Se connecterتركت سيلين الملعقة جانباً. وضعتها على حافة الصحن بصوت معدني خافت. ومسحت أطراف أصابعها بالمنديل. ثم رفعت عينيها إلى أحمد. نظرة هادئة. ثابتة. نظرة امرأة قررت أن ترد دون أن تمنحه متعة رؤيتها منزعجة.
وقالت بهدوء وثبات. صوت مسطح. لا اهتزاز فيه: «سيد أحمد، شكراً لاهتمامك المبالغ فيه، لكني لست متخرجة بعد.. ما زلت أدرس في الجامعة بتخصص التصميم الداخلي.» * ما إن انتهت من كلماتها حتى تدخل صوت روز. بقوة. كسكين يقطع حريراً. صوأوقف أريان سيارته الرياضية الفارهة أمام المبنى الضخم للشركة. حيث كانت الحركة لا تهدأ عند المدخل. والسيارات الفاخرة تتوالى في الوصول تباعاً. محركات تئن ثم تصمت. أبواب تُفتح وتُغلق. وأصوات أحذية على الرصيف. أطفأ المحرك. وبقي جالساً لثوانٍ يتفقد هاتفه. شاشة مضيئة في عتمة المقصورة. أصابعه تتحرك على الزجاج. ثم وضعه جانباً وفتح الباب. ترجل بهدوء. وأغلق السيارة. صوت ارتطام المعدن الثقيل. ثم مرر يده على ياقة سترته وأعاد ترتيب أكمام قميصه بعناية. أصابعه تسحب القماش. تسويه. تضغط على الحواف. ألقى نظرة سريعة على انعكاسه في زجاج السيارة. وجه حاد. عينان باردتان. وعدّل ساعته قبل أن يتجه نحو المدخل. معدن بارد على معصمه. كانت أضواء الحفل تتراقص خلف الواجهات الزجاجية. ألوان متقطعة تنعكس على الرصيف. وتصل أصوات الموسيقى والحديث إلى الخارج مع كل مرة تُفتح فيها الأبواب. ضحكات. كؤوس. همسات. * دخل أريان بخطوات واثقة. حذاؤه على الرخام اللامع. كل خطوة لها صدى خافت. كان المكان يعج بالم
مرّ يومان كاملان منذ وافقت سيلين على تولّي تنظيم الحفلة السنوية للشركة. يومان من المكالمات. من الأوراق. من الأصوات المتداخلة في سماعة الهاتف. من خطوات سريعة في ممرات لا تنتهي. كان اليوم المنتظر قد وصل أخيراً. ولم يتبقَّ على انطلاق الحفل سوى ساعات قليلة. قضت سيلين معظم وقتها بين فريق التنظيم، وموردي التجهيزات، ومراجعة التفاصيل الأخيرة. حتى أصبح الملف الذي تحمله بين يديها أشبه بسجل طويل لكل ما أنجزته خلال اليومين الماضيين. أوراق مثقلة. حوافها مثنية من كثرة التقليب. وقفت أمام باب مكتب المدير. أعادت ترتيب الأوراق للمرة الأخيرة. أصابعها تسوي الحواف. تضغط على الزاوية. ثم طرقت الباب بخفة. نقرتان على الخشب. «تفضلي.» وصلها صوت كريم من الداخل. هادئ. واضح. فتحت الباب ودخلت بخطوات واثقة. حذائها على السجاد السميك. ثم أغلقت الباب خلفها وتقدمت نحو مكتبه. «صباح الخير، سيدي.» رفع كريم عينيه عن الشاشة. ضوء أزرق ينعكس على وجهه. «صباح النور، سيلين. هل انتهيتِ من المراجعة النهائية؟»
اختارا مطعمًا هادئًا بعيدًا عن ازدحام الشوارع. جلسا إلى طاولة قريبة من النافذة، وبعد أن قدّما طلبهما، انشغلت سيلين بتفحص قائمة الطعام مرة أخرى، رغم أنها كانت قد اختارت بالفعل. أما كريم، فكان يتفقد هاتفه بين حين وآخر، يجيب عن بعض الرسائل ثم يعيده إلى الطاولة. ساد بينهما صمت مريح لبعض الوقت، حتى وضع كريم هاتفه جانبًا وتنحنح بخفة. «سيلين، أريد أن أسألكِ عن دراستكِ الجامعية.» رفعت عينيها إليه. «دراستي؟» «نعم. أعرف أنكِ تدرسين، لكنني لم أسألكِ عن تخصصكِ بالتفصيل.» وضعت قائمة الطعام جانبًا وأجابته ببساطة: «أدرس التصميم الداخلي. ما زلت في المرحلة الثانية.» «التصميم الداخلي...» كررها باهتمام، ثم أومأ برأسه. «اختيار جيد. هل تحبين تخصصكِ؟» «نعم، رغم أنه متعب أحيانًا. لدينا مشاريع كثيرة، وبعضها يحتاج إلى وقت طويل حتى نصل إلى النتيجة التي نريدها.» ابتسم كريم.
نظرت سيلين إلى دفتر التعليمات بين يديها بجمود واستياء، ثم رفعت عينيها نحو مينا التي انتهت لتوّها من شرح مهامها الجديدة. لماذا عليها فعل كل هذا أصلًا؟ لقد كانت مستمتعة بجلسات التصوير، والثرثرة مع ليلى بين حين وآخر، وإرسال أرباحها إلى أريان لمضايقته! كانت تلك المهام البسيطة تمنحها قدرًا لا بأس به من المتعة، خصوصًا حين تتخيل ملامحه وهو يتلقى تحويلاتها المالية. أما الآن، فقد أصبحت مطالبة بحفظ جدول رجل آخر، ومتابعة اجتماعاته، وتذكيره بوجباته! والأكثر إثارة للسخرية أنها، حتى عندما كانت مع أريان نفسه، لم تحفظ جدوله يومًا، ولم تفكر في تولّي مسؤولية تنظيم حياته. كانت تسمع عن موعد اجتماعاته بالصدفه لم تهتم بمعرفة جدوله الا إذا كانت لديها مكيده وخطه لازعاجه فلماذا يُفترض بها أن تفعل ذلك من أجل كريم؟ استدارت سيلين فجأة نحو ميرا، ورفعت إصبعها في وجهها بتهديد صريح. «أسبوع واحد
كانت سيلين تقف أمام المرآة الكبيرة في غرفة تبديل الملابس، تمسح بقايا مكياج عينيها بقطعة قطن، استعدادًا لإطلالة جديدة في جلسة تصوير الأحذية. لم تكن في مزاج يسمح لها بالابتسام للكاميرات طوال اليوم، لكنها على الأقل كانت تحاول إقناع نفسها بأن الانشغال بالعمل أفضل من ترك عقلها يتجول في الأماكن التي لا ينبغي له الذهاب إليها. أريان، أوراق الطلاق، روز ذات المظهر المثالي، وتالا التي قررت فجأة أن الصداقة يمكن إصلاحها كما يُصلح كعب حذاء مكسور... يا لها من قائمة رائعة لأسباب الصداع! ألقت قطعة القطن في سلة المهملات، ثم مدت يدها نحو حقيبتها لتخرج مستحضرات التجميل، حين وصلها صوت ميرا من خلفها، مشوبًا بلهفة غير معتادة. «مرحبًا سيلين!» التفتت سيلين إليها، ورفعت حاجبًا واحدًا. «مرحبًا. لماذا تنادينني وكأن المبنى يحترق؟» لم تمنحها ميرا فرصة لمواصلة سخريتها، بل اقتربت منها وهي تحمل ملفًا بين يديها، وأعلنت بسرعة:
طرقت ميرا باب المكتب التنفيذي طرقتين خفيفتين، ثم فتحته بحذر ودخلت بخطوات مترددة، وقد ارتسمت على وجهها ملامح حاولت جاهدًة أن تبدو طبيعية. «مرحبًا، سيدي!» رفع كريم رأسه عن الملفات الموضوعة أمامه، وما إن رآها حتى ابتسم ابتسامة ودودة وأشار إليها بالجلوس. «أهلًا ميرا! تفضلي. كيف أصبحت والدتكِ الآن؟ أتمنى أنها بخير.» ارتخت ملامحها قليلًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة صادقة. «أجل، سيدي، هي بخير الآن، شكرًا جزيلًا لسؤالك. لقد تحسنت حالتها كثيرًا.» «هذا جيد، الحمد لله. الصحة تأتي أولًا، فلا تشغلي نفسكِ كثيرًا بما حدث ذلك اليوم.» خفضت ميرا رأسها قليلًا، ثم قالت باعتذار: «وأنا آسفة جدًا عما حدث في يوم العرض السابق. لم أكن أتوقع أن تسير الأمور بتلك الطريقة، ولو كنت أعلم...» قاطعها كريم برحابة صدر، وهو يعيد ترتيب بعض الأوراق أمامه. «لا بأس يا ميرا، ما حدث قد حدث، والجميع بخير. والأهم أن العرض







