Mag-log inالفصل العاشر
الشاهد الأخير ساد الصمت داخل المقهى القديم. كانت الأمواج تضرب أرصفة الميناء في الخارج، بينما بقي رفيق وسامر واقفين أمام الرجل العجوز الذي قال إنه يعرف الشخص الذي يبحثان عنه. نظر الرجل إليهما طويلًا. ثم أشار إلى المقعدين المقابلين له. وقال: "اجلسا." تبادل الاثنان النظرات. ثم جلسا. شعر رفيق أن قلبه يخفق بقوة. فقد أمضى أسابيع يطارد الخيوط المتناثرة. وها هو الآن يجلس أمام شخص قد يمتلك الإجابات. لكن جزءًا منه كان خائفًا. خائفًا من أن تكون الحقيقة أسوأ مما تخيل. قال العجوز بهدوء: "قبل أن أجيب عن أسئلتكما، أريد أن أعرف... لماذا تبحثان عنه؟" أجابه سامر أولًا: "لأن حياتنا كلها تغيرت بسببه." أما رفيق فقال: "وأريد أن أعرف إن كان والدي مذنبًا أم بريئًا." ظل الرجل صامتًا للحظات. ثم تنهد ببطء. وقال: "إذن لقد حان الوقت فعلًا." --- كان اسمه عبد القادر. رجل تجاوز الثمانين من عمره. وعمل لسنوات طويلة في الميناء. عرف الكثير من الأشخاص. وشهد أحداثًا لم يعد يتذكرها أحد. لكن الاسم الذي ذكره رفيق ظل عالقًا في ذاكرته. قال عبد القادر: "الرجل الذي تبحثون عنه عاش هنا عدة سنوات بعد اختفائه." اتسعت عينا سامر. وقال بسرعة: "إذن لم يغادر البلاد؟" هز العجوز رأسه. "لا." شعر رفيق أن الأرض تهتز تحت قدميه. فكل الروايات السابقة كانت تقول إنه اختفى بلا أثر. لكن الحقيقة كانت مختلفة. كان يعيش بعيدًا عن الجميع. يراقب من الظل. قال رفيق: "هل ما يزال حيًا؟" ساد الصمت. ثم أجاب العجوز: "لا أعلم." --- بدأ عبد القادر يروي ما يعرفه. قبل خمسة وعشرين عامًا وصل رجل غريب إلى المدينة. كان يحمل اسمًا مختلفًا. ويعيش بحذر شديد. لم يكن يختلط بالناس كثيرًا. وكان يتجنب الحديث عن ماضيه. لكن عبد القادر اكتشف مع الوقت أنه شخص مثقف. وذكي للغاية. كما لاحظ شيئًا آخر. كان يعيش في خوف دائم. كأنه ينتظر أن يعثر عليه أحد. قال سامر: "هل أخبرك من يكون؟" أجاب العجوز: "بعد سنوات فقط." ثم أضاف: "وقبل أن يختفي مجددًا." شعر رفيق أن أنفاسه أصبحت أثقل. وكان كل ما يريده هو معرفة ما حدث. --- أخرج عبد القادر مفتاحًا صغيرًا من جيب معطفه. ووضعه فوق الطاولة. نظر إليه رفيق باستغراب. أما العجوز فقال: "قبل رحيله أعطاني هذا المفتاح." ساد الصمت. ثم أكمل: "وطلب مني ألا أسلمه لأحد إلا إذا جاء شخص يبحث عن الحقيقة." تجمد رفيق في مكانه. أما سامر فاقترب أكثر. وقال: "مفتاح ماذا؟" ابتسم العجوز بحزن. "هذا ما ستكتشفانه." --- في تلك الليلة، لم يستطع أي منهما النوم. جلس رفيق في غرفته بالفندق. والمفتاح الصغير أمامه. كان قديمًا. ومصنوعًا من النحاس. لكن قيمته الحقيقية لم تكن في شكله. بل فيما قد يفتحه. تذكر نورة فجأة. وأدرك أنه لم يتحدث معها منذ يومين تقريبًا. أمسك هاتفه. ثم كتب رسالة قصيرة: "أتمنى أن تكوني بخير." لم تمضِ دقيقة حتى وصل الرد. "كنت أنتظر رسالتك." ابتسم دون أن يشعر. وأضاف: "سأعود قريبًا." جاء الرد: "سأكون بانتظارك." بقي يحدق في الكلمات طويلًا. وشعر لأول مرة منذ أيام أن هناك شيئًا جميلًا ينتظره بعد انتهاء هذه الرحلة. --- في صباح اليوم التالي، عاد هو وسامر إلى عبد القادر. كان العجوز بانتظارهما. وعندما رآهما قال: "هل أنتما مستعدان؟" أجاب سامر فورًا: "نعم." أما رفيق فاكتفى بهزة رأس. نهض العجوز ببطء. وأخذ معطفه. ثم قال: "اتبعاني." --- قادهم إلى الجزء القديم من المدينة. إلى منطقة شبه مهجورة. كانت الشوارع ضيقة. والبيوت متآكلة بفعل الزمن. حتى توقف أمام منزل صغير يطل على البحر. كان يبدو مهجورًا منذ سنوات. لكن عبد القادر أشار إليه وقال: "هنا كان يعيش." نظر رفيق إلى المفتاح. ثم إلى الباب. شعر بقشعريرة تسري في جسده. قال العجوز: "لم أدخل هذا المكان منذ أكثر من عشرين عامًا." اقترب رفيق ببطء. وأدخل المفتاح في القفل. دار بصعوبة. ثم انفتح الباب أخيرًا. --- دخل الثلاثة إلى الداخل. كانت طبقة كثيفة من الغبار تغطي الأثاث. لكن المكان بدا وكأن صاحبه غادره بالأمس. على الطاولة القديمة كانت هناك كتب. وصور. وأوراق متناثرة. بدأ رفيق يتفحص الغرفة. بينما كان سامر يبحث في الخزائن. وفجأة توقف. وقال بصوت مرتجف: "رفيق..." التفت إليه بسرعة. كان سامر يحمل صورة قديمة. اقترب منه. ثم نظر إليها. وتجمد في مكانه. في الصورة ظهر الرجال الثلاثة الذين بدأ بسببهم كل شيء. والده. ووالد سامر. والرجل الغامض. لكن ما صدمه حقًا لم يكن الصورة. بل العبارة المكتوبة خلفها. كانت جملة واحدة فقط: "إذا وجدتم هذه الصورة، فهذا يعني أن الوقت قد حان لمعرفة اسم الخائن الحقيقي." ساد الصمت داخل المنزل. وتبادل رفيق وسامر النظرات. بينما كانت الأمواج تتكسر في الخارج بعنف. وكأن البحر نفسه ينتظر كشف السر. لكن الحقيقة الكاملة لم تظهر بعد. بل كانت على وشك أن تبدأ فقط.الجزء الثالثلم يستطع رفيق النوم تلك الليلة إلا بعد منتصف الليل بوقت طويل.كان يطفئ مصباح الغرفة، ثم يعاود إشعاله بعد دقائق، ينهض ليفتح النافذة، ثم يغلقها، ويجلس قليلًا قبل أن يعود إلى الوقوف من جديد. لم يكن القلق جديدًا عليه، لكنه هذه المرة لم يكن نابعًا من خوف أو مطاردة، بل من مواجهة طال انتظارها حتى أصبحت أثقل مما يحتمل.في النهاية، استسلم للتعب، لكن النوم جاء متقطعًا، محملًا بأحلام غير مكتملة. كان يرى نفسه يسير في شوارع المدينة، وكلما اقترب من وجه يعرفه، اختفى صاحبه قبل أن يصل إليه. وحين لمح نورة في أحد تلك الأحلام، لم تستدر نحوه، بل واصلت السير حتى ابتلعتها الزحام.استيقظ قبل شروق الشمس.جلس على طرف السرير، وأخذ يمرر يده على وجهه محاولًا طرد ما تبقى من أثر الحلم.نظر إلى الساعة.كانت الخامسة والنصف صباحًا.ابتسم لنفسه ابتسامة خافتة.منذ أن عاش مع فهد، اعتاد أن يبدأ يومه مع أول خيط للفجر، حتى أصبحت الساعة البيولوجية توقظه قبل المنبه.نهض بهدوء، توضأ، ثم وقف أمام النافذة.كانت المدينة لا تزال تستيقظ ببطء. الشوارع شبه خالية، والضباب الخفيف يعلو بعض الأبنية البعيدة، بينما بدأ عمال ال
الجزء الثانيوصل رفيق إلى الشقة مع حلول المساء. كانت العمارة هادئة على غير عادتها، ولم يكن يسمع سوى صوت مصعد يتوقف في أحد الطوابق البعيدة، ثم يعود الصمت ليغمر المكان من جديد. أخرج المفتاح الذي أعطاه له مراد، وأدار القفل ببطء، ثم دخل وأغلق الباب خلفه.خلع سترته ووضعها على ظهر المقعد، ثم وقف في منتصف الغرفة لحظات، كأنه لا يعرف ما الذي ينبغي عليه فعله. منذ أن عاد إلى المدينة وهو يتحرك باستمرار؛ يراقب الشوارع، يلتقي بمراد، ثم بسليم، أما الآن فقد وجد نفسه وحيدًا من جديد، ولا شيء يملأ المكان سوى صوت أنفاسه.اقترب من النافذة وفتحها.تسلل هواء المساء إلى الداخل، محملًا بأصوات المدينة التي بدأت تهدأ تدريجيًا. في الأسفل كان بعض الأطفال يركضون خلف كرة صغيرة، بينما كانت امرأة تنادي ابنها من شرفة الطابق المقابل، ورجل مسن يسير بخطوات بطيئة متكئًا على عصاه.ابتسم رفيق دون شعور.كم اشتاق إلى هذه الأصوات.في الجبال، كان الليل يبدأ بصمتٍ مختلف؛ صمت لا يقطعه إلا صوت الريح أو نباح كلب بعيد. أما هنا، فحتى الهدوء كان حيًا، يحمل تفاصيل البشر وحياتهم اليومية.ابتعد عن النافذة، وجلس على الأريكة.مد يده إلى جي
الفصل الواحد والعشرون بعد المئة: بين الرجاء والصدمةالجزء الأولغادر رفيق المقهى بعد أن ودّع مراد وسليم، لكنه لم يتجه مباشرة إلى الشقة التي يقيم فيها مؤقتًا. وقف لحظة عند الباب الزجاجي، وألقى نظرة أخيرة إلى الداخل. كان يرى من خلال الزجاج مراد وسليم ما يزالان يتبادلان الحديث، بينما بقي مقعده الفارغ في الزاوية شاهدًا على لقاء انتظره الجميع طويلًا. لم يشعر برغبة في العودة إليهما، كما لم يشعر برغبة في الإسراع إلى أي مكان آخر. كان يحتاج إلى أن يمشي... فقط يمشي، دون وجهة محددة، كما لو أن المدينة نفسها تستطيع أن ترتب أفكاره أفضل مما يستطيع هو.أدار وجهه نحو الشارع، وسار بخطوات هادئة. كانت الشمس قد بدأت تميل إلى المغيب، ولم تعد حرارة النهار خانقة كما كانت قبل ساعات. الهواء حمل شيئًا من البرودة الخفيفة، واختلطت فيه رائحة القهوة الخارجة من المقاهي بروائح الخبز الطازج المنبعثة من المخابز القريبة. كانت المدينة تعيش لحظة انتقالها اليومية؛ الموظفون يغادرون أعمالهم، وأصحاب المحال يستعدون لفترة المساء، والطرقات تمتلئ شيئًا فشيئًا بالسيارات.راقب كل ذلك بصمت.قبل أشهر، كان يتمنى فقط أن يرى شارعًا مزدح
الفصل العشرون بعد المئة: لقاء بعد الغيابالجزء الأولبدأ صباح اليوم التالي مختلفًا بالنسبة إلى رفيق. لم يكن السبب تغير الطقس أو هدوء المدينة، بل القرار الذي اتخذه في الليلة السابقة. للمرة الأولى منذ عودته، استيقظ وهو يعلم أن هذا اليوم لن ينتهي كما بدأ، وأن أحد أقرب الناس إليه سيعرف أخيرًا أنه ما زال على قيد الحياة.وقف أمام نافذة الشقة يتأمل الشارع أسفل المبنى. كانت السيارات تمر تباعًا، والناس يتجهون إلى أعمالهم كأي صباح عادي، بينما كان قلبه يخوض معركة صامتة بين الرغبة في اللقاء والخوف من لحظته الأولى.خرج من غرفته بعد أن ارتدى ملابس بسيطة، فوجد مراد قد سبقه إلى إعداد القهوة.ابتسم مراد وهو يناوله كوبًا."لم تنم كثيرًا، أليس كذلك؟"ابتسم رفيق ابتسامة خفيفة."واضح إلى هذه الدرجة؟"ضحك مراد."كنت أعرف أنك ستقضي الليل كله تفكر."جلسا متقابلين.قال رفيق بعد لحظة صمت:"هل أخبرته أنني أريد لقاءه؟"هز مراد رأسه بالنفي."كما وعدتك... لم أقل شيئًا."تنهد رفيق براحة."شكرًا."قال مراد وهو يضع كوبه على الطاولة:"لكنني طلبت منه أن يلتقيني بعد الظهر."رفع رفيق رأسه."بأي حجة؟"ابتسم مراد."قلت إن
الجزء الثالثوصل مراد إلى المكان المتفق عليه قبل الموعد بدقائق قليلة. أوقف سيارته في الجهة المقابلة للحديقة، ثم بقي للحظات ممسكًا بعجلة القيادة دون أن يترجل. كان يوم العمل قد انتهى، لكن التعب الذي يشعر به لم يكن سببه كثرة الملفات أو ضغط المراجعات، بل الضغط النفسي الذي عاشه منذ أن عاد رفيق إلى المدينة.رفع بصره فرأى رفيق جالسًا على أحد المقاعد الخشبية تحت شجرة كبيرة، يراقب المارة في هدوء. لم يكن يبدو كرجل هارب، بل كرجل يحاول أن يتصالح مع الحياة من جديد.ترجل من السيارة واتجه نحوه.ما إن اقترب حتى نهض رفيق مبتسمًا.قال مراد وهو يصافحه:"انتظرت كثيرًا؟"هز رفيق رأسه."ليس كثيرًا... كنت أستمتع بمراقبة الناس."جلسا معًا على المقعد.ساد بينهما صمت قصير، لم يكن صمتًا محرجًا، بل راحة بين صديقين يعرف كل منهما ما يدور في نفس الآخر.قطع مراد الصمت قائلاً:"بدأت تستعيد المدينة."ابتسم رفيق وهو ينظر إلى الأشجار الممتدة أمامه."أحاول."ثم أضاف:"الغريب أن كل شيء يبدو مألوفًا وغريبًا في الوقت نفسه."نظر إليه مراد باهتمام."كيف؟"قال رفيق:"الأماكن هي نفسها... لكنني أنا الذي تغيرت."لم يجد مراد ما يج
الفصل الثامن عشر بعد المئة: قبل أن تتبدل الطرقالجزء الأوللم يكن صباح ذلك اليوم مختلفًا عن غيره في مقر العمل، على الأقل بالنسبة إلى بقية الموظفين. دخل الجميع تباعًا، تبادلوا التحيات المعتادة، ثم انشغل كل واحد بما ينتظره من ملفات ومراجعات واجتماعات قصيرة. غير أن سليم، منذ اللحظة التي وصل فيها، شعر بأن شيئًا ما خرج عن المألوف، دون أن يستطيع تحديده بدقة.رفع رأسه نحو مكتب مراد، فوجده موجودًا قبل الجميع تقريبًا، وهي عادة لم يكن يلتزم بها إلا عندما يكون منشغلًا بأمر مهم. كان يجلس أمام شاشة الحاسوب، لكن عينيه لم تكونا تتحركان بين السطور كما اعتاد، بل كانتا شاردتين، وكأن ذهنه موجود في مكان آخر تمامًا.اقترب منه وهو يحمل كوبًا من القهوة، ووضع كوبًا آخر على مكتبه.قال مبتسمًا:"يبدو أنك سبقتني اليوم."انتبه مراد إلى صوته، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة."استيقظت باكرًا، فلم أجد سببًا للبقاء في المنزل."جلس سليم على الكرسي المقابل لبضع ثوانٍ."وهل أنهيت ما كنت منشغلًا به أمس؟"توقف مراد لحظة قصيرة قبل أن يجيب:"تقريبًا."كانت الإجابة مقتضبة أكثر من المعتاد، ولم تمر على سليم مرورًا عاديًا.طوال السنوات







