เข้าสู่ระบบفي بعض الأحيان لا تكون المسافات الحقيقية هي تلك التي تفصل بين الأماكن، بل تلك التي تنمو فجأة داخل القلوب دون إنذار. فالكلمات الباردة قادرة على أن تهدم أعوامًا كاملة من الألفة، ونظرة واحدة جافة قد تترك في النفس وجعًا يفوق ألف عتاب. وبين صمتٍ ثقيل يخفي الأسرار، وقلوبٍ تحاول التظاهر بأن كل شيء على ما يرام،
كانت السيدة فريدة تراقب التغير الذي أصاب ابنها بقلقٍ يمزق قلب أمٍ اعتادت أن ترى أبناءها مصدر دفئها وسعادتها. أما هيام، فقد وجدت نفسها عاجزة عن فهم ذلك التحول المفاجئ في معاملة سامر لها، بعدما كان الأقرب إليها والأكثر حرصًا على وجودها. وفي منزلٍ بسيط تمتلئ أركانه بأحاديث الجيران، ورسائل الأبناء المتباعدة، وهموم الحياة اليومية، كانت المشاعر المختبئة خلف الابتسامات أصدق من أي كلمات تُقال، وكأن الجميع يحاول النجاة بطريقته الخاصة من ثقل ما يشعر به. استكمل سامر ارتداء ملابسه وعدّل من هندامه أمام المرآة الخاصة بغرفته، ليتأمل هيئته لثوانٍ قليلة في صمتٍ شارد، قبل أن يستمع إلى رنين جرس المنزل يعلو في الأرجاء. تنهد بخفة، ثم توجه لخارج الغرفة عازمًا على فتح الباب، لكنه وجد هيام تلج إلى الداخل بعد أن سبقته السيدة فريدة وفتحت لها الباب وهي تردف بحبورٍ وبشاشةٍ اعتادت أن تستقبلها بهما دائمًا: _ أهلًا يا هيام يا بنتي، تعالي ادخلي..نورتي الدنيا. قابلتها الأخرى بحبٍ مماثل، ولِمَ لا وهي المرأة التي احتضنتها صغيرة، واحتوتها بعد وفاة والدتها، فكانت لها الأم الثانية والسند الحنون. لذا هتفت بكل حب ودفء: _ صباح الفل والياسمين عليكي يا ماما فريدة.. وحشتيني. ابتسمت لها السيدة فريدة بمحبةٍ صادقة، ثم قالت وهي تربت على ذراعها بحنان: _ صباح الفل يا بنت قلبي، عاملة إيه؟ ومامتك أمل أخبارها إيه؟ مشفتهاش من امبارح بالليل. قابلتها هيام بإيماءةٍ راضية وهي تتمتم بهدوء: — الحمد لله، كلنا تمام وفي نعمة. وماما أمل بعتاني أشتري شوية طلبات، وقالتلي أشوفك لو محتاجة حاجة من بره علشان عزومة النهارده. أجابتها فريدة بامتنانٍ صادق ظهر واضحًا في نبرتها: _ ما اتحرمش منك يا بنتي، مانتي جبتيلي كل طلباتي امبارح وجهزتيها معايا، فمش هحتاج حاجة تاني... تسلميلي، وتسلم أمل، تعبتوا معايا بقالكم يومين. ابتسمت هيام بمحبة وهي تردف بخفة: _ تعبك راحة يا ست الكل... أنا قلت لو محتاجة عيش أعدي على الطابونة وأنا جاية.. اجيبلك معايا. كانت تتحدث بينما عيناها تترقبان ولوج ابن العم الذي بات يتفنن في الفرار من أمامها، بعدما كان في الماضي يختلق الأعذار للبقاء بقربها أطول وقتٍ ممكن. رفعت بصرها نحوه بنظراتٍ حائرة حين وجدته يحدق بها للحظةٍ خاطفة، ثم يشيح بنظره بعيدًا. ماذا فعلت حتى يتجنب حديثهما سويًا هكذا؟ هل كان اهتمامه بها وتقديره مجرد وهمٍ زائف؟ أم أنها أخطأت في فهم قربه منها طوال السنوات الماضية؟ تنهدت بخيبة أمل بعدما شاهدت عدم اكتراثه الظاهر، وهو يلقي عليها السلام من باب الذوق فقط، بنبرةٍ جافة تختلف تمامًا عن تلك النبرة الدافئة التي كانت تستمتع بسماعها منه. ها هو اليوم يخرج اسمها من بين شفتيه ببرودٍ لم تعهده يومًا، وكأن المسافات قد نبتت فجأة بينهما دون مقدمات، مما جعل السيدة فريدة تحزن من فعلته وتراقبه بأسى. تدلى سامر إلى غرفة المعيشة وهو يقول بعمليةٍ واضحة: ـ عايزة حاجة يا أمي؟ أنا نازل علشان اتأخرت. قابلته قائلةً بحزنٍ حاولت إخفاءه: ـ لا يا بني... بس ارجع بدري علشان تتغدى مع إخواتك. أومأ إليها برأسه قائلًا بهدوء: ـ حاضر يا أمي، أنا أكيد هرجع بدري، ما أنا متفق معاهم. حركت رأسها بتفهم لما يقول، فهو أخبرها سابقًا أنهم على دراية بما حدث، لتمنحه نظرة بائسة ونصف ابتسامة لم تكتمل، الأمر الذي جعل هيام تستشعر حزن أمها البديلة، فنقلت بصرها نحو ابن عمها وهي تردف بعتابٍ خافت: ـ إيه يا سامر؟ شكلك مزعل ماما فريدة هي كمان. أجابها بجفاء دون أن ينظر إليها، فطريقته معها أصبحت كلها تجاهل، وكلماته تحمل معاني كثيرة تكره استشعارها، فهذا ليس ابن عمها الودود الذي اعتادت عليه: ـ أبدًا... وهزعلها هي ولا غيرها ليه؟ ثم تفوه مستطردًا بعدما استشعر وقع نبرته القاسية على ابنة عمته التي توهج وجهها من شدة الإحراج: ـ هو أنا أقدر أزعل ست الكل؟ قالها بنبرةٍ أخف قليلًا، لكنها لم تمحُ أثر جفائه السابق. تنهد زافرًا، ثم توجه للخارج وهو يتلاشى النظر بعيدًا عن ابنة العم التي كادت أن تبكي جراء معاملته الحادة والجافة معها. أما هي، فتوجهت بخطواتها نحو تلك القابعة على الأريكة في حزنٍ يكسو ملامحها ويثقل جسدها، حتى بدت عاجزة عن التعبير أو الحركة. كانت حالتها وحدها كفيلة بوصف ما تعانيه دون كلمات، مما دفع هيام لمحاولة الاستفسار عن حالتها، وعن السبب الحقيقي وراء تغير سامر معها، فمن الواضح أن أمه تعاني من الألم ذاته الذي تعانيه هي أيضًا. اقتربت منها وجلست بجوارها مردفةً بحنو واستفهام: — في إيه يا ماما؟ مضايقك قوي... وماله سامر مزعلك في إيه؟ ثم أكملت مستطردة قبل أن تجيبها الأخرى: — وياريت متقوليش مفيش حاجة... أنا متأكدة إنك زعلانة منه في حاجة زيي بالظبط. هو متغير بقاله فترة كبيرة، وبقى بعيد عن الكل. حركت فريدة رأسها في ألم، تحاول دون جدوى إخفاء حزنها، فلابد أن تخبر تلك الرقيقة التي تؤازر وحدتها الآن: ـ طب روحي هاتي طلبات البيت عندكم، ولما تيجي هحكيلك على كل حاجة يا حبيبتي... أصله موضوع كبير، ومينفعش أخبي عليكي. أومأت هيام برأسها بإيماءةٍ متفهمة، ثم لبت طلبها بالفعل وتوجهت سريعًا لقضاء ما تريد، ففضولها بات يلتهمها، تريد معرفة ما يخفيه ابن عمها داخل نفسه، وفي الوقت ذاته تشفق على حال أمها البديلة وما تعانيه. جلست فريدة تستكمل جولتها عبر تطبيق الفيس بوك والواتس آب، تتلقى إشعاراتٍ تفيد بقراءة أبنائها للرسائل التي تحمل الأدعية والصور الدينية التي اعتادت إرسالها لهم كل صباح. لكن اليوم كان مختلفًا قليلًا... أرسل لها ابنها رأفت مقطعًا لإحدى الأغاني التي تتحدث عن الأم، وأخبرها في رسالة قصيرة أنه سيأتي لزيارتها كما اتفق معها سابقًا. بينما أرسل كمال صورة تحتوي على دعاء جميل للأم. أما ابنتها ابتهال، فقد بعثت لها رسالة صوتية تقول فيها: ـ آسفة يا ماما، مش هعرف أجيلك بدري النهارده... هستنى محمد ييجي يقعد مع مامته، وأنا هجيب الولاد ونجيلك على طول. ابتسمت فريدة بسخريةٍ ممزوجة بالأسف، وحركت رأسها وهي تردد بحزن: — استغفر الله العظيم... بقى حتى مش هاين عليكي يا ابتهال تكلّميني في التليفون؟ تبعتيلي رسالة وخلاص؟ يعني جوزك يحكم عليكي متزورنيش وهو مبيسبش أمه، وأنتِ إيه... ملكيش أم؟ يالله... ربنا يسامحه ويسامحك يا بنتي.. مش عارفه حظي وحش معاكم كده ليه يا ولادي؟!. ارتفع رنين الجرس الخاص بالمنزل مجددًا، فنهضت متوجهة لفتح الباب وهي تردف بهدوء: — أيوه يا اللي بتخبط، أنا جاية أهو. ليقابلها صوت إحدى جاراتها من الخارج: ـ افتحي يا خالتي، أنا أم محمود. فتحت الباب وهي تقول بحفاوة صادقة: ـ أهلًا أهلًا، اتفضلي يا غالية... عاملة إيه؟ أجابتها الأخرى بابتسامةٍ ودودة: ـ الحمد لله، إنتِ اللي عاملة إيه يا خالتي فريدة؟ أنا جبتلك العيش وأنا بجيب لينا. ثم استطردت بعدما وضعت الحقيبة البلاستيكية التي تحتوي على بعض أرغفة العيش المدعم: ـ وآه، قبل ما أنسى... حماتي بتسلم عليكي، وبتقولك الجمعية الجديدة هتبدأ أول الشهر، تعملي حسابك معانا؟ أجابتها فريدة بلهفةٍ وحماس: ـ تصدقي حماتك دي بنت حلال... قوليلها تعمل حسابي، بس تدهاني في الأوائل لحسن محتاجاها علشان أساعد بيها سامر. تحدثت الأخرى بودٍ مماثل: ـ من عيني يا خالتي، هبلغها... بس فرحيني، هو خلاص قربتي تجوزيه؟ يعني خطبتوله ولا لسه؟ زفرت فريدة بخفوت، ثم قالت بأملٍ حذر: ـ دعواتك... أهو في مشروع خطوبة كده، وربنا ييسرله الحال. قابلتها الأخرى بالدعاء الصادق، فهي تعلم مدى شغف السيدة فريدة بتزويج ابنها الذي لم يعد صغيرًا: ـ ربنا يتمله على خير ويعينك يا خالتي... بس خليه يقعد معاكي هو وعروسته، منه توفير ليه ومنه ياخد بحسك، ولا إيه رأيك؟ تنهدت فريدة قائلة: ـ كله على الله يا أم محمود... أنا مبحكمش على حد بالقعدة معايا، وبسيبهم براحتهم علشان أريحهم وأرتاح من المشاكل، وكفاية إنهم يكونوا سعدا. أجابتها أم محمود وهي تحرك رأسها بإعجاب: ـ والنبي يا خالتي إنتِ ما فيش منك... مريحة دماغك وعيالك على الآخر، ربنا يجازيكي كل خير. ياريت حماتي زيك وتشلني من دماغها شوية. قابلتها فريدة بابتسامةٍ رقيقة في محاولةٍ لمواساتها، فهي تعلم شدة حماتها في التعامل معها: ـ معلش يا حبيبتي، دانتي هينوبك ثواب على صبرك معاها، وعلشان خاطر جوزك وعيالك كفاية إنه دايمًا في صفك. تنهدت أم محمود بضيقٍ واضح وهي تقول: ـ ما هو لازم يكون في صفي لأني مبغلطش وبعمله حساب... والله يا خالتي، وبقول ست كبيرة، لكن هي مش مريحة نفسها. دي بتدخل تفتش الدولاب، ولما أتكلم تقولي: "أنا عندي حاجة أتكسف منها؟"، وتتخانق معايا علشان بقفل باب الدولاب بالمفتاح من العيال علشان ميلعبوش في ورق أبوهم... تقولي: "إنتِ مدارية عليا إيه؟"... تعبتلي نفسيتي والله. ما كان من فريدة سوى أن تهدئها قائلةً بحكمةٍ هادئة: ـ عارفة يا ام محمد؟ حماتك دي خايبة... ومبتقدرش تستغنى عنك أبدًا، ودايمًا بتقول إنك إيديها ورجليها. بس هي عندها حب تملك شوية كده، وبتعتبرك إنتِ ومحمود وعيالكم ملكها هي وبس... يعني بتحبكم يا خيبة. هل حديث فريدة سيكون له تأثير طيب على لتلك المرأة البائسة؟ وهل ستستطيع حل تلك المعضلة مع فتاتها الطيبة التي تعشق أبنها ؟ ربما.."أمي... يا نهر الخير والأمان، يا من يفيض قلبها بعذب الحنان. سأظل أنحني امتنانًا لأقبّل قدميكِ، ففيهما جنةٌ وعد الله بها عباده. يا من سُلِبت أنفاسها في ألم المخاض، ثم استقبلتني بعده بفرحٍ وسعادة وحنان..."كانت تلك الكلمات آخر ما خطّته ابتهال على صفحتها بموقع "فيسبوك"، لعلها تكون رسالةً تصل إلى والدتها، رغم اختفاء علامتها الخضراء وانقطاعها عن جميع وسائل التواصل، وكأنها أعلنت انسحابها من الدنيا قبل أن تغادرها.---وقفت ابتهال في غرفتها، تحدق في حقيبتها المفتوحة، وكأنها تحاول أن تجد بين طياتها مخرجًا من المأزق الذي أُلقيت فيه.لم يخطر ببالها يومًا أنها قد تضطر إلى العودة إلى بيت والدتها بهذه الصورة المهينة، بعدما أفنت سنوات عمرها في خدمة زوجها، وأولادها، ووالدته، دون أن تمنّ أو تشتكي، فإذا به في لحظة غضب يهدم كل ما بنته بكلماتٍ جارحة، لا تعرف للرحمة طريقًا.همست لنفسها في حيرة، وقد بدأت الدموع تزاحم عينيها:— إنتِ فين يا أمي؟... بحاول أكلمك، وتليفونك مقفول! يا رب أعني، وخليك معايا علشان أقدر أتجاوز الموقف الصعب ده.. يارب قلبي وجعني عليها قوي.كانت منذ الصباح تحاول الاتصال بها دون جدوى، لذ
قالت ابتهال بثبات، وقد استجمعت ما تبقى من صبرها، بينما كانت تنظر إليه بعينين امتلأتا بالخذلان:— أظن عيب عليك الكلام ده يا محمد. ماهي أمي دي اللي ربتني، وخلتني أعرف أسمع كلامك وأحترمك. وأظن إنه مش فرض عليَّ أخدم والدتك أو أستحملها، زي ما مرات أخوك بتعمل. أنا اللي بعمله مع مامتك بعمله عن رضا، وبما يرضي ربنا، مش غصب عني.ثم أردفت وقد اشتد ألمها:— وأختك بتيجي بحملها وولادها، وأنا بشيلهم على كفوف الراحة بمزاجي، محدش أجبرني على ده. ولو كنت عايزة أعمل زي مرات أخوك، كنت طلبت منك تسيب البيت ونعيش لوحدنا، زي ما أخوك عمل ومشي ورا مراته. لكن أنا عمري ما طلبت منك ده، ولا حتى فكرت فيه... يبقى ليه ترد عليَّ بالطريقة دي، لمجرد إني بطلب منك تساعدني أبر أمي؟ما إن انتهت من حديثها حتى اشتعل الغضب في صدر محمد، خاصة بعدما أعادت إلى ذاكرته موقف شقيقه، الذي طالما رفض أن يسلك طريقه.فهدر بها بصوت مرتفع:— إنتِ بتعيدي الكلام ده، مفكرة إني هتنازل وأسمع كلامك؟! ده حلم يا هانم. وأنا مش زي أخويا... وأمي تخدميها ورجلك فوق رقبتك. أمي دي خط أحمر!ارتجفت شفاهها، لكنها تماسكت، وقالت بحدة لم يعهدها منها:— وأنا كمان
نهض محمد في هدوء، وقد تبدلت مشاعره تمامًا. خرج وهو يشعر أن كلمات فريدة أعادت ميزان العدل إلى قلبه، وجعلته يرى الأمور من زاوية لم يكن يلتفت إليها من قبل، وعزم في داخله أن يكون أكثر إنصافًا مع زوجته، دون أن يقصر في حق والدته.أما ابتهال، فكانت تقف في الخارج شاردة الذهن، تستعيد كلمات والدتها ومواقفها التي طالما كانت سببًا في احتواء بيتها كلما أوشك على الانهيار. أدركت أن الفضل بعد الله يعود إلى تلك المرأة الحكيمة التي لم تكن تنحاز لأحد، بل كانت تنحاز للحق دائمًا، وتسعى بكل ما أوتيت من حكمة إلى جمع الشمل، لا إلى تفريقه.خرجت من شرودها على صوته الدافئ، وقد اقترب منها بابتسامة خفيفة لم ترها على وجهه منذ أيام:— إيه يا ابتهال... رحتي فين؟ إحنا خلصنا فطار من بدري.ساد الصمت للحظات، فقطعته ابتهال وهي تحاول أن تبدو طبيعية حتى لا ينكشف اضطرابها، فعادت إلى واقعها قائلة بهدوء مصطنع:— تمام يا محمد... رفيدة وشروق هيوضبوا السفرة.ثم فركت كفيها في توتر، وأخذت نفسًا عميقًا، بينما كانت تجمع شجاعتها للحديث الذي ظلت تؤجله طويلًا. رفعت عينيها إليه، وقد اختلط فيهما القلق بالأمل، قبل أن تقول بصوت خافتچج:— م
ليست كل الحروب تُخاض بالصوت المرتفع، فبعضها يولد في صمت القلوب، حين تتزاحم الحقوق، ويقف الإنسان حائرًا بين واجبٍ يراه فرضًا، وآخر يغفل عنه وهو يظنه هينًا.فالعدل لا يكون بالميل إلى طرفٍ على حساب الآخر، وإنما بأن يُعطى كل ذي حقٍ حقه، دون ظلم أو إجحاف. وما أصعب أن يختل ذلك الميزان داخل بيتٍ جمعه الله بالمودة والرحمة، فيتحول الحب إلى عتاب، والسكينة إلى صراعٍ صامت، يخفيه الجميع خلف ابتساماتٍ باهتة.وفي ذلك الصباح، كانت ابتهال تقف على مفترق طرق، وقد أثقل قلبها سؤال واحد...هل سيستطيع محمد أن يرى حقها كما يرى حق والدته؟ أم أن قلبه سيظل يميل إلى كفةٍ واحدة، لتبقى الأخرى مثقلةً بالخذلان؟شعرت فريدة بقلة الحيلة أمام حديث ابنتها، فهي تعلم في قرارة نفسها أن ابتهال محقة في كثير مما تقول، لكنها في الوقت ذاته لم تكن تريد أن تؤيدها، حتى لا يتفاقم الخلاف بين الزوجين أكثر مما هو عليه.كانت تدرك جيدًا أن محمد يميل بقلبه وعقله إلى والدته وشقيقته، ويقف في صفهما حتى وإن أيقن أن زوجته هي صاحبة الحق، ليس ظلمًا لها، وإنما لأنه لا يقوى على تخطئة والدته أمام أحد. لذلك آثرت الصمت، وتركت زمام الحديث بين يديها، ب
في منزل الابنة الكبرى، ابتهال...جلست ابتهال بعدما انتهت من تجهيز طعام والدة زوجها، وبعد أن شاركها زوجها هذا العام في إعداد بعض الأمور، لتنصرف من بينهم بخطوات بطيئة، بينما يعتصر الضيق صدرها. كانت تنظر إليه بنظرات ممتلئة بالعتاب؛ فهو الابن البار بوالدته، الذي لا يدخر جهدًا في إرضائها، لكنه – من وجهة نظرها – لا يعينها على بر والدتها كما تفعل هي مع أمه.استقرت في مجلسها، وعقلها يعيد ترتيب الكلمات التي ظلت ترددها طوال ليلتها الماضية. كانت تحدث نفسها مرارًا وتكرارًا، تبحث عن الطريقة الأنسب لفتح ذلك الحديث معه، علّها تجد سبيلًا يخفف ما يثقل قلبها، أو يمنحها بعض الراحة التي افتقدتها منذ زمن.فمنذ أن عادت إلى منزلها في الليلة الماضية برفقة ابنتيها وابنيها الصغيرين، لم تغب عن مخيلتها نظرات صغيرتيها، تلك النظرات الصامتة التي اخترقت ضميرها وأثقلت قلبها، بعدما حاولت أن تواري شعورها بالذنب وهي تترك والدتها وحدها، رغم أنها السيدة التي لم تتأخر يومًا عن مساندتها، ولم تبخل عليها بنصيحة أو عون.كانت والدتها دومًا تدفعها إلى أداء واجباتها تجاه زوجها وأسرتها، وتشجعها على بناء بيت هادئ تسوده المودة والرح
حين تضيق القلوب بمن كانت لهم وطنًا، لا يبقى للأم سوى الطريق... وحقيبةٌ صغيرة تحمل ما تبقى من عمرها. رحلةٌ موجعة بين الذكريات، تكشف كيف يتحول العطاء غير المشروط إلى صمتٍ يسبق الندم.بخطواتٍ مثقلة بالخذلان، تغادر أمٌ بيتًا أفنت عمرها في بنائه، حاملةً حقيبةً صغيرة وقلبًا أثقلته الذكريات. وبين شوارعٍ تحفظ تفاصيل عمرها، تسترجع رحلة كفاحها مع أبنائها الخمسة، وتتساءل: هل كانت التضحية تستحق كل هذا الجفاء؟تسير في الطرقات بتيهٍ ظاهر، تحمل بين يديها المتعبتين حقيبةً صغيرة تضم بعض الأغراض البسيطة التي لا غنى لها عنها. كانت الدموع تنساب من عينيها في صمت، حسرةً على ما آلت إليه حياتها مع أبنائها. لم يخطر ببالها يومًا أن تصبح كبش فداءٍ لسعادتهم، تلك السعادة التي أفنت عمرها كله وهي تحارب من أجلها.كم ابتعدت عن كل خلاف قد ينشب بينها وبين زوجات أبنائها، وآثرت الصمت حتى لا تُنغص حياة أولادها. وكم انسحبت في هدوء كلما اشتدت الصعاب، واختارت أن تتحمل الأذى وحدها حتى يظل السلام مخيمًا على بيوتهم. كم آثرتهم على نفسها، وضحت براحتها وأحلامها، ولم تطلب منهم سوى القليل من الود والاحتواء.لم تكن يومًا عبئًا عليهم،
زفرت أم سعد بضيق عندما تذكرت حديثها مع أم أحلام، والدة زوجة كمال، ثم أردفت بحسرة: _والنبي يا بنتي ما عارفة الست الطيبة دي عملت إيه في دنيتها علشان تقع في بنات زي دول.. مابيقبلوهاش!وبعيد عنك، حتى أم أحلام ذات نفسها مش عاجبها اللي بنتها بتعمله هي وسلفتها.. مش عايزين رجالتهم يساعدوا أخوهم في جوازه، و
جلست تدعو لهذه الفتاة التي تركتها ورحلت متمزقة القلب، بعدما جعلتها في حالة يتقطع لها نياط القلب حزنًا عليها.. فهيام ابنة قلبها، ولم تتمنَّ يومًا أن يحدث هذا مطلقًا.بل كانت تتهيأ للجمع بينها وبين ابنها المعتوه ـ كما لقبته ـ وهي تحدث نفسها بعد رحيل الأخرى قائلة: _الله يسامحك يا بني.. أنا مش عارفة إي
نعم، هي تواسيها، ولكن دون اقتناعٍ حقيقي، فتلك الحماة القاسية تعدّت القسوة بمراحل مع تلك السيدة الصغيرة التي تقطع حالتها نياط القلب. لماذا تتعامل معها بهذا الجفاء، وهي التي تعمل على راحتها ليلًا ونهارًا دون كلل أو تذمر؟ بل وربما تكون زوجة ابنها أفضل من ابنة خرجت من رحمها، فهي تتقي الله فيها، وتصبر ع
ليست كل الخيبات تأتي من الأغراب، فبعضها يولد داخل البيوت التي أفنينا أعمارنا نبني دفئها بأيدينا، حتى إذا ما اشتد بنا التعب اكتشفنا أننا نقف وحدنا أمام جدران باردة لا تشبه ما حلمنا به يومًا.كانت فريدة تظن أن سنوات التضحية الطويلة كفيلة بأن تزرع داخل قلوب أبنائها شيئًا من الوفاء، وأن ذلك البيت الذي







