Masukلم يكن أحد يعرف متى بدأ الوباء... ولا من كان أول شخص حمله. في ليلة واحدة، تغيّرت المدينة. اختفت الاتصالات، أُغلقت المستشفيات، امتلأت الشوارع بالجثث، وبدأ الموتى بالعودة إلى الحياة. لكن ياسمين تكتشف سريعًا أن أولئك الذين عادوا ليسوا مجرد زومبي يبحثون عن اللحم والدم... إنهم يتذكرون. يتذكرون أسماء الناس. منازلهم. أصواتهم. وأحيانًا... أسرارهم. وسط مدينة تنهار، تلتقي ياسمين بأرقم، رجل غامض مصاب في ذراعه ويحمل فأسًا، ويبدو أنه يعرف أكثر مما يقول عن بداية الوباء. لكن شيئًا أغرب يجمعهما. كلاهما فقد أربعة أيام من ذاكرته. أربعة أيام لا يستطيعان تذكر ما حدث خلالها. ثم تبدأ الأصوات بالظهور. صوت أم ياسمين المتوفاة يناديها من خلف الأبواب. صوت ياسمين يأتي من أجهزة راديو لم تلمسها. ورسائل مكتوبة بخط يدها تخبرها بأشياء لم تحدث بعد. لكن أكثر ما يرعبها رسالة واحدة: «إذا وصلتِ إلى هذا المكان مرة ثانية... لا تثقي بأرقم.» كلما اقتربت ياسمين من الحقيقة، اكتشفت أن الوباء ليس أسوأ ما حدث. فالزومبي لا يطاردونها لقتلها... بل ينتظرونها. وكلهم يعرفون شيئًا واحدًا عنها: ماذا فعلت في الأيام الأربعة التي لا تتذكرها؟
Lihat lebih banyakالفصل الأول: الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة
كانت الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة صباحًا عندما استيقظت ياسمين على صوت طرقٍ خافت على باب غرفتها. ثلاث طرقات. طق... طق... طق. فتحت عينيها ببطء. لم تتحرك. كانت الغرفة مظلمة تمامًا، باستثناء ضوء الهاتف الموضوع بجانب وسادتها. نظرت إلى الشاشة. 03:17. ثم جاء الطرق مرة أخرى. طق... طق... طق. ابتلعت ريقها. — أمي؟ لا جواب. جلست على السرير، ومدت يدها نحو هاتفها. لا شبكة. لا إنترنت. ولا حتى إشارة اتصال. رفعت رأسها نحو الباب. — أمي؟ هذه المرة جاءها صوت. صوت أمها. لكن شيئًا فيه كان خاطئًا. — ياسمين... تجمدت. كان صوت أمها يأتي من خلف الباب. — افتحي الباب يا ياسمين. اقتربت ياسمين ببطء. كانت تعرف أن أمها تنام في الغرفة المقابلة. لكنها لم تعرف لماذا كان صوتها يبدو... بعيدًا. وكأنه يأتي من مكان عميق جدًا. وضعت يدها على مقبض الباب. ثم سمعت: — ياسمين... لا تفتحي. تراجعت يدها. الصوت جاء من تحت السرير. توقفت أنفاسها. نظرت ببطء إلى الأرض. لم تر شيئًا. ثم عاد الصوت. أضعف. أقرب. — لا تفتحي الباب... تراجعت حتى اصطدمت بالحائط. وفي اللحظة نفسها... بدأ المقبض يتحرك. ببطء. مرة إلى الأسفل. ثم ارتفع. ثم إلى الأسفل مرة أخرى. كانت هناك يد تحاول فتح الباب من الخارج. ثم سمعت أمها تصرخ: — ياسمين! افتحي! لكن الصوت القادم من تحت السرير قال في اللحظة نفسها: — لا تصدقيها. أغمضت ياسمين عينيها. وضعت يدها على فمها حتى لا تصرخ. ثم... ساد الصمت. ثانية. ثانيتان. ثلاث. وفجأة جاء صوت أمها من خلف الباب: — ياسمين؟ لم تجب. — أنا أمك. ثم ضحكت. ضحكة قصيرة. غريبة. ثم قالت: — أنا أعرف أنك مستيقظة. تجمد الدم في عروقها. لأن أمها لم تكن تعرف أنها تستيقظ عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة. لم تكن تعرف أحدًا. ولا حتى ياسمين نفسها كانت تعرف. بدأ شيء ما يخدش الباب من الخارج. ببطء. خشششششش... ثم توقف. وبعد لحظات... جاء صوت خطوات تبتعد في الممر. ياسمين لم تتحرك. حتى بدأ الفجر. وعندما تجرأت أخيرًا على النظر تحت السرير... وجدت شيئًا واحدًا. هاتفًا قديمًا. هاتف أمها. والغريب... أن الهاتف كان يسجل صوتًا. ضغطت ياسمين على زر التشغيل. فسمعت صوت أمها. تقول: — إذا سمعتِ صوتي بعد موتي... لا تفتحي الباب. ثم انتهى التسجيل. وفي الخارج... بدأت المدينة تصرخ. -- عندما خرجت ياسمين من المنزل، لم تجد الشارع الذي تعرفه. وجدت مدينة أخرى. سيارات متوقفة في منتصف الطريق. أبواب منازل مفتوحة. زجاج محطم. دخان يتصاعد من بناية بعيدة. ورجل يركض في منتصف الشارع حافي القدمين وهو يصرخ: — لا تدعوهم يسمعونكم! توقفت ياسمين. — من؟ الرجل لم يجب. استمر في الركض. ثم ظهر ثلاثة أشخاص خلفه. كانوا يمشون ببطء. ثيابهم ممزقة. وجوههم شاحبة. لكن الشيء الأكثر رعبًا... أنهم لم يكونوا يطاردونه. كانوا يعرفون أين سيذهب. كانوا يتبعونه فقط. كأنهم متأكدون أنه سيعود إليهم. ركضت ياسمين في الاتجاه المعاكس. دخلت متجرًا صغيرًا وأغلقت الباب. ثم سمعت صوتًا خلفها: — لا تتحركي. شهقت واستدارت. كان رجلًا يقف في الظلام. شعره أسود، أطول قليلًا من المعتاد، وملامحه عربية حادة، وبشرته سمراء. كانت عيناه سوداوين بشكل جعلها تشعر أنه يرى أكثر مما ينبغي. في يده فأس. وعلى ذراعه ضماد ملطخ بالدم. رفع إصبعه إلى شفتيه. — اخفضي صوتك. همست: — من أنت؟ — أرقم. — هل أنت مصاب؟ نظر إلى الضماد. — ليس بدمهم. — إذن بدم من؟ صمت. ثم قال: — لا تريدين معرفة ذلك. سمعا صوتًا خارج المتجر. خطوات. بطيئة. طَق... طَق... طَق...الفصل 147: المدينة التي تتذكّررأت ياسمين نفسها وهي تموت.رأت أرقم يموت.رأت سالم يفتح الباب.رأت الرجل الأبيض يراقب من خلف الزجاج.رأت ليان تمد يدها إليها.ورأت النسخة السوداء تولد.لم تكن ولادتها من الظلام.كانت ولادتها من جملة واحدة قالتها ياسمين في لحظة خوف:«خذوا كل شيء مني، فقط دعوني أعيش.»لقد أخذ الباب كل شيء.ثم أعاد ما لم تستطع ياسمين احتماله.النسخة السوداء لم تكن عدوًا.كانت الحياة التي رفضتها ياسمين.كانت كل خوفها، وكل كراهيتها، وكل رغبتها في النجاة مهما كان الثمن.فتحت ياسمين عينيها.كانت النسخة السوداء أمامها، ترتجف.قالت ياسمين:— أنتِ لستِ أنا.أجابت النسخة:— بل أنا الجزء الذي تخليتِ عنه.— وأنا لن أتخلى عنكِ مرة أخرى.تراجعت النسخة.— لا.— لن أقتلكِ.— لا تقتربي.— ولن أغلق الباب فوقكِ.بدأت النسخة تبكي.لكن دموعها كانت سوداء، تنزل على وجهها ثم تختفي قبل أن تصل إلى ذقنها.قالت:— إذا قبلتِ بي، ستتذكرين كل شيء.— سأتحمل.— ستشعرين بكل موت.— سأتحمل.— وستعرفين أن أرقم مات بسببكِ.نظرت ياسمين إلى أرقم.كان واقفًا وسط الضوء، ينظر إليها دون خوف.قالت:— سأتحمل.ثم مدت
الفصل 146: التي خرجت من البابلم تتحرك ياسمين.حتى الهواء توقف بين الأشجار المحيطة بالمحطة القديمة، وكأن المدينة كلها حبست أنفاسها في انتظار أن ترى أيّ النسختين ستتكلم أولًا.كانت النسخة السوداء واقفة على بعد خطوات منها.تشبهها تمامًا.الشعر البرتقالي نفسه، لكن خصلاته كانت تتحرك دون ريح. العينان الزرقاوان تحوّلتا إلى سطحين مظلمين، لا يعكسان الضوء، بل يبتلعانه. وعلى صدرها كان مشبك شعر ليان الأبيض، مثبتًا فوق ثوب أسود بدا وكأنه مصنوع من دخان متجمد.وقف أرقم أمام ياسمين، رافعًا ذراعه كأنه يستطيع حمايتها من شيء لا يملك جسدًا ثابتًا.أما سالم، فتراجع خطوة.ثم خطوتين.لم يكن ينظر إلى النسخة السوداء، بل إلى الأرض خلفها.كانت هناك آثار أقدام كثيرة.آثار أقدام حافية، صغيرة وكبيرة، جديدة وقديمة، تتقاطع فوق التراب ثم تنتهي جميعها عند قدمي النسخة.قال سالم بصوت خافت:— لا…التفتت النسخة إليه.— أنت تعرفني.لم يجب.ابتسمت ابتسامة صغيرة.— بل تعرف جزءًا مني. أنت كنت أول من فتح الباب، يا سالم. أول من أدخل ذاكرته إلى الداخل. أول من صدّق أن الموت يمكن أن يُعاد، وأن الخطأ يمكن إصلاحه إذا أُعيدت اللحظة
لم تستطع ياسمين أن تتحرك.كانت مستلقية على الطريق، وظهرها يؤلمها، ويداها مغطاتان بالدماء. لم تكن تعرف من أين جاء الدم، ولا إن كان دمها أم دم أرقم أم دم الطفلة الموجودة داخل السيارة.كان المطر يتساقط على وجهها، باردًا وثقيلًا، لكنه لم يكن كافيًا لإيقاظها من الرعب.أمامها، كانت السيارة المحطمة لا تزال مشتعلة من الداخل.لم تكن النار كبيرة، لكنها كانت تتحرك بطريقة غريبة. لم تكن تلتهم المعدن أو المقاعد. كانت تلتف حول الأشياء دون أن تحرقها، كأنها تبحث عن شيء محدد.في المقعد الخلفي، كانت الطفلة تبكي.أما خلف المقود، فكان سالم يجلس بلا حركة.وجهه شاحب، وعيناه مفتوحتان، ويداه ثابتتان فوق عجلة القيادة.قال:— لا تقتربي.نظرت ياسمين إلى أرقم.كان مستلقيًا على بعد خطوات منها، ووجهه مغطى بالدماء. حاولت الوصول إليه، لكن جسدها لم يستجب. كلما حاولت تحريك ساقيها، شعرت بوخز حاد يمتد من صدرها إلى أطرافها.قال سالم:— إذا اقتربتِ منه، ستبدأ الدورة.رفعت ياسمين رأسها.— أي دورة؟— الدورة التي حاولنا إيقافها.— لقد أوقفتها.— لا.هز سالم رأسه ببطء.— لقد فتحتِها.بدأت السيارة تهتز.من داخلها، خرج صوت الطفل
لم تسمع ياسمين طلقة الرصاص بوضوح.سمعتها كأنها جاءت من مكان بعيد جدًا، من خلف طبقات سميكة من الماء والزجاج والظلام. كل ما شعرت به كان جسد أرقم وهو يرتطم بالأرض، ثم ذلك الضوء الأبيض الذي انطفأ فجأة من صدره.ظلّت تحدق فيه.لم يتحرك.لم يرفع رأسه.لم ينادِ اسمها.كان مستلقيًا وسط الشارع المبلل، وملابسه ملتصقة بجسده، والسكين قرب يده. لم يكن هناك دم كثير، لكن البقعة السوداء التي انتشرت تحت ظهره كانت تكبر ببطء، وكأن الأرض تشرب شيئًا لا ينبغي لها أن تشربه.قالت ياسمين:— أرقم؟لم يجب.حاولت التقدم نحوه، لكن اليد السوداء التي أمسكتها من الخلف شدتها بقوة.كانت ليان.أو الشيء الذي يتخذ شكل ليان.التفتت ياسمين، وضربتها بمرفقها، لكن جسد ليان لم يكن صلبًا. انغرس مرفقها داخل كتفها كما لو أنها ضربت دخانًا كثيفًا، ثم خرج من الجهة الأخرى مغطى بمادة سوداء باردة.صرخت ياسمين وسحبت ذراعها.ضحكت ليان.— ما زلتِ تحاولين إنقاذه.قالت ياسمين:— اتركيه.— لماذا؟— لأنه لم يفعل شيئًا.— بل فعل.نظرت ليان إلى أرقم.— لقد اختار أن يتذكركِ.ثم اقتربت من أذن ياسمين.— وهذا في هذه المدينة جريمة.حاولت ياسمين أن تبت