Share

صدى اللقاء

last update publish date: 2026-06-23 13:46:02

الفصل الثاني

صدى اللقاء

استيقظت نورة في صباح اليوم التالي على صوت المطر وهو يطرق زجاج نافذتها برفق. فتحت عينيها ببطء وبقيت لثوانٍ تحدق في السقف الأبيض لغرفتها، محاولة أن تستعيد تفاصيل الليلة الماضية. لم يكن هناك ما يدعو للتفكير المفرط، أو هكذا حاولت إقناع نفسها. لقد التقت بشاب في مكتبة، تحدثا قليلًا عن الكتب، ثم افترقا. لكن الأمر بدا أكبر من ذلك في قلبها.

نهضت من سريرها واتجهت نحو النافذة. كانت السماء ما تزال ملبدة بالغيوم، بينما كانت قطرات المطر تنساب فوق الزجاج في خطوط متعرجة. أحبت هذا المشهد منذ طفولتها، لكنه بدا مختلفًا هذا الصباح. وكأن شيئًا جديدًا قد أضيف إلى حياتها دون أن تستأذنها الأقدار.

في الطرف الآخر من المدينة، كان رفيق يجلس أمام مكتبه محاولًا إنهاء بعض الأعمال المتراكمة. كانت الأوراق مبعثرة أمامه، والحاسوب مفتوحًا منذ ساعة، لكنه لم ينجز شيئًا يذكر. كلما حاول التركيز، عادت إلى ذهنه صورة نورة وهي تبتسم بخجل وتجيب بكلمتها المفضلة: "ربما".

ابتسم رغمًا عنه. لم يعتد أن يشغل تفكيره شخص بهذه السرعة. بل إنه منذ سنوات طويلة تجنب الاقتراب من أي علاقة قد تعيد إليه آلام الماضي. ومع ذلك، وجد نفسه يتساءل إن كانت ستعود إلى المكتبة اليوم.

أما نورة، فقد حاولت الانشغال بقراءة الكتاب الذي استعارته، لكنها لم تتجاوز بضع صفحات. كانت الكلمات تمر أمام عينيها دون أن تستقر في ذهنها. أغلقت الكتاب أخيرًا، ثم تنهدت وهي تنظر إلى الساعة. كان الوقت لا يزال مبكرًا، ومع ذلك شعرت أن اليوم يتحرك ببطء شديد.

عندما اقترب المساء، لم تعد قادرة على مقاومة رغبتها في الخروج. ارتدت معطفها وحملت الكتاب بين يديها، ثم غادرت المنزل. كانت خطواتها هادئة في البداية، لكنها تسارعت كلما اقتربت من المكتبة القديمة.

توقفت أمام الباب للحظة، ثم دفعته برفق. دوى صوت الجرس الصغير المعلق فوقه، فرفعت عينيها مباشرة نحو الداخل.

كان هناك.

يجلس قرب النافذة ذاتها.

وكأنه كان ينتظر.

رفع رفيق رأسه في اللحظة نفسها تقريبًا، وما إن وقعت عيناه عليها حتى ارتسمت ابتسامة واضحة على وجهه.

قال بهدوء:

"إذًا عدتِ."

ابتسمت نورة وهي تتقدم نحوه:

"وأنت أيضًا."

أشار إلى المقعد المقابل له:

"يبدو أن الكتب أصبحت أكثر جاذبية هذا الأسبوع."

جلست وهي تضحك بخفة:

"أو ربما أن الصدف أصبحت أكثر كرمًا."

استمر الحديث بينهما لساعات. تحدثا عن الروايات التي تركت أثرًا في حياتهما، وعن المدن التي يحلمان بزيارتها، وعن الذكريات التي ما تزال عالقة في أعماقهما. كانت الكلمات تنساب بسهولة مدهشة، حتى إن كليهما نسي مرور الوقت.

ولأول مرة منذ فترة طويلة، شعر رفيق براحة حقيقية وهو يتحدث مع شخص لا يعرف عنه شيئًا تقريبًا. أما نورة، فكانت تكتشف تدريجيًا أن خلف هدوئه الظاهر عالمًا كاملًا من الأسرار والحكايات.

عندما أعلن صاحب المكتبة اقتراب موعد الإغلاق، نظر الاثنان إلى الساعة بدهشة. مرت الساعات أسرع مما توقعا.

جمع رفيق أغراضه، ثم تردد للحظة قبل أن يقول:

"هل لديك بعض الوقت قبل العودة إلى المنزل؟"

نظرت إليه باستغراب:

"لماذا؟"

أشار نحو النافذة حيث بدا البحر البعيد مغمورًا بألوان الغروب.

وقال مبتسمًا:

"أعتقد أن البحر يبدو جميلًا هذا المساء."

شعرت نورة بدقات قلبها تتسارع قليلًا، لكنها أخفت ذلك بابتسامة هادئة.

ثم أجابت:

"أعتقد ذلك أيضًا."

وغادرا المكتبة معًا، بينما كانت آخر خيوط الشمس تختفي خلف الأفق، غير مدركين أن هذه الخطوات الأولى ستقودهما إلى قصة لم يكن أي منهما مستعدًا لها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل الثامن والأربعون

    الجزء الأول: الظل الذي عبر النافذةانطفأت شاشة الحاسوب.وفي اللحظة نفسها، غرق المنزل في ظلام كثيف.لم يعد يُرى شيء سوى خيط شاحب من ضوء القمر يتسلل عبر النافذة التي انفتحت ببطء، كأن يدًا خفية دفعتها من الخارج.حبس الجميع أنفاسهم.لم يتكلم أحد.ثم...صدر صوت خطوة فوق الأرضية الخشبية.كانت بطيئة.مدروسة.كأن صاحبها يعرف تفاصيل المنزل أكثر من أصحابه.رفع رفيق يده في الظلام، وهمس:"لا يتحرك أحد."شعر بأن نورة تقف خلفه مباشرة، وأن أنفاسها المرتجفة تقترب من كتفه.أما مراد، فبدأ يتحسس جيبه بحثًا عن مصباحه الصغير، محاولًا ألا يصدر أي صوت.لكن الخطوة الثانية جاءت أقرب.هذه المرة...كانت داخل الغرفة نفسها.انقبض قلب رفيق.هل جاء الرجل ليسرق الصورة؟أم ليتأكد أنهم رأوا ما لم يكن يجب أن يروه؟لم يمنحه عقله وقتًا للإجابة.اندفع نحو مصدر الصوت، مستعينًا بذاكرته لمكان الأثاث.وفي اللحظة نفسها، اصطدم بجسد شخص آخر.كانت الدفعة قوية.ترنح الاثنان.شعر رفيق بقبضة يد ترتطم بكتفه، ثم تنزلق مبتعدة.وقبل أن يمسك بمعطف الدخيل...اشتعل ضوء المصباح في يد مراد.شق شعاعه الظلام لثانية واحدة.وكانت ثانية كافية.رأ

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل السابع والأربعون

    الجزء الأول: ثمن الحقيقةظل رفيق واقفًا أمام باب المقهى، يقلب المفتاح البرونزي بين أصابعه.لم يركض خلف عادل.ولم يفتح الظرف.كان يشعر أن كليهما يحملان الحقيقة نفسها، لكن كلًا منهما يرويها بطريقة مختلفة.رفع بصره نحو الشارع.اختفت السيارة الرمادية.واختفى الرجل ذو المعطف الداكن.كأن اللقاء لم يحدث أصلًا.لكن ثقل الظرف في جيبه كان يؤكد أن كل ما عاشه قبل دقائق كان حقيقيًا.---عاد إلى المنزل مع اقتراب الغروب.كانت نورة أول من فتح الباب.ما إن رأته حتى ارتسمت على وجهها راحة حاولت إخفاءها.ابتسم رفيق ابتسامة متعبة.وقال بهدوء:"لقد عدت."أجابته وهي تتنفس بارتياح:"وأوفيت بوعدك."لم تكن الجملة طويلة، لكنها لامست شيئًا عميقًا في داخله.أدرك أن هناك من ينتظره في كل مرة يخرج فيها لمواجهة المجهول.---دخل مراد إلى غرفة الجلوس وهو يحمل حاسوبه المحمول."وجدت شيئًا."اجتمع الجميع حوله.ظهرت على الشاشة صورة قديمة لمبنى حجري ضخم.قال مراد:"قضيت ساعات أبحث عن الرمز الموجود على المفتاح."أشار إلى النقش."الطائر فوق الهلال."رفع رفيق رأسه."هل وجدته؟"أومأ مراد."هذا الشعار كان يخص مؤسسة خيرية أُغلقت

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل السادس والأربعون

    الجزء الأول: الرجل الذي نجاظل رفيق يحدق في الرجل المسن للحظات.لم يتحرك.ولم يرفع الرجل عينيه مرة أخرى.أعاد طي الصحيفة بعناية، ثم ارتشف رشفة هادئة من قهوته، وكأنه لا ينتظر أحدًا.لكن شيئًا في ملامحه كان يقول العكس.كان ينتظر...منذ سنوات.---عبر رفيق الشارع بخطوات مترددة.شعر بنظرات نورة تلاحقه من خلف نافذة المنزل.كان قد وعدها أن يعود.ولم يكن يريد أن يبدأ بكسر أول وعد بينهما.توقف أمام باب المقهى.أخرج القلادة الفضية التي أعطته إياها نورة.قبض عليها للحظة.ثم أخفاها داخل قميصه.ودخل.---رفع الرجل المسن نظره هذه المرة.ابتسم ابتسامة صغيرة."تأخرت ثلاث دقائق."جلس رفيق أمامه دون أن يمد يده للمصافحة.قال بهدوء:"من أنت؟"لم يجب الرجل مباشرة.بل دفع فنجان قهوة آخر نحو رفيق."اطمئن... ليست مرة."ارتجفت يد رفيق قليلًا.كانت الجملة نفسها التي قالها قبل دقائق لنورة.هل كان يراقبه؟أم أن الأمر مجرد مصادفة؟---قال الرجل بعدما لاحظ ارتباكه:"لا تنظر إليّ كعدو.""ولو كنت أريد قتلك... لما دعوتك إلى مكان مليء بالناس."ساد الصمت بينهما.ثم قال رفيق:"أعرف أنك كنت مع يوسف."أطرق الرجل برأسه."

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل الخامس والأربعون

    الجزء الأول: الوعد الذي أخفاه الصمتظل رفيق ممسكًا بالهاتف حتى بعد انقطاع الاتصال.لم يتحرك.لم يتكلم.كان الصوت الذي سمعه قبل لحظات لا يزال يتردد في أذنيه:"إذا أردت أن تعرف لماذا مات يوسف... تعال غدًا وحدك."أخفض الهاتف ببطء.كانت الغرفة صامتة، لكن داخله كان يعج بالأسئلة.لاحظت نورة شحوب وجهه.اقتربت منه بخطوات هادئة."من كان المتصل؟"رفع بصره إليها، ثم تردد.للمرة الأولى منذ بدأت رحلتهما، فكر في إخفاء الحقيقة عنها.ليس لأنه لا يثق بها...بل لأنه خاف عليها.قال بهدوء:"رقم مجهول."نظرت إليه طويلًا.كانت تعرف رفيق جيدًا.وحين يجيب بهذه القِصر، فهذا يعني أنه يخفي شيئًا.لكنها لم تضغط عليه.اكتفت بسؤال واحد:"هل نحن في خطر؟"صمت للحظات.ثم أجاب بصراحة:"لا أعرف."---تقدمت المرأة الغامضة، وأخذت ساعة يوسف من فوق الطاولة.تأملتها بحزن."كان يحملها معه في كل مكان."ثم أعادتها إلى رفيق."احتفظ بها... لأنها لم تعد مجرد ساعة."نظر إليها باستغراب."ماذا تقصدين؟"ابتسمت ابتسامة خفيفة."يوسف لم يكن يحتفظ بشيء عبثًا."نظر رفيق إلى الساعة.ثم إلى الورقة التي كانت مخبأة داخلها."ابحث عنها في الأشخ

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل الرابع والأربعون

    الجزء الأول: بين الوعد والحقيقةظل رفيق واقفًا مكانه.كانت كلمات نورة، القادمة من خارج المنارة، تتردد في أذنيه:"رفيق... لا تفتح الظرف!"تجمدت يده فوق ختم الشمع الأحمر.نظر إلى الظرف.ثم إلى الباب المفتوح.ثم إلى مراد.قال مراد بصوت حازم:"إذا كانت نورة في الخارج... فمن الذي كان يصرخ باسمها قبل دقائق؟"لم يجب أحد.كان السؤال وحده كافيًا ليزرع الشك في قلوب الجميع.أعاد رفيق الظرف إلى جيبه ببطء.وقال:"لن أفتحه الآن."تنفست المرأة الغامضة الصعداء، وكأنها كانت تخشى تلك اللحظة منذ سنوات.---خرج الثلاثة من الغرفة السرية، وصعدوا درجات السلم الحجري بسرعة.كانت المنارة ساكنة.لم يبقَ فيها سوى صوت الريح وهي تضرب النوافذ القديمة.اندفع رفيق إلى الخارج.كانت نورة تقف قرب السيارة، تلهث، ووجهها شاحب.ما إن رأته حتى أسرعت نحوه.دون تفكير، أمسك بكتفيها."أين كنتِ؟"نظرت إليه بدهشة."كنت أبحث عنك."عقد حاجبيه."سمعنا صراخك من داخل المنارة."هزت رأسها بالنفي."لم أصرخ."ساد الصمت.أدرك الجميع أن شخصًا آخر كان يقلد صوتها.---أخفض رفيق يديه ببطء.للمرة الأولى، شعر بأن خصمه لا يكتفي بمراقبته.بل يعرف ن

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل الثالث والأربعون

    الجزء الأول: الرجل خلف البابساد الصمت.لم يجرؤ أحد على النطق بكلمة بعد أن قال الرجل من خلف الباب:"أنا الرجل... الذي ضحى يوسف بحياته ليخفيه عن العالم."تبادل رفيق ونورة ومراد النظرات.كان كل واحد منهم يحاول أن يقرر إن كان ذلك الصوت يقول الحقيقة... أم ينصب لهم فخًا جديدًا.اقترب رفيق خطوة من الباب الحجري.قال بثبات حاول أن يخفي خلفه اضطرابه:"إذا كنت تعرف يوسف... فاذكر شيئًا لا يعرفه غيره."ضحكة قصيرة انطلقت من خلف الباب.لم تكن ساخرة.بل بدت كضحكة رجل أنهكه الزمن.ثم قال:"كان يوسف يكره القهوة المُرة... لكنه كان يشربها كل ليلة حتى لا ينام قبل أن يطمئن أنك عدت إلى المنزل."تجمد رفيق.لم يخبر أحدًا بذلك من قبل.كانت عادة يعرفها هو وحده.عاد إلى ذاكرته مشهد يوسف جالسًا قرب النافذة، وفنجان القهوة يبرد بين يديه، حتى يسمع صوت باب المنزل يُفتح.أخفض رفيق رأسه.همس:"من أنت؟"جاءه الرد بهدوء:"افتح الباب... وسأجيب عن كل سؤال."اعترض مراد فورًا."لا!"اقترب من رفيق وأمسك بذراعه."إذا فتحنا الباب فقد نعطيه الفرصة للقضاء علينا."لكن المرأة الغامضة كانت تنظر إلى الباب بطريقة مختلفة.قالت بصوت خا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status