بيت / الرومانسية / أوتار القمر الأخيرة / بين البحر والاعتراف الصامت

مشاركة

بين البحر والاعتراف الصامت

last update تاريخ النشر: 2026-06-23 13:47:53

الفصل الثالث

بين البحر والاعتراف الصامت

خرجت نورة من المكتبة إلى جانب رفيق بينما كانت السماء تودع آخر خيوط النهار. بدا الأفق وكأنه لوحة رسمها فنان عاشق للألوان الدافئة؛ مزيج من البرتقالي والذهبي والأحمر ينعكس فوق صفحة البحر الهادئة.

سارا بصمت في البداية.

لم يكن أي منهما يعرف كيف يبدأ حديثًا جديدًا بعد الساعات الطويلة التي أمضياها معًا داخل المكتبة.

لكن الغريب أن الصمت بينهما لم يكن محرجًا.

بل كان يشبه الراحة.

راحة نادرة يشعر بها الإنسان عندما يكون بصحبة شخص لا يضطر إلى التظاهر أمامه.

كانت الأمواج تتكسر برفق على الصخور القريبة، بينما كانت نسائم المساء تداعب خصلات شعر نورة.

توقفت للحظة تنظر إلى البحر.

ثم قالت:

"أشعر أحيانًا أن البحر يحتفظ بذكريات الناس."

التفت إليها رفيق مبتسمًا.

"ولماذا البحر تحديدًا؟"

فكرت قليلًا قبل أن تجيب:

"لأنه يسمع الكثير ولا يخبر أحدًا."

ضحك بخفة.

"إذن هو أفضل من معظم البشر."

ابتسمت هي الأخرى.

لكنها لمحت شيئًا في عينيه.

شيئًا يشبه الحزن.

كأن مزحته أخفت خلفها حقيقة لا يريد الاعتراف بها.

واصلا السير بمحاذاة الشاطئ.

وكان المارة يتناقصون تدريجيًا مع حلول المساء.

حتى بدا المكان وكأنه ملك لهما وحدهما.

سألها رفيق:

"ما أكثر شيء تخافين خسارته؟"

فاجأها السؤال.

ظلت صامتة لثوانٍ.

ثم قالت:

"الأشخاص الذين أحبهم."

خفضت نظرها نحو الرمال.

وأكملت بصوت أكثر هدوءًا:

"فقدت أشخاصًا مهمين في حياتي. منذ ذلك الوقت أصبحت أخشى التعلق كثيرًا."

لم يعلق مباشرة.

كان يستمع باهتمام حقيقي.

قال بعد لحظة:

"أعتقد أن كل شخص يحمل جرحًا لا يراه الآخرون."

نظرت إليه.

وكانت متأكدة أن كلماته لم تأتِ من فراغ.

بل من تجربة عاشها بنفسه.

لكنها لم تشأ أن تسأله.

ليس بعد.

---

استمرا في الحديث حتى وصلا إلى مقهى صغير يطل على البحر.

كان المكان هادئًا.

تنبعث منه موسيقى خافتة بالكاد تُسمع.

جلسا قرب النافذة.

وطلب كل منهما مشروبه المفضل.

بدأ الحديث ينتقل إلى مواضيع أكثر عمقًا.

عن الأحلام.

عن الطفولة.

عن الأشياء التي تغير الإنسان دون أن يشعر.

اكتشفت نورة أن رفيق كان يحب الرسم في صغره.

لكنه توقف منذ سنوات.

وعندما سألته عن السبب، اكتفى بابتسامة غامضة.

أما هو فاكتشف أنها كانت تكتب القصائد منذ المرحلة الثانوية.

وأنها ما زالت تحتفظ بدفتر قديم مليء بالنصوص التي لم يقرأها أحد.

قال مبتسمًا:

"إذن أنتِ تخفين أسرارًا كثيرة."

ردت ضاحكة:

"وأنت أكثر مني."

لم يجب.

لكن ابتسامته اختفت للحظة قصيرة.

لحظة لم تفلت من ملاحظتها.

---

بعد ساعة تقريبًا، غادرا المقهى.

كانت المدينة قد بدأت ترتدي أضواء الليل.

والقمر يعلو تدريجيًا في السماء.

عندما وصلا إلى مفترق الطريق المؤدي إلى منزل نورة، توقفا.

شعرت فجأة أن الوقت مر بسرعة غريبة.

كأن المساء لم يكن سوى دقائق.

قال رفيق:

"أعتقد أنني استمتعت اليوم أكثر مما توقعت."

ابتسمت.

"وأنا أيضًا."

ساد صمت قصير.

ثم قال:

"هل يمكنني أن أطرح سؤالًا أخيرًا؟"

هزت رأسها موافقة.

نظر إليها مباشرة.

وقال:

"هل تعتبرين ما حدث بيننا مجرد صدفة؟"

تسارعت دقات قلبها.

لم تكن تتوقع السؤال.

نظرت إلى البحر البعيد للحظة.

ثم أجابت:

"لا أعرف."

ابتسم.

"إجابة دبلوماسية."

ضحكت.

ثم قالت:

"لكنني أؤمن أن بعض الأشخاص يدخلون حياتنا لسبب."

بقي ينظر إليها لثوانٍ.

كأنه يحاول حفظ ملامح تلك اللحظة.

ثم قال بهدوء:

"أعتقد أنني أؤمن بذلك أيضًا."

---

في تلك الليلة، عادت نورة إلى منزلها وقلبها أخف مما كان عليه منذ أشهر طويلة.

جلست قرب نافذتها المعتادة.

وأخرجت دفترها الصغير.

فتحت صفحة جديدة.

وبدأت تكتب.

كتبت عن البحر.

وعن الغروب.

وعن شخص التقت به مصادفة.

شخص جعلها تنظر إلى الأيام القادمة بفضول لم تشعر به منذ زمن.

أما رفيق، فعندما عاد إلى منزله، توجه مباشرة إلى مكتبه.

جلس بصمت طويل.

ثم فتح أحد الأدراج القديمة.

أخرج رسالة صفراء مهترئة.

كانت الرسالة ذاتها التي احتفظ بها سنوات طويلة.

رسالة والده الأخيرة.

نظر إليها مطولًا.

وكأنها تحمل إجابات يخشى سماعها.

ثم فتحها ببطء.

وقرأ السطور الأولى.

شعر بالثقل نفسه يعود إلى صدره.

الثقل الذي ظن أنه نسيه.

لكن هذه المرة كان مختلفًا.

لأن هناك شخصًا جديدًا دخل حياته.

شخصًا قد يتأثر بكل ما يحمله ذلك الماضي من أسرار.

أغلق الرسالة بسرعة.

وأعادها إلى مكانها.

ثم وقف أمام النافذة.

نظر إلى البحر المظلم.

وهمس لنفسه:

"أتمنى ألا يؤذيها ما أخفيه."

لكن الرياح القادمة من جهة البحر لم تحمل إليه أي جواب.

وفي مكان ما من المدينة، كانت نورة تنهي آخر سطر في دفترها دون أن تعلم أن الأقدار بدأت بالفعل تحرك أول خيط من أسرار الماضي.

أسرار ستغير كل شيء.

نهاية الفصل الثالث

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل الثامن والأربعون

    الجزء الأول: الظل الذي عبر النافذةانطفأت شاشة الحاسوب.وفي اللحظة نفسها، غرق المنزل في ظلام كثيف.لم يعد يُرى شيء سوى خيط شاحب من ضوء القمر يتسلل عبر النافذة التي انفتحت ببطء، كأن يدًا خفية دفعتها من الخارج.حبس الجميع أنفاسهم.لم يتكلم أحد.ثم...صدر صوت خطوة فوق الأرضية الخشبية.كانت بطيئة.مدروسة.كأن صاحبها يعرف تفاصيل المنزل أكثر من أصحابه.رفع رفيق يده في الظلام، وهمس:"لا يتحرك أحد."شعر بأن نورة تقف خلفه مباشرة، وأن أنفاسها المرتجفة تقترب من كتفه.أما مراد، فبدأ يتحسس جيبه بحثًا عن مصباحه الصغير، محاولًا ألا يصدر أي صوت.لكن الخطوة الثانية جاءت أقرب.هذه المرة...كانت داخل الغرفة نفسها.انقبض قلب رفيق.هل جاء الرجل ليسرق الصورة؟أم ليتأكد أنهم رأوا ما لم يكن يجب أن يروه؟لم يمنحه عقله وقتًا للإجابة.اندفع نحو مصدر الصوت، مستعينًا بذاكرته لمكان الأثاث.وفي اللحظة نفسها، اصطدم بجسد شخص آخر.كانت الدفعة قوية.ترنح الاثنان.شعر رفيق بقبضة يد ترتطم بكتفه، ثم تنزلق مبتعدة.وقبل أن يمسك بمعطف الدخيل...اشتعل ضوء المصباح في يد مراد.شق شعاعه الظلام لثانية واحدة.وكانت ثانية كافية.رأ

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل السابع والأربعون

    الجزء الأول: ثمن الحقيقةظل رفيق واقفًا أمام باب المقهى، يقلب المفتاح البرونزي بين أصابعه.لم يركض خلف عادل.ولم يفتح الظرف.كان يشعر أن كليهما يحملان الحقيقة نفسها، لكن كلًا منهما يرويها بطريقة مختلفة.رفع بصره نحو الشارع.اختفت السيارة الرمادية.واختفى الرجل ذو المعطف الداكن.كأن اللقاء لم يحدث أصلًا.لكن ثقل الظرف في جيبه كان يؤكد أن كل ما عاشه قبل دقائق كان حقيقيًا.---عاد إلى المنزل مع اقتراب الغروب.كانت نورة أول من فتح الباب.ما إن رأته حتى ارتسمت على وجهها راحة حاولت إخفاءها.ابتسم رفيق ابتسامة متعبة.وقال بهدوء:"لقد عدت."أجابته وهي تتنفس بارتياح:"وأوفيت بوعدك."لم تكن الجملة طويلة، لكنها لامست شيئًا عميقًا في داخله.أدرك أن هناك من ينتظره في كل مرة يخرج فيها لمواجهة المجهول.---دخل مراد إلى غرفة الجلوس وهو يحمل حاسوبه المحمول."وجدت شيئًا."اجتمع الجميع حوله.ظهرت على الشاشة صورة قديمة لمبنى حجري ضخم.قال مراد:"قضيت ساعات أبحث عن الرمز الموجود على المفتاح."أشار إلى النقش."الطائر فوق الهلال."رفع رفيق رأسه."هل وجدته؟"أومأ مراد."هذا الشعار كان يخص مؤسسة خيرية أُغلقت

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل السادس والأربعون

    الجزء الأول: الرجل الذي نجاظل رفيق يحدق في الرجل المسن للحظات.لم يتحرك.ولم يرفع الرجل عينيه مرة أخرى.أعاد طي الصحيفة بعناية، ثم ارتشف رشفة هادئة من قهوته، وكأنه لا ينتظر أحدًا.لكن شيئًا في ملامحه كان يقول العكس.كان ينتظر...منذ سنوات.---عبر رفيق الشارع بخطوات مترددة.شعر بنظرات نورة تلاحقه من خلف نافذة المنزل.كان قد وعدها أن يعود.ولم يكن يريد أن يبدأ بكسر أول وعد بينهما.توقف أمام باب المقهى.أخرج القلادة الفضية التي أعطته إياها نورة.قبض عليها للحظة.ثم أخفاها داخل قميصه.ودخل.---رفع الرجل المسن نظره هذه المرة.ابتسم ابتسامة صغيرة."تأخرت ثلاث دقائق."جلس رفيق أمامه دون أن يمد يده للمصافحة.قال بهدوء:"من أنت؟"لم يجب الرجل مباشرة.بل دفع فنجان قهوة آخر نحو رفيق."اطمئن... ليست مرة."ارتجفت يد رفيق قليلًا.كانت الجملة نفسها التي قالها قبل دقائق لنورة.هل كان يراقبه؟أم أن الأمر مجرد مصادفة؟---قال الرجل بعدما لاحظ ارتباكه:"لا تنظر إليّ كعدو.""ولو كنت أريد قتلك... لما دعوتك إلى مكان مليء بالناس."ساد الصمت بينهما.ثم قال رفيق:"أعرف أنك كنت مع يوسف."أطرق الرجل برأسه."

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل الخامس والأربعون

    الجزء الأول: الوعد الذي أخفاه الصمتظل رفيق ممسكًا بالهاتف حتى بعد انقطاع الاتصال.لم يتحرك.لم يتكلم.كان الصوت الذي سمعه قبل لحظات لا يزال يتردد في أذنيه:"إذا أردت أن تعرف لماذا مات يوسف... تعال غدًا وحدك."أخفض الهاتف ببطء.كانت الغرفة صامتة، لكن داخله كان يعج بالأسئلة.لاحظت نورة شحوب وجهه.اقتربت منه بخطوات هادئة."من كان المتصل؟"رفع بصره إليها، ثم تردد.للمرة الأولى منذ بدأت رحلتهما، فكر في إخفاء الحقيقة عنها.ليس لأنه لا يثق بها...بل لأنه خاف عليها.قال بهدوء:"رقم مجهول."نظرت إليه طويلًا.كانت تعرف رفيق جيدًا.وحين يجيب بهذه القِصر، فهذا يعني أنه يخفي شيئًا.لكنها لم تضغط عليه.اكتفت بسؤال واحد:"هل نحن في خطر؟"صمت للحظات.ثم أجاب بصراحة:"لا أعرف."---تقدمت المرأة الغامضة، وأخذت ساعة يوسف من فوق الطاولة.تأملتها بحزن."كان يحملها معه في كل مكان."ثم أعادتها إلى رفيق."احتفظ بها... لأنها لم تعد مجرد ساعة."نظر إليها باستغراب."ماذا تقصدين؟"ابتسمت ابتسامة خفيفة."يوسف لم يكن يحتفظ بشيء عبثًا."نظر رفيق إلى الساعة.ثم إلى الورقة التي كانت مخبأة داخلها."ابحث عنها في الأشخ

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل الرابع والأربعون

    الجزء الأول: بين الوعد والحقيقةظل رفيق واقفًا مكانه.كانت كلمات نورة، القادمة من خارج المنارة، تتردد في أذنيه:"رفيق... لا تفتح الظرف!"تجمدت يده فوق ختم الشمع الأحمر.نظر إلى الظرف.ثم إلى الباب المفتوح.ثم إلى مراد.قال مراد بصوت حازم:"إذا كانت نورة في الخارج... فمن الذي كان يصرخ باسمها قبل دقائق؟"لم يجب أحد.كان السؤال وحده كافيًا ليزرع الشك في قلوب الجميع.أعاد رفيق الظرف إلى جيبه ببطء.وقال:"لن أفتحه الآن."تنفست المرأة الغامضة الصعداء، وكأنها كانت تخشى تلك اللحظة منذ سنوات.---خرج الثلاثة من الغرفة السرية، وصعدوا درجات السلم الحجري بسرعة.كانت المنارة ساكنة.لم يبقَ فيها سوى صوت الريح وهي تضرب النوافذ القديمة.اندفع رفيق إلى الخارج.كانت نورة تقف قرب السيارة، تلهث، ووجهها شاحب.ما إن رأته حتى أسرعت نحوه.دون تفكير، أمسك بكتفيها."أين كنتِ؟"نظرت إليه بدهشة."كنت أبحث عنك."عقد حاجبيه."سمعنا صراخك من داخل المنارة."هزت رأسها بالنفي."لم أصرخ."ساد الصمت.أدرك الجميع أن شخصًا آخر كان يقلد صوتها.---أخفض رفيق يديه ببطء.للمرة الأولى، شعر بأن خصمه لا يكتفي بمراقبته.بل يعرف ن

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل الثالث والأربعون

    الجزء الأول: الرجل خلف البابساد الصمت.لم يجرؤ أحد على النطق بكلمة بعد أن قال الرجل من خلف الباب:"أنا الرجل... الذي ضحى يوسف بحياته ليخفيه عن العالم."تبادل رفيق ونورة ومراد النظرات.كان كل واحد منهم يحاول أن يقرر إن كان ذلك الصوت يقول الحقيقة... أم ينصب لهم فخًا جديدًا.اقترب رفيق خطوة من الباب الحجري.قال بثبات حاول أن يخفي خلفه اضطرابه:"إذا كنت تعرف يوسف... فاذكر شيئًا لا يعرفه غيره."ضحكة قصيرة انطلقت من خلف الباب.لم تكن ساخرة.بل بدت كضحكة رجل أنهكه الزمن.ثم قال:"كان يوسف يكره القهوة المُرة... لكنه كان يشربها كل ليلة حتى لا ينام قبل أن يطمئن أنك عدت إلى المنزل."تجمد رفيق.لم يخبر أحدًا بذلك من قبل.كانت عادة يعرفها هو وحده.عاد إلى ذاكرته مشهد يوسف جالسًا قرب النافذة، وفنجان القهوة يبرد بين يديه، حتى يسمع صوت باب المنزل يُفتح.أخفض رفيق رأسه.همس:"من أنت؟"جاءه الرد بهدوء:"افتح الباب... وسأجيب عن كل سؤال."اعترض مراد فورًا."لا!"اقترب من رفيق وأمسك بذراعه."إذا فتحنا الباب فقد نعطيه الفرصة للقضاء علينا."لكن المرأة الغامضة كانت تنظر إلى الباب بطريقة مختلفة.قالت بصوت خا

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status