ログイン
صرخ بأعلى درجة يمكن أن تسعفه فيها أحباله الصوتية التي كادت أن تتمزق وهو يقول: "معلللللللللم"... لكن للأسف، لم ينتبه هذا العامل إلى سقوط اللبنة إلا بعد أن اقتربت من رأس المهندس وسيم الذي وقع على الأرض، وسالت دماء رأسه مع آخر صدى رددته هذه الإقامة السكنية الجديدة. لم يكن يعلم أحد أن عادة وسيم في إراحة رأسه بين الفينة والأخرى من الخوذة التي تزعجه، سيذكرها الناس يوماً في حادثة مروعة مثل هذه.
انبعثت صرخة من الجهة المقابلة، حيث يقف زميله الصديق صفوان الذي لم يتخيل يوماً أنه سيكون شاهداً على نهاية صديقه، دراستهما معاً منذ الثانوية إلى اختيار نفس التخصص، مشاطرة نفس الميولات ونفس الآراء الفكرية، التخرج، إلى نقطة العمل معاً، كلها خيوط من حبل واحد ربطتهما في صداقة أخوية، فلم يضع أحدهما لحظة وداع مثل هذه في الحسبان . ركض الجميع نحو المهندس المصاب، ووقع صفوان جاثيا على ركبتيه مرتجفاً، مذعوراً من المشهد، جس نبض صديقه من خلال الرقبة ثم نطق بلا وعيه في دهشة ممزوجة بالفزع: "لا تحركوه! لا تمسوه! ابتعدوا! اتصلوا بالإسعاف هيا!". امتلأت الأرجاء في دقائق بصفارات الإسعاف، وشاحنة الوقاية، وسيارة الشرطة التي أقامت زوبعة رملية في المكان بمجرد وقوفها. ركض شرطيان أولاً، ثم وفد من قوات المساعدة، ثم بدأوا في فحصه، بينما ركض ممرضان ذكران يحملان السرير الناقل، وممرضة تحمل في يدها أكسجيناً يدوياً تجري بكل ما تدربت عليه من قوة. قاموا بوضع الأكسجين على وجه وسيم المغطى بالدماء ثم حملوه لنقله إلى الإسعاف فوراً، وانطلقوا به إلى المستشفى. كان صفوان جالساً على المقعد الجانبي الضيق، وعيناه الممتلئتان بالحزن لا تفارقان وجه صديقه المصبوغ بالدماء، و المقترن بقناع الأكسجين. ينقبض حاجباه بألم كلما اهتزت الاسعاف مع المنعطفات، مستشعراً حركة جمجمة رفيقه المصابة . انتظر طويلاً أن تنطق هذه الممرضة التي تقيس ضغط المصاب، لكن يبدو أنها لا تنوي الحديث، فبادر قائلاً وهو يضغط على يديه المرتجفتين: "هل سينجو؟ ما وضعه من فضلك؟". لم تنظر إليه الممرضة، واكتفت بقول: "سيخبرك الطبيب بحالته حال فحصه في المستشفى، أنا ممرضة فقط"، ثم أضافت قبل أن تنهي كلامها: "أسأل الله أن ينجيه ويعافيه". بلغ اليأس في صفوان حافة الزبى، وأصبح يدعو ربه بوشوشة هستيرية طفولية وهو يردد: "يا رب لا تمته.. يا رب لا تمته". توقفت الإسعاف بعنف أحدث حركة مفزعة. فُتحت الأبواب الخلفية، وفي طرفة عين كان قد نُقل وسيم إلى داخل المستشفى. بالكاد استرجع صفوان أنفاسه أمام الغرفة، وبالكاد بدأ يستوعب ما كان يصرخ به المسعفون أثناء نقله وهم يقولون: "إصابة خطيرة في الرأس! غياب تام عن الوعي! جهزوا غرفة العمليات!". وقع خطى الشرطيين اللذين تركهما في موقع الحدث فوق بلاط المستشفى اقتلع اطناب الصمت الذي تلا إغلاق باب العمليات. اقترب أحدهما، وبدت على وجهه ملامح الجدية الممتزجة بنوع من الأسف. نظر الشرطي إلى صفوان الجالس على الأرض، ثم تنحنح قائلاً : "أنت المهندس صفوان، صديق المصاب والمسؤول معه عن الموقع، أليس كذلك؟" حاول صفوان الحديث لكن طاقته المتبقية لم تسعفه، فاكتفى بإيماءة بطيئة من رأسه وهو ينظر إلى بقع الدماء العالقة على طرف كميّ قميصه الأبيض ، محاولا النهوض بمشقة. تابع الشرطي وهو يخرج دفتر ملحوظاته الصغير: "نعلم أن الوقت غير مناسب، لكننا بحاجة إلى بضع إجابات ضرورية . ماذا حدث في موقعكم؟". حاول صفوان أن يستجمع ما تبقى من طاقته ليجيب بتعب: "انتبه الجميع على إثر صراخ أحد العمال من أعلى الطابق الثالث إلى أن اللبنة وقعت على رأس وسيم". نطق الشرطي الآخر: "الشهود العيان أفادوا بأن المهندس وسيم لم يكن يرتدي خوذة الحماية وقت سقوط اللبنة.. هل هذه عادته؟ ومن كان مشرفاً على تطبيق إجراءات السلامة في تلك اللحظة؟". شعر صفوان بفقدان تام للمقدرة على الكلام ثم زفر بحرارة نابعة من قيعان شعوره بالمرارة وهو يقول: "هذه عادته! كان يقول إنه يشعر بصداع إذا أطال وضع الخوذة". قبل أن يتمم صفوان كلامه عن المسؤول عن السلامة، وقبل أن يوجه الشرطيان سؤالهما التالي، تردد في الممر صرخات وخطوات متسارعة تقترب . التفت الجميع ليلمحوا أخت وسيم اليافعة وهي تسند أمه المنهارة وخلفهما الأب يركض بخطى منكسرة فضحت تماسكه الذي أراد أن يبدو عليه. بمجرد أن رأى الشرطيان هذا المشهد، تراجع الشرطي خطوة إلى الوراء، وأغلق الآخر دفتر ملحوظاته، ثم التفت إلى صفوان قائلاً: "سنتوقف هنا الآن.. سنعود لاحقاً لمتابعة الأمر"، ثم انصرفوا. مر شهر كامل على الحادث، وهو الآن يرقد فوق سريره، بدأت ملامحه الجذابة تستعيد عافيتها، وبدأت ذاكرته تعود بفضل زيارات صفوان الذي لم يتهاون يوماً في مساعدة صديقه على التذكر، خصوصاً أن الطبيب ألح على ذلك باستمرار، ومن حظ وسيم أنه لم يفقد إلا جزءاً صغيراً من الذاكرة عاد في وقت قصير مع الالتزام بتعليمات الطبيب. ينظر بعينيه السوداوين نحو باب الغرفة الذي ملأ ظل أخته فراغه.. سألته: "كيف حالك الآن أخي؟". لم يبتسم كاستجابته الأولى هذا الأسبوع، لم يجب بكلمة، اكتفى بالنظر الفارغ نحوها، حاولت إخفاء شعورها بالاستغراب وأكملت: "هل تريد أن أجلب لك حساءك؟". لم يجب كذلك، حاولت إخفاء ذعرها بتمرير الستار على النافذة وهي تقول: "سأمرر هذا لكي يحجب عنك الشعاع لعلك ترتاح قليلاً".. ثم انصرفت بسرعة لتخبر أمها في الغرفة الأخرى... تمر الأيام وانعزال وسيم يزداد، بل وأصبحت تظهر عليه تصرفات تصيب أهله بالهول عليه، فأخذونه قبل موعد فحصه إلى طبيبه، الذي أجرى له فحوصات جديدة تبين من خلالها أن فصي دماغه الجبهي والصدغي أُصيبا في الحادثة، وأن هذه الأعراض التي بدأت تظهر عليه هي بسبب هذه الإصابة.. طمأنهم بأن اتباع علاجه سينقذه، ثم أخرج له خطة علاجية إضافية لحالته الجديدة. التزم أهله بخطة الطبيب لمدة شهر إضافي ولكن الأعراض تزداد سوءاً لدى وسيم الذي اصبح كطفل رضيع يكتشف الاشياء بوضعها في فمه ، الريموت ، الملاعق ، الصحون كلها يذهب بها الى فمه مباشرة إن وُضعت امامه.. أصبح وسيم شخصا اخر ، ينفعل بلا سبب و يتلمس الاشياء بشهوانية ، جن جنون أهله حينما تودد الى امه في احد الايام ، هنا شعر الجميع بأنهم فقدوا وسيم ، ولم يعد هناك سبيل لانقاذه و كان كل هذا يحدث بالموازاة مع زيارات الطبيب المتكررة و الأدوية التي يغيرها أحيانا او يضيف أخرى أحيانا ثانية. "عندما يهدأ، يعود وجهه كلوحة فنية آسرة للناظرين. يستقر فكه العريض بزواياه المنحوتة، ليمنح وجهه هيبة المهندس التي اشتهر بها . عضلات فكيه مسترخية، وشفتيه منطبقة في سكون . تراه من بعيد فتظنه غارقاً في حل مشكلة هندسية، لكنك حين تقترب وتمعن في نظرته البليدة، تدرك أن هدوء هذا الفك الوسيم ليس إلا سكونا ناتجا عن غدر العقل . عيناه مصوبتان نحو الطلاء الابيض الذي صبغت به جدران هذا المكتب، و الطبيب خالد امامه يحاول أن يتلقى منه إجابات يعلم انه لن يحصل عليها لانه يشك باقتراب من اليقين ، ان وسيم يعاني من متلازمة نادرة .. بعد محاولات للحديث مع وسيم الذي بدى مستقرا .. نهض و استدعى ممرضين ليبقيا مع هذا المريض الشاب، ثم اتجه نحو والديه أمام الغرفة ، قال : سيد محمود ، سيدة غرام ، لا يوجد ما اخفيه عليكم ، ولا يجدي الاطناب في الحديث نفعا، لذلك سأختصر عليكم ما يجب فعله ، ابنكم يعاني من اضطراب في خلايا دماغه جعلته يفقد السيطرة لذلك هو الان سيتصرف بدون قيود وهو غير واعٍ بما يفعله، ابنكم يحتاج إلى رعاية خاصة ، توجد طبيبة خبيرة من كبار الاخصائيين النفسيين سيحتاجها لضبط سلوكه و من حسن الحظ تعمل في مصحة يتواجد بها خبير بارع في طب الاعصاب ، سأوجهكم الى هناك ، المصحة لا تبعد سوى بضع دقائق قليلة من هنا . بالكاد حاول الوالدان فهم ما يقوله الطبيب، حتى سمعا صراخاً مختلط النبرات ينبعث من وسط المكتب، كان الممرضان يستنجدان بالطبيب ليدخل. وسيم في نوبة انفعالية حادة الآن، لقد حاول مجدداً التودد لأحد الممرضين وانفعل جراء محاولة منعهم له. علت أصواتهم، وركض الطبيب، لحقه محمود وغرام اللذان صدهما الممرضان فور وضع أولى خطواتهما داخل المكتب. أُقفل الباب من جديد، وانصرف أحد الممرضين راكضاً لاستدعاء طبيب آخر، وانتهى الأمر إلى ضرورة عدم تخدير المريض، واستحسان إرساله الآن بنوبته إلى المصحة الجديدة. ارتمت الممرضة على باب المكتب وهي تلهث قائلة: "دكتورة روان.. دكتور الأعصاب يحيى يطلبك في غرفة الطوارئ فوراً!". نهضت روان وهي تجمع شعرها البني المموج بقلمها الذي كانت تسجل به بعض الملاحظات والمواعيد، وركضت وراء الممرضة مخاطبة إياها: "ما الخطب يا هدى؟!". قالت هدى: "لا أعلم دكتورة.. شاب في منتصف الثلاثينيات، منفعل في حالة هستيرية، قالوا إنه أجرى عملية على مستوى الدماغ، هذا كل ما التقطته قبل أن يرسلوني إليكِ". انتهى ركض الدكتورة روان في حركة زلقة أمام غرفة الطوارئ، وضعت يدها تلقائياً على جدار العتبة لكي لا تسقط، ثم تقدمت نحو الداخل مهرولة. وقع نظرها على الشاب الوسيم، ذو الوجه المنحوت، لم يمنعها صراخه ومقاومته للممرضَين اللذين يمسكانه من ملاحظة الدموع الملتصقة على أذناب عينيه. قالت روان: "أستاذ يحيى، لقد أتيت؟". أجاب الأستاذ يحيى بسرعة: "هدى، قدمي الملف للطبيبة!". بعد وصول الطبيبة، بدأ الاستاذ يحيى في تخدير وسيم، فقد رأت الأخصائية النفسية انفعاله الحاد، وتأكد أن خيار التخدير الآن بات ضرورياً لكي يهدأ جسده، ويتسنى لهما التخطيط لبدء علاجه. ارتخت أطراف وسيم ليدخل رويداً في سبات يسكنه لفترة. التفتت الدكتورة روان نحو الباب مستأذنة من الأستاذ يحيى لطمأنة أهل المريض. كان محمود عاقداً يديه خلف ظهره، يجوب الممر ذهاباً وإياباً، حتى أوقفه لمحه لخروج الطبيبة. أما السيدة غرام، فقد غَرِمت اليوم كل ما رأته من سعادة في حياتها، شبلها الذي كان يُضرب المثل برزانته و شهامته بين أقرانه تراه يصارع الجنون اليوم. اقتربت منهما الطبيبة و هي تحاول إرتداء ملامح هادئة: "تحياتي".. ثم أردفت: "لقد هدأ الآن ونام، لا تقلقوا إنه في أيادٍ أمينة". أسرعت الأم في إلقاء الأسئلة المتتالية: "ماذا يحدث لابني دكتورة؟ هل سيشفى؟ هل سيعود كما كان؟ ماذا سنفعل؟". أوقفتها الطبيبة مهدئة إياها: "أرجوكِ سيدتي تماسكي لكي تساندي ابنكِ في هذه الوعكة"، ثم أردفت: "تفاءلي فقط، كل شيء سيكون على ما يرام.. سنخبركم بالمستجدات حال إنهاء الفحوصات ، الأستاذ يحيى طبيب كفء، وأنا لن أبقي جهداً في بذل كل ما في استطاعتي لكي يشفى ابنكِ بإذن الله". ثم التفتت إلى هدى قائلة: "رافِقيهم إلى الاستقبال، يجب إتمام الإجراءات".. ثم أردفت موجهة كلامها للوالدين: "وعودا فور انتهائكما، فنحن نحتاج إلى بعض الأجوبة حول حالته". أوافقك الرأي أستاذ يحيى تماماً. وجوده هنا في المصحة سيتيح لنا تشخيصا دقيقا. و كذلك بدء مرحلة التأهيل السلوكية الأولى بمجرد استيقاظه، كما ان في فصله عن أهله خير لصالح الطرفين . رد عليها الأستاذ: "حسناً! المهم ليبقى التواصل بيننا". غادر جسد روان المصحة في وقت متأخر من تلك الليلة، لكن ذهنها ظل في مناوبة حراسة ليلية خاصة بالغرفة 212 .. لم تطبخ اليوم وجبة عشائها المفضلة، لأنها لا تملك خاطراً لتجهيز توابل الكفتة ولا لانتظار استوائها في القلاية الهوائية، كانت علبة ياغورت طبيعي وتفاحتان أسهل ما يمكن أن تحضره بمزاجها الحالي. قضمت تفاحتها الثانية ونظرت إليها طويلاً وهي تسترجع مشهد وسيم وهو يصرخ فوق السرير، ثم وضعتها وأخفضت صوت التلفاز، وأمسكت بملف أسود يقبع في منتصف الطاولة أمامها. أزاحت علبة الياغورت الفارغة وتفاحتها المقضومة، أرخت جسدها الممشوق، ثم رفعت ساقيها المتناسقتين فوق المائدة وفتحت الملف. روان في أواخر عشرينياتها، ذات ملامح عربية شيشانية متلائمة، أتمت مسحة الطيبة التي تغلف محياها جمالية ملامحها. تفحصت الأوراق قليلاً، ثم نهضت لجلب حاسوبها المحمول، وعادت للجلوس تتفحص الملف تارة وتبحث على الحاسوب تارة أخرى، حتى بدأت عيناها تلتصقان في عجز منها عن الاستمرار في مقاومة النوم. في اليوم التالي كان أول ما فعلته فور وصولها للمصحة صباحاً وقبل اللحاق بمكتبها هو التوجه مباشرة إلى غرفة وسيم. استمرت لدقائق تختلس النظر من فتحة الباب دون أن تلفت انتباهه، كان منشغلاً بقضم طرف غطائه الأبيض، بادياً بملامح وديعة بعد قضاء ليلة كاملة في النوم بسبب المخدر، المظهر الذي أوفى حق وسامته الطاغية. شردت روان وهي تقول في نفسها: "لم أرَ في حياتي وسيماً بهذا الشكل، يا للأسف على ما أصاب هذا المسكين! ثم فطنت لجسمه المتناسق :غريب كيف لم يزد وزنه بسبب عرض الشره !". استعدت للدخول، فتحت الباب ببطء شديد، وولجت إلى الغرفة بخطوات حذرة، تنحنحت ثم تقدمت نحوه، ومدت يدها لتسحب من حقيبتها كرة مطاطية معقمة، أحضرتها خصيصاً لهذا الاختبار السلوكي. لكن وسيم قام بحركة عكسية تماماً، تحركت عيناه بوميض دافئ،و في لمح البصر مدّ يده وأمسك خصرها بقوة، ثم بدأ يشدها نحوه محاولاً التودد إليها بملامح وديعة. فزعت روان في تلك اللحظة وتسمرت في مكانها لثوانٍ، غير أنها سرعان ما تماسكت وحاولت ضبط نفسها، فهي تعلم علم اليقين أن صده بعنف سيدخله في نوبة انفعال وهيجان أشد. انها تدرك أن إمساكه بخصرها لم يكن لأن هذا الموضع قد أغراه تحديداً، بل لأنه كان أقرب جزء متاح ليده منها. لقد أدخله دماغه المتضرر في نوبة جنسية انفعالية عفوية، وهو الآن، وبسبب تلك الإصابة البالغة في فصوص مخه، لم يعد أهلا للتحكم في نفسه. حاولت روان أن تتكلم أولاً، فخاطبته بنبرة صوت لينة كالتي يخاطب بها الأطفال: "وسيم ، وسيم انظر الي". لكن رغبته الهستيرية كانت أسرع وأشد، لم يستجب، بل تضاعفت قوة ساعديه، وفي حركة سريعة، شدّها نحوه بقوة أخلّت بتوازنها، ليجلسها على حجره فجأة فوق السرير. ثبتها، وبدأ في تقبيلها بنهم غير مدروس. كاد قلبها يقع من بين أضلاعها، واختلط فزعها مع خجلها من أن يطلع أحدهم على سجلات عين الكاميرا التي كانت شاهدة على ما يحدث من أعلى السقف، هي مدركة أن منعه او دفعه سيؤدي إلى ما هو أسوء و لكنها في نفس الوقت لا تملك ما تشتت به انتباهه، فمع حركته العنيفة وسحبها القوي، انفلتت من يدها الكرة المطاطية وتدحرجت بعيداً على الارض. وجدت روان نفسها وجهاً لوجه مع انفعال هستيري لمريض وبلا أي أداة تشتيت. لم يكن أمامها سوى المجازفة بالحل الوحيد المتوفر في وضعها: "القبلة الحل" أرخت جسدها المتشنج، وتوقفت عن المقاومة، بل وبادلته التقبيل لثوانٍ معدودة بداعي المسايرة، كانت تلك الخدعة كفيلة بإرسال إشارة مهدئة مؤقتة إلى دماغه وبالفعل، انطلت الحيلة عليه، فارتخت قبضته عن خصرها قليلاً. بسرعة خاطفة ، انفلتت روان من بين يديه . اندفعت نحو طرف السرير الآخر، والتقطت الكرة المطاطية من الارض، ثم استدارت نحوه بسرعة وهي تتنفس بصعوبة. لم تمنحه فرصة لاستيعاب الخدعة، فبمجرد أن اندفع نحوها بدافع غريزته الثائرة، واجهته بالكرة المطاطية وضغطت بها بحزم فوق شفتيه. وفي لمح البصر، استجابت خلايا دماغه المتضررة للمؤثر الفموي، فانصب كل انفعاله على قضم الكرة واستكشافها بالمضغ، ليعود رويداً إلى وداعته . تراجعت روان خطوتين إلى الوراء وهي تلتقط أنفاسها التي أوشكت على التوقف، عدلت مظهر قميصها بيديها المرتجفتان، حملت حقيبتها و لم تضع ثانية واحدة، فخوفها الآن من الشاشة المعلقة في مكتب الأمن أكبر من الرعب الذي يسقط على قلب من قابل جِنِّيّاً. اتجهت مباشرة نحو مقر مراقبة الكاميرات، وهي تحاول اختلاق عذر مقنع يتيح لها سحب ومحو شريط التسجيل الخاص بغرفة وسيم قبل أن يلمحه أحد.عادت إلى عيادتها، ألقت التحية بصوت منخفض وقبل أن تلج إلى مكتبها شاهدت صفوان، مستند بظهره فوق أحد كراسي الإنتظار متكئا برأسه على الحائط،يغمض عينيه ظهر كأنه بدأ يغط في النوم.. أزالت نظارتها فتأففت ثم أشارت إلى فتاة الاستقبال بأن تلحق عليها إلى الداخل.الفتاة: نعم دكتورة أسمعكِ.روان: منذ متى والسيد صفوان هنا؟الفتاة: إلتحق فور مغادرتكِ..روان: أخبريه أن يدخل!الفتاة: غدائكِ قد وصل دكتورة.روان: تغدي أنتِ أنا لا أشعر بالجوع...طرقتين ثم دخل..نطق صفوان قبل أية تحية وقبل أن تتكلم روان: لقد عدت إنما اعلمي يا دكتورة أنني أكره المجيء كذلك، ولكن ماذا أفعل مادام الغالي بين يديكِ..أجابته بهدوء: "تفضل اجلس"، ثم أكملت كأنما تشرح درساً لطفل: "أستاذ صفوان دعني أنهي معك النقاش ودعني أكرر ما أقوله لك دائماً، أنا مكلفة بسلوك صديقك فقط، أساعده على أن يتعلم من جديد كيف يتعامل مع حركته اليومية، أما إن كنت تريد فعلاً أن تفهم ما حدث وسط دماغ صديقك فيجب أن تلتجئ إلى استشاري الأعصاب، علاوة على ذلك فلابد أنهم أخبروك في المصحة بأن صديقك حالة خاصة وكادر طبي متعدد التخصصات مشرف على رحلة تعافيه، لست أنا الوحيدة
مرَّ أسبوع على زيارة صفوان الأولى لها، وتكررت زياراته لها وأسئلته الكثيرة حول حالة وسيم، وتدخله في التفاصيل التي كانت من هوله على صديقه، كانت تراها هي تخطيط بنية خالد الخبيثة. أنفذ ذلك صبرها، ثم في أحد الأيام استغلت استراحة الغداء لتزور الطبيب خالد في مكتبه، لكي تضع حدّاً لتجسسه الذي لا يوجد إلا في مخيلتها. كانت في كامل أناقتها، تليق بها الفساتين البسيطة التي تعطي إذناً لجمالها بأن يلعب دور الزينة الغائبة، خصوصاً إن كانت بهذا اللون الأسود وبقَصَّة الفلوتر هذه . شعرها مشدود بقابضة من الخشب، وبعض الخصيلات البنية تنزل على نظارتها الشمسية من الجوانب. تقدمت نحو مكتب الاستقبال -"تحياتي آنسة، من فضلكِ أخبري الدكتور خالد أنني أريد رؤيته حالاً بسبب طارئ عمل، وأخبريه باسمي: روان جِهاد". وضعت الفتاة سماعة الهاتف ثم قالت: "تفضلي سيدتي، هو يسمح لكِ بالدخول". خالد الأربعيني الذي اقترب من اقتحام الخمسينات، تراه منذ اللحظة الأولى قبل أن ينطق فتظنه فرنسيّاً، بالخصوص مع لون عينيه الأزرق و شكل جسمه النحيل وصلعه من أمام رأسه . فور أن رآها تشغل عتبة الباب بجسمها الخلاب، وقف ونطق بخفة دمه المعهودة
سحبت إحدى يديها من المقود لتعيد شعرها البني الى مكانه خلف اذنها، الأشعة المنبعثة من الواجهة الأمامية للسيارة تضرب على بياض وجهها، فتعترف الشمس أن بشرتها أنصع من لون الحليب و أملس من لُزُوجَتِه. تابعت قيادة سيارتها نحو عتبة عيادتها الخاصة. فور وصولها، دلفت إلى مكتبها ولتفصل نفسها عن العالم الخارجي أطبقت الباب و تفرغت لنصف الساعة التي تفصلها عن موعد بدء معاينة زبائنها. سحبت كرسيها وجلست خلف مكتبها، وسرعان ما ضغطت بأصابعها على وسط جبينها تحاول تهدئة تشنج خفيف شعرت به . زفرت وبدأت تعاتب نفسها بذهول كطفلة صغيرة ارتكبت فعلاً حظرت عليها أمها القيام به، وهمست بندم: — "ماذا حدث لكِ؟ ما هذا الجنون؟ أيعقل أن أصبح هكذا فجأة؟ كيف حدث ذلك؟ ولماذا سمحتُ له بالحدوث أصلاً؟" اكملت في لحظة إدراك: — "كان من الممكن أن أشتت انتباهه بتشغيل لعبة الموسيقى التي تفحصها و ألقاها بالقرب مني على المكتب قبل أن يقترب .. بل حتى قبلة الأمس.. لم يكن لها أي داعٍ، كان من السهل جداً استدعاء الأمن المخصص أمام غرفته ! ماذا حصل لسرعة بديهتي؟ أين ذهبت عبقريتي ؟" أرخت روان يديها، وقادت عقلها نحو التحليل كرة أ
دفعت باب غرفة تسجيل الكاميرات المغلقة، و قلبها يطبل دقات "الشامو" ، كان الحارس يجلس مسترخياً أمام الشاشات . التفت إليها الاخير مستغرباً حضورها، جالت بنظرها على الشاشات بعدم اطمئنان، تماسكت وحاولت اخراج نبرتها بجدية فسألت: — "أحمد، هل يوجد مراقب خاص يجلس الآن على كاميرات الغرفة 212؟" أجابها الحارس بعفوية وهو يشير إلى مقعد فارغ بجانبه: — "زميلي المسؤول عنها خرج قبل نصف ساعة تقريباً ليجلب الفطور، دكتورة." تنفست روان الصعداء في سرها، شعرت كأنما صخر ضخم ينزاح عن صدرها، نصف ساعة تعني أن أحداً لم يشهد الواقعة المحرجة بعد. لكنها وبخته لكي تخفي ارتباكها: — "خرج للفطور؟! أحمد، لقد نبهنا مراراً أن هذه حالة خاصة ونادرة جداً، ولا يجوز إغفال مراقبتها ولو لثانية واحدة! في الليل نقول لا بأس، لأن المريض يأخذ مهدئات ومنومات تخدره طوال الليل ويستحيل أن يتحرك، أما الآن فالإبرة انتهى مفعولها ونحن في التاسعة صباحاً! كيف تتركون الشاشة بلا مراقبة؟" تلعثم الحارس : — "أنا آسف دكتورة، لكن..." قاطعته روان بسرعة، مستغلة الموقف لتدخل في صلب هدفها: — "لا أعذار! اسمعني، أحتاج دقيقة الآن على انف
صرخ بأعلى درجة يمكن أن تسعفه فيها أحباله الصوتية التي كادت أن تتمزق وهو يقول: "معلللللللللم"... لكن للأسف، لم ينتبه هذا العامل إلى سقوط اللبنة إلا بعد أن اقتربت من رأس المهندس وسيم الذي وقع على الأرض، وسالت دماء رأسه مع آخر صدى رددته هذه الإقامة السكنية الجديدة. لم يكن يعلم أحد أن عادة وسيم في إراحة رأسه بين الفينة والأخرى من الخوذة التي تزعجه، سيذكرها الناس يوماً في حادثة مروعة مثل هذه. انبعثت صرخة من الجهة المقابلة، حيث يقف زميله الصديق صفوان الذي لم يتخيل يوماً أنه سيكون شاهداً على نهاية صديقه، دراستهما معاً منذ الثانوية إلى اختيار نفس التخصص، مشاطرة نفس الميولات ونفس الآراء الفكرية، التخرج، إلى نقطة العمل معاً، كلها خيوط من حبل واحد ربطتهما في صداقة أخوية، فلم يضع أحدهما لحظة وداع مثل هذه في الحسبان . ركض الجميع نحو المهندس المصاب، ووقع صفوان جاثيا على ركبتيه مرتجفاً، مذعوراً من المشهد، جس نبض صديقه من خلال الرقبة ثم نطق بلا وعيه في دهشة ممزوجة بالفزع: "لا تحركوه! لا تمسوه! ابتعدوا! اتصلوا بالإسعاف هيا!". امتلأت الأرجاء في دقائق بصفارات الإسعاف، وشاحنة الوقاية، وسيارة الشرطة ا







