصل إلى منتصفها، سمع صوتًا خلفه.

صوت خطوات.

تجمد في مكانه.

واستدار ببطء.

كان هناك شخص يقف عند مدخل المستودع.

رجل طويل القامة.

ملامحه مخفية في الظل.

ولا يظهر منه سوى عينين تراقبانه بصمت.

قال الرجل بصوت منخفض:

"كنت أعلم أنك ستصل إلى هنا في النهاية."

شعر رفيق بأن قلبه توقف للحظة.

وأدرك أن رحلته نحو الحقيقة دخلت مرحلة جديدة.

مرحلة لم يعد فيها مجرد باحث عن الأسرار.

بل أصبح جزءًا منها.

يتبع في الجزء الثاني...

الظلال التي تعود

الجزء الثاني

ظل رفيق واقفًا في مكانه لثوانٍ طويلة.

كانت الرسالة ما تزال بين يديه.

والرجل الغامض يقف عند مدخل المستودع دون أن يتحرك.

كان الضوء الخافت القادم من الخارج يرسم ظله طويلًا فوق الأرض الإسمنتية الباردة.

شعر رفيق أن الهواء أصبح أثقل فجأة.

وسأل بصوت حذر:

"من أنت؟"

لم يجب الرجل مباشرة.

بل بدأ يقترب ببطء.

خطوة تلو الأخرى.

حتى أصبح وجهه أكثر وضوحًا.

كان في أواخر الخمسينيات من عمره.

ملامحه قاسية.

وعيناه تحملان إرهاق سنوات طويلة.

لكن أكثر ما لفت انتباه رفيق هو النظرة التي كان يرمقه بها.

لم تكن نظرة غريب.

بل نظرة شخص يعرفه منذ زمن.

قال الرجل أخيرًا:

"كنت أتساءل متى ستبدأ البحث."

عقد رفيق حاجبيه.

"هل تعرفني؟"

ابتسم الرجل بسخرية مريرة.

"أعرف عنك أكثر مما تتخيل."

ازدادت دقات قلب رفيق.

وأحس بأن كل خطوة قادته إلى هذا المكان كانت تقربه من الحقيقة أكثر.

لكنها في الوقت نفسه كانت تزيد الأمور غموضًا.

قال بحدة:

"أجبني... من أنت؟"

ساد الصمت للحظة.

ثم قال الرجل:

"اسمي سامر."

توقف.

وأضاف:

"وأنا ابن الرجل الذي دُمرت حياته بسبب ما حدث قبل خمسة وعشرين عامًا."

---

شعر رفيق وكأن الأرض اختفت من تحته.

تذكر كلمات المرأة العجوز.

"هناك شخص يعتقد أن عائلتك دمرت حياته."

إذن كانت تتحدث عنه.

عن هذا الرجل.

وقفا يتبادلان النظرات بصمت.

حتى قال سامر:

"قضيت سنوات أبحث عن الحقيقة."

أجاب رفيق بسرعة:

"وأنا أيضًا."

ضحك سامر ضحكة قصيرة خالية من الفرح.

"الفرق أنني كنت أبحث عنها لأفهم لماذا خسرنا كل شيء."

خفض رفيق نظره للحظة.

ثم قال:

"وأنا أبحث عنها لأعرف إن كان والدي بريئًا."

اختفت السخرية من وجه سامر تدريجيًا.

وحل مكانها شيء آخر.

التردد.

كأنه لم يتوقع هذه الإجابة.

---

نظر سامر إلى الرسالة التي كانت في يد رفيق.

ثم قال:

"إذن وجدتها."

رفع رفيق الورقة.

"ما هذه؟"

اقترب سامر ببطء.

وقال:

"آخر رسالة كتبها والدي قبل وفاته."

اتسعت عينا رفيق.

"والدك؟"

هز رأسه.

"نعم."

شعر رفيق بقشعريرة تمر في جسده.

كانت الخيوط تتشابك بسرعة.

أسرع مما توقع.

فتح الرسالة من جديد.

وبدأ يقرأ بصوت منخفض.

كانت الكلمات قديمة ومتآكلة بفعل الزمن.

لكن معناها كان واضحًا.

كان كاتب الرسالة يؤكد أنه تعرض للخيانة.

وأنه اكتشف في أيامه الأخيرة أن الشخص المسؤول لم يكن الشريكين اللذين اتهمهما الجميع.

بل طرفًا ثالثًا ظل مجهولًا.

توقف رفيق عن القراءة.

ورفع رأسه.

"إذن والدك كان يعرف الحقيقة؟"

أجاب سامر:

"عرف جزءًا منها."

ثم أضاف:

"لكنه مات قبل أن يكتشف كل شيء."

---

في تلك اللحظة، أدرك رفيق أن الرجل الجالس أمامه ليس عدوًا كما تخيل.

بل شخص يحمل الجرح نفسه.

شخص ضاع عمره في مطاردة الأسئلة ذاتها.

جلس الاثنان قرب الطاولة الخشبية القديمة.

وبدآ يتبادلان المعلومات.

أخرج رفيق الصور التي وجدها.

وأخرج سامر بعض الوثائق التي احتفظ بها لسنوات.

ومع كل ورقة جديدة كانت الصورة تصبح أوضح.

لكنها في الوقت نفسه أكثر خطورة.

بدأ اسم واحد يتكرر باستمرار.

اسم رجل أعمال كان يعمل مع الشركاء الثلاثة في الماضي.

رجل اختفى فجأة بعد انهيار الشركة.

واختفت معه ملايين الدنانير.

قال سامر:

"طوال هذه السنوات كنت أعتقد أن والدك مسؤول."

تنهد.

"لكن كل الأدلة التي وجدتها مؤخرًا تشير إلى شخص آخر."

نظر إليه رفيق.

وقال:

"الشخص نفسه الذي أبحث عنه."

هز سامر رأسه ببطء.

"نعم."

---

في تلك الأثناء، كانت نورة تشعر بقلق متزايد.

مر اليوم كله تقريبًا دون أن تسمع من رفيق.

وكان هذا غير معتاد.

جلست في غرفتها.

وأمامها دفترها الصغير.

لكنها لم تستطع الكتابة.

كانت تفكر فيه فقط.

وفي الطريق الذي يسير فيه.

شعرت أن شيئًا كبيرًا يحدث.

شيئًا قد يغير حياته بالكامل.

التقطت هاتفها أخيرًا.

وأرسلت رسالة قصيرة:

"أتمنى أن تكون بخير."

ثم وضعت الهاتف جانبًا.

وحاولت تجاهل قلقها.

لكن قلبها كان يخبرها أن الأيام القادمة لن تكون سهلة.

---

عاد رفيق إلى قراءة الوثائق.

وفجأة لفت انتباهه اسم مكتوب على إحدى الصفحات.

اسم مدينة ساحلية بعيدة.

وبجانبها تاريخ محدد.

تبادل النظرات مع سامر.

ثم قال:

"هذا المكان يتكرر في كل الوثائق."

أجاب سامر:

"لأن كل شيء بدأ هناك."

ساد الصمت.

ثم أضاف:

"وأعتقد أن كل شيء سينتهي هناك أيضًا."

نظر رفيق إلى الصفحة مرة أخرى.

وشعر أن الخيط التالي أصبح واضحًا.

هناك شخص ما في تلك المدينة.

شخص يعرف الحقيقة كاملة.

وربما كان آخر من رأى الرجل الغامض قبل اختفائه.

أغلق الملف ببطء.

وقال:

"يجب أن نذهب إلى هناك."

ابتسم سامر لأول مرة.

ابتسامة متعبة.

وقال:

"كنت أنتظر أن تقول ذلك."

---

في الخارج، بدأت السماء تمطر.

وكانت قطرات المطر تضرب نوافذ المستودع بقوة.

أما في الداخل، فقد بدأت رحلة جديدة.

رحلة لن تقود رفيق إلى الماضي فقط.

بل إلى أخطر أسرار عائلته.

أسرار قد تدمر كل شيء.

أو تعيد بناء الحقيقة من جديد.

نهاية الجزء الثاني

يتبع في الجزء الثالث: الرحلة إلى المدينة الساحلية واكتشاف أول شاهد حي على أحداث الماضي.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل :00123

    الجزء الثالثلم يستطع رفيق النوم تلك الليلة إلا بعد منتصف الليل بوقت طويل.كان يطفئ مصباح الغرفة، ثم يعاود إشعاله بعد دقائق، ينهض ليفتح النافذة، ثم يغلقها، ويجلس قليلًا قبل أن يعود إلى الوقوف من جديد. لم يكن القلق جديدًا عليه، لكنه هذه المرة لم يكن نابعًا من خوف أو مطاردة، بل من مواجهة طال انتظارها حتى أصبحت أثقل مما يحتمل.في النهاية، استسلم للتعب، لكن النوم جاء متقطعًا، محملًا بأحلام غير مكتملة. كان يرى نفسه يسير في شوارع المدينة، وكلما اقترب من وجه يعرفه، اختفى صاحبه قبل أن يصل إليه. وحين لمح نورة في أحد تلك الأحلام، لم تستدر نحوه، بل واصلت السير حتى ابتلعتها الزحام.استيقظ قبل شروق الشمس.جلس على طرف السرير، وأخذ يمرر يده على وجهه محاولًا طرد ما تبقى من أثر الحلم.نظر إلى الساعة.كانت الخامسة والنصف صباحًا.ابتسم لنفسه ابتسامة خافتة.منذ أن عاش مع فهد، اعتاد أن يبدأ يومه مع أول خيط للفجر، حتى أصبحت الساعة البيولوجية توقظه قبل المنبه.نهض بهدوء، توضأ، ثم وقف أمام النافذة.كانت المدينة لا تزال تستيقظ ببطء. الشوارع شبه خالية، والضباب الخفيف يعلو بعض الأبنية البعيدة، بينما بدأ عمال ال

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل :00122

    الجزء الثانيوصل رفيق إلى الشقة مع حلول المساء. كانت العمارة هادئة على غير عادتها، ولم يكن يسمع سوى صوت مصعد يتوقف في أحد الطوابق البعيدة، ثم يعود الصمت ليغمر المكان من جديد. أخرج المفتاح الذي أعطاه له مراد، وأدار القفل ببطء، ثم دخل وأغلق الباب خلفه.خلع سترته ووضعها على ظهر المقعد، ثم وقف في منتصف الغرفة لحظات، كأنه لا يعرف ما الذي ينبغي عليه فعله. منذ أن عاد إلى المدينة وهو يتحرك باستمرار؛ يراقب الشوارع، يلتقي بمراد، ثم بسليم، أما الآن فقد وجد نفسه وحيدًا من جديد، ولا شيء يملأ المكان سوى صوت أنفاسه.اقترب من النافذة وفتحها.تسلل هواء المساء إلى الداخل، محملًا بأصوات المدينة التي بدأت تهدأ تدريجيًا. في الأسفل كان بعض الأطفال يركضون خلف كرة صغيرة، بينما كانت امرأة تنادي ابنها من شرفة الطابق المقابل، ورجل مسن يسير بخطوات بطيئة متكئًا على عصاه.ابتسم رفيق دون شعور.كم اشتاق إلى هذه الأصوات.في الجبال، كان الليل يبدأ بصمتٍ مختلف؛ صمت لا يقطعه إلا صوت الريح أو نباح كلب بعيد. أما هنا، فحتى الهدوء كان حيًا، يحمل تفاصيل البشر وحياتهم اليومية.ابتعد عن النافذة، وجلس على الأريكة.مد يده إلى جي

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل :00121

    الفصل الواحد والعشرون بعد المئة: بين الرجاء والصدمةالجزء الأولغادر رفيق المقهى بعد أن ودّع مراد وسليم، لكنه لم يتجه مباشرة إلى الشقة التي يقيم فيها مؤقتًا. وقف لحظة عند الباب الزجاجي، وألقى نظرة أخيرة إلى الداخل. كان يرى من خلال الزجاج مراد وسليم ما يزالان يتبادلان الحديث، بينما بقي مقعده الفارغ في الزاوية شاهدًا على لقاء انتظره الجميع طويلًا. لم يشعر برغبة في العودة إليهما، كما لم يشعر برغبة في الإسراع إلى أي مكان آخر. كان يحتاج إلى أن يمشي... فقط يمشي، دون وجهة محددة، كما لو أن المدينة نفسها تستطيع أن ترتب أفكاره أفضل مما يستطيع هو.أدار وجهه نحو الشارع، وسار بخطوات هادئة. كانت الشمس قد بدأت تميل إلى المغيب، ولم تعد حرارة النهار خانقة كما كانت قبل ساعات. الهواء حمل شيئًا من البرودة الخفيفة، واختلطت فيه رائحة القهوة الخارجة من المقاهي بروائح الخبز الطازج المنبعثة من المخابز القريبة. كانت المدينة تعيش لحظة انتقالها اليومية؛ الموظفون يغادرون أعمالهم، وأصحاب المحال يستعدون لفترة المساء، والطرقات تمتلئ شيئًا فشيئًا بالسيارات.راقب كل ذلك بصمت.قبل أشهر، كان يتمنى فقط أن يرى شارعًا مزدح

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل :00120

    الفصل العشرون بعد المئة: لقاء بعد الغيابالجزء الأولبدأ صباح اليوم التالي مختلفًا بالنسبة إلى رفيق. لم يكن السبب تغير الطقس أو هدوء المدينة، بل القرار الذي اتخذه في الليلة السابقة. للمرة الأولى منذ عودته، استيقظ وهو يعلم أن هذا اليوم لن ينتهي كما بدأ، وأن أحد أقرب الناس إليه سيعرف أخيرًا أنه ما زال على قيد الحياة.وقف أمام نافذة الشقة يتأمل الشارع أسفل المبنى. كانت السيارات تمر تباعًا، والناس يتجهون إلى أعمالهم كأي صباح عادي، بينما كان قلبه يخوض معركة صامتة بين الرغبة في اللقاء والخوف من لحظته الأولى.خرج من غرفته بعد أن ارتدى ملابس بسيطة، فوجد مراد قد سبقه إلى إعداد القهوة.ابتسم مراد وهو يناوله كوبًا."لم تنم كثيرًا، أليس كذلك؟"ابتسم رفيق ابتسامة خفيفة."واضح إلى هذه الدرجة؟"ضحك مراد."كنت أعرف أنك ستقضي الليل كله تفكر."جلسا متقابلين.قال رفيق بعد لحظة صمت:"هل أخبرته أنني أريد لقاءه؟"هز مراد رأسه بالنفي."كما وعدتك... لم أقل شيئًا."تنهد رفيق براحة."شكرًا."قال مراد وهو يضع كوبه على الطاولة:"لكنني طلبت منه أن يلتقيني بعد الظهر."رفع رفيق رأسه."بأي حجة؟"ابتسم مراد."قلت إن

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل :00119

    الجزء الثالثوصل مراد إلى المكان المتفق عليه قبل الموعد بدقائق قليلة. أوقف سيارته في الجهة المقابلة للحديقة، ثم بقي للحظات ممسكًا بعجلة القيادة دون أن يترجل. كان يوم العمل قد انتهى، لكن التعب الذي يشعر به لم يكن سببه كثرة الملفات أو ضغط المراجعات، بل الضغط النفسي الذي عاشه منذ أن عاد رفيق إلى المدينة.رفع بصره فرأى رفيق جالسًا على أحد المقاعد الخشبية تحت شجرة كبيرة، يراقب المارة في هدوء. لم يكن يبدو كرجل هارب، بل كرجل يحاول أن يتصالح مع الحياة من جديد.ترجل من السيارة واتجه نحوه.ما إن اقترب حتى نهض رفيق مبتسمًا.قال مراد وهو يصافحه:"انتظرت كثيرًا؟"هز رفيق رأسه."ليس كثيرًا... كنت أستمتع بمراقبة الناس."جلسا معًا على المقعد.ساد بينهما صمت قصير، لم يكن صمتًا محرجًا، بل راحة بين صديقين يعرف كل منهما ما يدور في نفس الآخر.قطع مراد الصمت قائلاً:"بدأت تستعيد المدينة."ابتسم رفيق وهو ينظر إلى الأشجار الممتدة أمامه."أحاول."ثم أضاف:"الغريب أن كل شيء يبدو مألوفًا وغريبًا في الوقت نفسه."نظر إليه مراد باهتمام."كيف؟"قال رفيق:"الأماكن هي نفسها... لكنني أنا الذي تغيرت."لم يجد مراد ما يج

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل :00118

    الفصل الثامن عشر بعد المئة: قبل أن تتبدل الطرقالجزء الأوللم يكن صباح ذلك اليوم مختلفًا عن غيره في مقر العمل، على الأقل بالنسبة إلى بقية الموظفين. دخل الجميع تباعًا، تبادلوا التحيات المعتادة، ثم انشغل كل واحد بما ينتظره من ملفات ومراجعات واجتماعات قصيرة. غير أن سليم، منذ اللحظة التي وصل فيها، شعر بأن شيئًا ما خرج عن المألوف، دون أن يستطيع تحديده بدقة.رفع رأسه نحو مكتب مراد، فوجده موجودًا قبل الجميع تقريبًا، وهي عادة لم يكن يلتزم بها إلا عندما يكون منشغلًا بأمر مهم. كان يجلس أمام شاشة الحاسوب، لكن عينيه لم تكونا تتحركان بين السطور كما اعتاد، بل كانتا شاردتين، وكأن ذهنه موجود في مكان آخر تمامًا.اقترب منه وهو يحمل كوبًا من القهوة، ووضع كوبًا آخر على مكتبه.قال مبتسمًا:"يبدو أنك سبقتني اليوم."انتبه مراد إلى صوته، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة."استيقظت باكرًا، فلم أجد سببًا للبقاء في المنزل."جلس سليم على الكرسي المقابل لبضع ثوانٍ."وهل أنهيت ما كنت منشغلًا به أمس؟"توقف مراد لحظة قصيرة قبل أن يجيب:"تقريبًا."كانت الإجابة مقتضبة أكثر من المعتاد، ولم تمر على سليم مرورًا عاديًا.طوال السنوات

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status