Masukكريم
لم نلتقِ بأحد في الطريق. كان الليل هادئًا، والبيت صامتًا كأنه يخبئ أسرارنا. وعندما وصلنا إلى منتصف الطريق المؤدي إلى غرفتها، توقفت فجأة، وأمسكت بذراعها بلطف ثم بحزم، وقلت بصوت منخفض لكنه حازم:
· توقفي. قومي بمصّ قضيبي الآن وهنا...
رفعت رأسها إليّ بعينين واسعتين، فيهما خوف واستغراب، همست بسرعة:
· هاه؟ أنا... لكن... قد يكتشفنا أحد!
ابتسمت ببطء، وأقمت عينيها بعينيّ:
· وماذا في ذلك؟ أنتِ في منزلك هنا، أليس كذلك؟ لن
لينا يغلف العتمة غرفتي كحجاب سميك، مرشحاً آخر أشعة الشمس الغاربة عبر الستائر المسدلة. الهواء ثقيل، مشحون بتوتر كهربائي يجعلني أرتعش رغم الحرارة الخانقة. أنا جالسة على حافة السرير، الأصابع مشدودة على قماش فستاني الصيفي المتجعد، الخفيف جداً، الشفاف جداً. لماذا ارتديته، هذا الفستان؟ سؤال غبي. أعرف الجواب. لأنني كنت أعرف. لأنني أردت ذلك. ينفتح الباب بدون صوت، كما لو أن الخشب نفسه يحبس أنفاسه. تتصلب كتفي، لكني لا أستدير. لا أستطيع. ليس بعد. ليس قبل أن يصبح الوقت متأخراً جداً للتراجع. خطواته مكتومة، غير محسوسة تقريباً، لكني أحسها تهتز في كل نهاية عصبية من جسدي. يقترب. رائحة عطره، خشبية، متبلة، مع لمسة التبغ البارد التي تدوخني دائماً، تغلفني حتى قبل أن تلامس أصابعه كتفي العاري. تلامس بسيط، ومع ذلك، كأنني صعقت بالكهرباء. بشرتي تشتعل. أنفاسي تحتجز. — أنت ترتعشين، يهمس، قريباً جداً لدرجة أن شفتيه تلامسان شحمة أذني. أشد أسناني. لا. لا، أنا لا أرتعش. لكن جسدي يخونني. قشعريرة تسري في عمودي الفقري، تنزل على
إيفان أكذب بسهولة مذهلة. صار هذا طبيعة ثانية. الكذب على جايد مثل التنفس. الكذب على لينا... إنه رياضة. فن. هي، على الأقل، تعرف أني أكذب. ترى الخيوط. هذا يجعل اللعبة أكثر إثارة بكثير. راقبتها هذا الصباح. الهالات تحت عينيها. شحوب وجهها. طريقتها في تجنب أي اتصال، حتى بصري. إنها مدمرة. ليس بالعنف، بل بالاكتشاف. اكتشاف ضعفها الخاص. رغبتها في الذئب داخل الحظيرة. إنه مثالي. جعْلها هشة كان ضرورياً. الآن، تعرف. تعرف أنها ليست قوية كما تعتقد. أنها ليست محصنة ضدي. الازدراء لا يزال هناك، أحسه. لكنه ممتزج بالخوف، وبشيء آخر... بالفتنة. فتنة مقززة، لكنها حقيقية. الخطة الأولية تبقى نفسها: حماية صورتي، علاقتي بجايد، اندماجي في هذه العائلة المريحة. لينا كانت تهديداً. لا تزال كذلك. لكن طبيعة التهديد تغيرت. لم تعد فقط الأخت المرتابة. أصبحت رهاناً. أرضاً يجب غزوها وتهدئتها. بكل الوسائل الضرورية. رؤيتها تعاني في صمت، مجبرة على الابتسام لأختها وهي تحمل ثقل سرنا
لينا تخترق الشمس شرائح الستائر المعدنية، مخططة السرير بخطوط ضوء قاسية. أنا مستيقظة منذ ساعات، بلا حراك، العينان مفتوحتان على اتساعهما محدقتان في السقف. جسدي حقل أطلال. كل عضلة مؤلمة، كل عصب على حافة الانهيار، كما لو أن أحداً ضربني. لكن أسوأ الجراح غير مرئية. تحترق في الداخل، مخزية وعميقة. كان الليل كابوساً طويلاً من اليقظة. كل مرة كنت أغمض فيها عينيّ، كنت أراه. طيفه في الظل. يده على بشرتي. حرارة لسانه. صوت صوتي أنا، مكسوراً باللذة. نهضت عند الفجر لأخذ دش ثانٍ، بارد هذه المرة، أفرك بشرتي حتى صارت وردية ومؤلمة، محاولة غسله عني. عبثاً. الإحساس محفور. رائحة صابونه، ممتزجة برائحة رغبتي الخائنة، تبدو متشربة في الجدران. صوت في الرواق. خطوات خفيفة. جايد. قلبي ينقبض حتى يتوقف. الذنب يصعد، حامضاً، في حلقي. أتصلب، حابسة أنفاسي، كما لو أن مجرد التنفس يمكن أن يكشف خيانتي. تمر أمام بابي. تدندن. إنها سعيدة. الغثيان يغمرني. أسرع إلى الحمام وأنحني على المغسلة، جسدي يهتز بقيء صامت. لا شيء يخرج. فقط العار، خالصا
لينا العودة ضباب. سيارة تيو، رائحة ما بعد حلقته الحلوة أكثر من اللازم، صوت المحرك... كل شيء يبدو مكتوماً، بعيداً. جسدي لا يزال جرحاً حياً، كل عصب يرتجف من صدمة المواجهة مع إيفان. النصر في حمامات الحانة له طعم رماد. كان انسحاباً، لا هزيمة له. أحسست بذلك. أمام بابي، يبتسم لي تيو، لطيفاً، متوقعاً. ينحني ويضع شفتيه على شفتيّ. إنها قبلة لطيفة، ملحة، مليئة بقصد حنون. يجب أن أتشبث بها. يجب أن أبحث فيها عن ملجأ، عن ترياق. لكن دمي يبقى جليداً. بشرتي صماء. لا يوقظ شيئاً، سوى امتنان غامض مشوب بالذنب. أجيب بدافع الأدب، الواجب، الأمل المجنون أن شيئاً، أخيراً، سيشتعل. — إلى الغد، لينا؟ يهمس ضد فمي. — إلى الغد، تيو. أصعد الدرج، كل درجة وزن إضافي. المنزل صامت، غارق في النوم. غرفة جايد مغلقة. أتوقف عندها لثانية، أذني مصغية. لا شيء. فقط ذكرى فستانها الأحمر، يدها على ذراع إيفان، تدور في رأسي كسكين. تحت الدش، الماء الحارق يغسل عرق الحانة، رائحة الجمع والبيرة المسكوبة. لكنه لا يغسل الإحساس. إحساس يده على وركي. أنفاسه على قفاي. أفرك بشرتي حتى تحمر، باحثة عن محو ذاكرة لمسته، تلك العلامة غير المرئية ا
وصلا للتو، يتسللان عبر الجمع قرب المنصة. جايد، متألقة في فستان أحمر، متعلقة بذراعه. إيفان، هو، قد بدأ بالفعل في مسح القاعة. نظراتنا تتقاطع. صدمة كهربائية، صامتة وعنيفة. يبتسم، ابتسامة صغيرة ملتوية لا تعني شيئاً جيداً. اللعبة تبدأ. — تريدين أن نرقص؟ يسألني تيو، أنفاسه ساخنة قرب أذني. أومئ برأسي، بحركة حادة. نعم. أرقص. أتحرك. أهرب من هذه النظرات التي تخترقني. أتركه يقودني نحو الحلبة، محاولة أن أذوب في كتلة الأجساد، أن أختبئ في الحركة. لكنه هناك. دائماً. حتى عندما لا أراه، أحسه. انتباهه ليزر مصوب على قفاي. — سأذهب لأحضر لنا شيئاً آخر نشربه، يعلن تيو بعد بضع أغنيات، لاهثاً ومبتسماً. أبقى وحيدة على حافة الحلبة، الوقت معلق. وفجأة، إنه هناك. إيفان. غادر جايد، تاركاً إياها تتحدث لشخص آخر، وهو يقف أمامي، المسافة بيننا مشحونة بالصواعق. — إذن، لينا؟ هل نرقص؟ صوته منخفض، همسة تهديد بالكاد تغطي الموسيقى. إنه ليس سؤالاً. إنه أمر مقنع. — أفضل انتظار عودة تيو. — لماذا؟ أتخافين مني؟ أصابعه تلامس ظهر يدي. تلامس حارق، محرم. أسحب يدي وكأنني احترقت. — أنا مقززة منك. الفرق طفيف، لكنه حاسم. يضح
ليناثلاثة أيام. ثلاثة أيام تهربت فيها من المنزل كالطاعون. أتسكع في المكتبة، عند كلارا، في أي مقهى حيث يمكنني الاندماج في الجمع المجهول. أغذي مشروعي، فكرة إيجاد فتى، درع بشري. عرض عليّ تيو أن نتناول قهوة. قبلت. الموعد غداً. إنه وعد بالحياة الطبيعية، نسمة هواء.لكن الليلة، لا يمكنني التراجع أكثر. أصرت جايد على عشاء عائلي. "اشتقت لرؤيتك"، قالت. كان صوتها صادقاً جداً. كل كلمة منها طعنة خنجر.حين أدفع باب الشقة، تفاجئني رائحة الريحان والثوم. إنهما في المطبخ، يعدان الباستا. إيفان، يدير لي ظهره، يصب النبيذ في قدر. جايد، مبتسمة، تقطع الطماطم.— لينا! أخيراً! تصيح مسرعة لتعانقني.أجهد نفسي لأبتسم، لأرد عناقها. جسدي متصلب.— مرحباً.يستدير إيفان ببطء. ابتسامته تحفة من النفاق.— مساء الخير، لينا. سعيد أنك استطعت أن تتحرري.صوته أملس، دافئ. لا أحد يمكنه أن يخمن. لا أحد سواي. أرى الرسالة في عينيه، لي وحدي: الهروب عديم الفائدة.العشاء عذاب راقٍ. الحديث يتدفق، سطحي. جايد تتكلم عن عملها، عن صديقة ستتزوج. أجيب بمقاطع، مركزة على طبقي، على قرقعة الشوك والسكاكين. إيفان، هو، مثالي. منتبه، فكاهي، يصب الما
أنا شابة في الحادية والثلاثين من عمري، اسمي نينا. أعمل محاسبة في إحدى الشركات الكبرى، حياتي منظمة، أوراقي مرتبة، مواعيدي دقيقة. لكن هناك شيء واحد في حياتي يخرج عن كل ترتيب: طبيبي النسائي.إنه وسيم بشكل لا يُحتمل. في اليوم الأول الذي دخلت فيه إلى عيادته، شعرت وكأن الأرض انزلقت من تحت قدمي. لم أعد أس
ساندروأمشي في الشارع للعودة إلى منزلي. كل خطوة ثقيلة كالرصاص. حياتي كلها مقلوبة رأسًا على عقب: أخي، صديقي الوحيد. لا بد أنه خائب الأمل فيّ جدًا، شعرت بالاحتقار في عينيه.ألوم نفسي كثيرًا، بقسوة، لأنني استسلمت لسحر هذه المرأة اللعينة. ومع ذلك فأنا لست طفلاً. لماذا لم أستطع مقاومة سحرها؟ لماذا في كل
لويزأنا محاصرة.ليس بأجسادهما.بل بنفسي.بهذه الفوضى المحرقة التي تسكنني، بهذا التناقض الذي يلتهمني.يجب أن أرحل. أن أحرر نفسي من قبضتهما، من هذا الجذب المدمر الذي يسحبني إليهما مع كل نبضة قلب.لكنني لا أتحرك.أبقى هنا. بينهما.يحدق نوا بي، نظراته نار محرقة تلعق بشرتي دون حتى أن يلمسني. أدريان خلف
دجيناكان النهار قد تحول إلى مساء، وكنت أقف أمام مرآة غرفتي، أتأمل انعكاسي. الأضواء الخافتة، الهواء المشحون بعطر غسولي المفضل، كانا يتناقضان مع الأفكار المضطربة التي كانت تجتاز ذهني. كان لدي انطباع بأن كل قرار أتخذه كان يبعدني أكثر قليلاً عن الأمان الذي كنت أعرفه.رومان، كان قد دعاني مؤخراً إلى الع







