로그인"هل تثقين بي؟" سألني وهو ينظر إلى عينيّ بهدوئه المعتاد. ابتسمت وأجبته دون تردد: "أثق بك أكثر من نفسي." اقترب مني خطوة، ثم همس بصوتٍ خافت: "إذن... مهما حدث، لا تصدقي ما سترينه." لم أفهم يومها معنى كلماته. لكنني فهمتها... بعد أن أصبحت جثةً داخل نعش. في جنازتي، كان الجميع ينظر إليه باعتباره القاتل، بينما وقف هو صامتًا لا يدافع عن نفسه، وكأنه يحمل ذنبًا لا يخصه. لكن الحقيقة كانت أكثر رعبًا. كل شخصٍ حولي كان يخفي سرًا. كل ابتسامة كانت تخفي خيانة. وكل حب ظننته ملاذًا آمنًا... كان يقودني خطوةً نحو الموت. وفي اللحظة التي اكتشفتُ فيها قاتلي... تمنيت لو أنني لم أعرف الحقيقة أبدًا.
더 보기لم يكن المطر غزيرًا...
كان مجرد خيوطٍ رقيقةٍ تهبط من السماء في هدوء، تلامس وجوه الواقفين ثم تنزلق عنها ببطء، حتى بدا وكأن السماء تُشاركهم الحداد بطريقتها الخاصة. امتدت صفوف المشيعين في صمتٍ ثقيل، لا يقطعه سوى صوت التراب وهو يرتطم بخشب النعش، وصوت الإمام الذي كان يتلو آخر الدعوات بنبرة خافتة امتزجت بحفيف الريح. كانت الورود البيضاء تُحيط بالقبر من كل جانب، وقد أثقلت قطرات المطر أوراقها حتى انحنت إلى الأسفل، كأنها تعجز هي الأخرى عن مقاومة الحزن. وقف الجميع بملابس سوداء، وجوه شاحبة، نظرات زائغة. وهمسات لا تكاد تُسمع، لكن وسط ذلك المشهد... كان هناك رجلٌ واحد لا ينظر إلى القبر، بل كان ينظر إلى الوجوه. يمر بعينيه على الحاضرين واحدًا تلو الآخر، وكأنه يبحث عن شخصٍ بعينه. وحين لم يجده...خفض رأسه في هدوء. --- في الصف الأول، كانت امرأة تجاوز الشيب نصف شعرها تقف مستندةً إلى ذراع شابةٍ في منتصف العشرينات. كانت عيناها محمرتين من فرط البكاء، إلا أن دموعها قد جفّت منذ ساعات. أحيانًا يبلغ الحزن بالإنسان حدًا لا يعود معه قادرًا على البكاء. كانت تحدق في شاهدة القبر، وتحرك شفتيها بكلماتٍ لم يسمعها أحد. ثم...ارتجفت أناملها فجأة، تقدمت خطوة، وأخرى. قبل أن تجثو على ركبتيها أمام القبر، وتمد يدًا مرتعشة تتحسس التراب الرطب. أغمضت عينيها. وضغطت بكفها على التراب كأنها تحاول أن تصل إلى ابنتها من خلاله. خرج صوتها مبحوحًا، متقطعًا، يشبه أنينًا قديمًا ظل حبيس صدرها طويلًا. "سامحيني يا ليان..." لم يكن صوتها مرتفعًا، لكن كل من سمعه أشاح بوجهه. فبعض الكلمات..تكون أثقل من أن تُحتمل. --- غير بعيدٍ عنها...وقف سليم. كان مستقيم القامة، أنيق الهيئة، لا تشوب بدلته السوداء ذرة غبار. لو رآه أحدٌ لأول مرة لظنه أكثر الحاضرين رباطة جأش. لكن الحقيقة كانت تختبئ في يده اليمنى. كانت أصابعه منقبضة بقوةٍ حتى ابيضّت مفاصلها، بينما كانت أظافره تغوص في راحة كفه دون أن يشعر. لم يرمش منذ دقائق. كان يحدق في الاسم المنقوش على الرخام. "ليان السيوفي." تحرك تفاحة آدم في عنقه بصعوبة. ثم أدار وجهه بعيدًا للحظة، وأخذ نفسًا عميقًا، كأن الهواء أصبح أثقل من أن يدخل رئتيه. --- ساد المكان صمتٌ جديد، صمتٌ غريب، كأن الجميع شعر بشيءٍ لم يحدث بعد. ثم... توقفت سيارة سوداء عند مدخل المقبرة، لم تكن فارهة على نحوٍ لافت، ولم تحمل لوحاتٍ مميزة. لكن ما إن توقفت...حتى تبادل عدد من الواقفين النظرات. انفتح الباب الخلفي ببطء، خرج رجل. كانت قامته طويلة، وكتفاه عريضتين، وقد بدا السواد الذي ارتداه وكأنه جزءٌ من ملامحه لا من ثيابه. لم يلتفت إلى أحد، لم ينظر إلى الكاميرات. لم يبالِ بالهمسات التي بدأت تنتشر بين الصفوف كالنار في الهشيم. بل سار بخطواتٍ ثابتة فوق الأرض المبتلة. كان وقع حذائه على الحصى خافتًا... لكن كل خطوةٍ منه كانت تُسمع بوضوحٍ داخل صدور الواقفين. "ريان." ما إن همست امرأة باسمه... حتى انقلب الهدوء إلى موجةٍ من الهمسات. "كيف تجرأ على الحضور؟" "أليس هو زوجها؟" "سمعت أنه لم يذرف دمعة واحدة منذ وفاتها." "بل سمعت ما هو أسوأ..." توقفت الجملة، لكن النظرات التي وُجهت إليه أكملتها. وصل ريان إلى القبر، توقف، أنزل بصره إلى الاسم المنقوش على الرخام. ظل واقفًا...ثانية، ثانيتين، ثلاثًا، لم يتحرك. غير أن عضلات فكه انقبضت ببطء، حتى برز الخط الحاد الممتد أسفل وجنته، أما يداه...فكانتا ساكنتين إلى جوار جسده. ساكنتين أكثر مما ينبغي، وكأن أي حركةٍ صغيرة قد تُسقط القناع الذي يرتديه. رفع يده أخيرًا، ولمست أطراف أصابعه حافة شاهدة القبر. كانت باردة... باردة على نحوٍ جعله يسحب يده سريعًا، كأن البرودة لم تكن في الرخام...بل في قلبه، وفي اللحظة نفسها... رفعت والدة ليان رأسها، التقت عيناها بعينيه، لم تقل شيئًا. اقتربت منه ببطء.كانت خطواتها متعثرة، لكن نظرتها كانت ثابتة. توقفت أمامه مباشرة، ورفعت يدها المرتجفة، ظن الجميع أنها ستنهار بين ذراعيه. لكن... صفعةٌ مدوية شقت سكون المقبرة، مال وجه تميم قليلًا تحت أثرها. ولم يحاول حتى أن يرفع يده ليلمس خده.كانت عيناه لا تزالان معلقتين بالقبر. أما هي... فكانت ترتجف من شدة الغضب، والدموع تنهمر فوق وجنتيها دون توقف.أُغلِق باب قاعة الاجتماعات بهدوء.توقف همس الموظفين تدريجيًا، ولم يبقَ سوى صوت جهاز العرض وهو يستعد لعرض الشرائح الأولى.وقف المدير التنفيذي في مقدمة القاعة، رجل تجاوز الخمسين بقليل، بشعرٍ اختلط فيه السواد بالرمادي، ونظارة رفيعة تستقر فوق أنفه، ابتسم وهو ينظر إلى الحاضرين."أعلم أن الجميع ينتظر هذا المشروع منذ أشهر." توقف لحظة، ثم أكمل:"لذلك... لا أريد اجتماعًا رسميًا اليوم."تبادل الموظفون النظرات باستغراب، ابتسم المدير. "أريد أن أسمع الأفكار... حتى المجنونة منها."ضحك بعض الموجودين بخفة، أما ليان...فكانت ما تزال شاردة، رغم أنها تنظر إلى شاشة العرض، إلا أن عقلها بقي عالقًا عند ذلك المقعد الفارغ، هل أخطأت فعلًا؟أم أن أحدًا كان يجلس هناك بالفعل؟دفعتها مايا بمرفقها برفق، همست وهي تبتسم: "أين أنتِ؟"انتبهت ليان. "ها؟"ضحكت مايا. "لو ظللتِ هكذا، سيعتقدون أن رئيسة المشروع تخاف من أول اجتماع."ابتسمت ليان ابتسامة صغيرة."ربما أنا خائفة فعلًا."رفعت مايا حاجبيها. "أنتِ؟"هزت ليان كتفيها. "الخوف لا يعني الضعف." ثم نظرت إلى شاشة العرض. "بل يعني أن الشيء مهم بالنسبة إليك."ابتسمت مايا بإعجاب.
لم تنم ليان إلا مع اقتراب الفجر.كانت مستلقية على جانبها، تحدق في الخطوط الباهتة التي رسمها ضوء القمر على سقف الغرفة.كلما أغلقت عينيها...سمعت صوته من جديد."لا تذهبي إلى الشركة غدًا."لم يكن طلبًا، ولم يكن أمرًا، بل كان شيئًا بينهما...شيئًا لم تستطع تفسيره.التفتت نحو الجانب الآخر من السرير، كان فارغًا، مدت يدها تتحسس الملاءة الباردة، لم يأتِ بعد، تنهدت ببطء، ثم أغمضت عينيها أخيرًا.في الطابق السفلي...كان ريان لا يزال جالسًا في مكتبه.لم يكن يعمل، كان ينظر إلى شاشة الحاسوب دون أن يقرأ حرفًا واحدًا.رن هاتفه، رفع السماعة مباشرة، جاءه صوت رجل خشن. "لقد وصل."أغمض ريان عينيه. "هل تأكدتم؟""مئة بالمئة."ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال الرجل: "هل ننهي الأمر الليلة؟"رفع ريان رأسه ببطء، انعكس ضوء الشاشة على عينيه السوداوين. "لا."قالها بحزم."طالما هي داخل هذا المنزل... لن يتحرك أحد."أغلق الخط، ثم أسند رأسه إلى ظهر المقعد، وأطلق زفيرًا طويلًا.كأن صدره يحمل حملًا أثقل من أن يحتمله.---في السابعة صباحًا...رن المنبه، فتحت ليان عينيها بتثاقل، ظلت مستلقية دقائق وهي تحدق في السقف، ثم نهضت أخيرًا.وقفت
وضعت الأكواب داخل الحوض، ثم فتحت صنبور الماء. ارتفع صوت المياه وهي ترتطم بالخزف. مدت يديها داخل الحوض، وبدأت تغسل الأكواب بنفسها. رغم أن في المنزل من يساعدها. كانت تقول دائمًا: "هناك أشياء أحب أن أفعلها بيدي." سمعها ريان مرة، فسألها: "لماذا؟" أجابته وهي تبتسم: "لأن البيت يشعر بك." ضحك يومها لأول مرة منذ أسابيع. ولم تفهم هي سبب ضحكته.دخل ريان إلى المطبخ بهدوء. أسند كتفه إلى إطار الباب.وبقي يراقبها. لم ينتبه إلا بعد لحظات أنه كان يبتسم. ابتسامة صغيرة...لا تكاد تُرى. رفعت ليان رأسها فجأة. فوجئت بوجوده. ضحكت. "منذ متى وأنت واقف هنا؟" أجاب بهدوء: "منذ قليل." ضيقت عينيها. "تكذب." رفع حاجبه. "ولماذا؟" أغلقت صنبور الماء، وجففت يديها بالمنشفة. ثم اقتربت منه خطوة. كانت أقصر منه بقليل، فرفعت رأسها لتنظر في عينيه. وقالت وهي تبتسم: "لأنك عندما تراقبني... تنسى أن ترمش." ساد صمت قصير،ثم...ضحك. ضحكة خافتة جدًا، كأنها أفلتت منه دون قصد. اتسعت عينا ليان. وأشارت إليه بإصبعها. "ها!" "ماذا؟" "ضحكت." هز كتفيه ببساطة."وربما لا." قالتها وهي تضحك. "هذه ثالث مرة فقط منذ زواجنا." نظر إليها ب
استقرت السيارة السوداء على الجانب المقابل للمنزل. لم يكن وقوفها يلفت الانتباه. في ذلك الحي الهادئ، كانت السيارات تمر وتغادر طوال اليوم، ولم يكن أحد ليمنحها نظرة ثانية. أما الرجل الذي جلس في المقعد الخلفي...فلم يرفع عينيه عن النافذة المضاءة في الطابق الأرضي.كانت الستارة نصف مسدلة. ومن خلفها...ظهرت ليان للحظة. كانت تضحك، ضحكة قصيرة، عفوية، وهي تجمع فناجين القهوة من فوق الطاولة. راقبها الرجل بصمت.ثم مال قليلًا إلى الأمام. "هي نفسها." جاءه صوت السائق: "هل نتحرك؟" هز رأسه نفيًا. "ليس بعد." ثم أعاد ظهره إلى المقعد، وأخرج من جيبه صورة قديمة. كانت الصورة باهتة، وقد بهتت أطرافها من كثرة ما لُمست. نظر إليها طويلًا، ثم أغلق عينيه للحظة، ولأول مرة... ظهر على وجهه شيء يشبه الشفقة. داخل المنزل... كانت ليان تجمع الأكواب الفارغة، بينما وقف ريان أمام النافذة. لم يكن ينظر إلى الشارع، بل إلى انعكاس الغرفة على الزجاج. انعكاس ليان، لاحظ أنها تحمل الصينية بيد واحدة، بينما تمسح بطرف كمها أثر قطرة قهوة انسكبت على الطاولة. تفصيل صغير...لكنه جعله يبتسم من داخله، منذ زواجهما...لم تتغير. ما زالت





