Share

الفصل 4

Author: هيرو
last update publish date: 2026-08-18 13:07:21

أمسكت تالا بمعصمي، بأصابع ناعمة الملمس تخفي تحتها مخالب حديدية، وسحبتني إلى وسط القاعة كأنّني دمية تُعرَض في مزاد علنيٍّ لا رحمة فيه. كانت كعوب صديقاتها تقرع الأرض بإيقاع طبول حرب خفيّة، والضحكات الخافتة تتصاعد من كلّ زاوية كسمٍّ يتسرّب عبر الشقوق، يخنق الأنفاس ببطء.

«تعالَي يا عزيزتي، لا تخجلي. الجميع هنا أصدقاء.»

نطقت بها وهي تشدّني نحو الدائرة التي شكّلتها صديقاتها؛ فساتين لامعة، وحقائب تساوي راتب سنة كاملة لعائلة متوسطة. نظرنَ إليّ كما ينظر المرء إلى حشرة علقت في كأس كريستال: بشمٍّ خفيّ، وفضول بارد.

وقفت تالا في المنتصف، رفعت كأسها، وقرعت الملعقة على الزجاج برنين اخترق القاعة كالسكين:

«يا أصدقائي الأعزاء، لحظة من فضلكم.»

ساد صمت مصطنع. التفتت كل العيون نحونا: أنا بابتسامتي المتجمدة، وهي بابتسامتها المتوهجة التي تخفي أنياباً.

«صديقتنا سيلين تمرّ بظروف مالية صعبة جداً بعد إفلاس عائلتها. ونحن كأصدقاء أوفياء، جمعنا لها هنا مبلغاً بسيطاً لتدبير أمورها. أليس هذا جميلاً؟»

انفجر التصفيق. ضحكات مكتومة. همسات ساخرة تزحف كالأفاعي:

«يا لها من مسكينة.»

«إفلاس؟ يا للعار.»

«كم هو كريم منك يا تالا.»

بدأت الصديقات يُخرجن ورقات نقدية من حقائبهن، يلقينها في كومة على الطاولة أمامي كأنّي متسولة على قارعة طريق. ورقة. ورقة. ورقة. وكل ورقة تسقط كانت صفعة على وجه كرامتي.

«تفضّلي يا حبيبتي،» قالت إحداهن وهي تمدّ لي ورقة بمئة وكأنّها ترمي عظماً لكلب جائع. «خذي، اشتري لنفسك شيئاً يليق.»

شعرت بالنار تتوثّب في عروقي، بحرارة تصعد من قدمي حتى رأسي. لكنّني ابتسمت. ابتسمت ببرود من يخطّط لجريمة مثالية. تقدّمت خطوة، ثم أخرى، ومددت يدي وجمعت تلك النقود بيد واحدة. كل ورقة. كل قرش. لم أترك شيئاً.

نظرت تالا إليّ بابتسامة المنتصرة:

«أرأيتِ؟ الدنيا ما زالت بخير. اشكرينا يا سيلين.»

لم أردّ. فتحت حقيبتي بهدوء غريب جعل الصمت يثقل على القاعة كأنّه حجر. أخرجت زجاجة عطر باهظة، تلك التي اشتريتها حين كان العالم لا يزال يعرف اسمي ويحترمه. رفعتها عالياً.

«ما هذا؟» سألت تالا بحاجب مرفوع.

لم أُجب. كسرت الزجاجة فوق النقود الورقية. تحطّم الزجاج بصوت حادّ، وتدفّق العطر الثمين على الأوراق حتى تبلّلت تماماً. رائحة نفاذة ملأت المكان، تختلط برائحة الشموع والطعام الفاخر.

«ماذا تفعلين؟!» صرخت إحدى الصديقات.

أخرجت قداحة صغيرة من جيب معطفي. فضية. بسيطة. لا شيء مميز فيها. لكن حين رفعتها، تجمّدت كل العيون.

«سيلين، ما الذي—»

لم تكمل تالا جملتها. أشعلت القداحة.

انحنيت. قرّبت اللهب الصغير من حافة النقود المبلّلة. لحظة واحدة. ثم التهمت النار الأوراق كوحش جائع استيقظ من سبات طويل. ارتفعت ألسنة اللهب برتقالية وزرقاء، تعكس في عيون الحضور وجوهاً تحجّرت مكانها.

تراجعت الصديقات خطوة. خطوتين. اختنقت صرخة في حلق إحداهن.

«هل جننتِ؟!»

«النار! النار ستصل إلى—»

رفعت يدي فأسكتهن. وقفت وسط الضوء البرتقالي المتراقص، وظلّي يمتد على الجدران كشبح عملاق، وقلت بصوت بارد يخترق صمت القاعة:

«احتفظوا بصدقاتكم القذرة. لأنّني سأحرق عوالمكم قريباً.»

التفتّ إلى تالا. وجهها شاحب. شفتاها ترتجفان. ابتسمت لها ابتسامة الثعلبة التي حاصرت الفريسة أخيراً:

«أمّا أنتِ يا تالا... فانتظري دورك.»

لم يردّ أحد. لم يتحرّك أحد. أكلت النار آخر ورقة نقدية، ولم يبقَ سوى رماد أسود يتطاير في هواء القاعة المكيف.

استدرت على كعبي ومشيت نحو الباب. كل خطوة كانت إعلان سيادة. كل قرع كعب كان حكماً بالإعدام على كل من ظنّ أنّني انتهيت.

لكنّ يداً أمسكت بمعصمي قبل أن أبلغ الباب. يد قوية. دافئة. مألوفة بشكل مؤلم.

التفتّ.

كان زياد واقفاً خلفي، وعيناه تحملان شيئاً لم أره فيهما من قبل. ليس غضباً. ليس حزناً. بل شفقة.

أبعدت يده عنّي بسرعة، وتراجعت خطوة، ثم رفعت عيني إليه بحدة:

«لا تلمسني بيديك القذرتين.»

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (4)
goodnovel comment avatar
Sara
متى تكتمل القصة رجاءا؟!
goodnovel comment avatar
Sara
متى تكتمل؟كم بقي فصل! ارجو الرد 🫶🏻
goodnovel comment avatar
هيرو
هذا مجرد تمهيد ... الفصول الجاية راح تخليج تنصدمين أكثر
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • اتهمني بالسرقة... فأصبح زوجي   الفصل 159

    لترحب بها أمي بابتسامة دافئة قائلة: «أجل، من الجيد أن تجدي من يرافقك للتسوق!». تبدأ أمي وتالا في تبادل أطراف الحديث بأريحية تامة وسلاسة مرعبة. كأنهما تعرفان بعضهما منذ سنوات. كأنهما صديقتان قديمتان. تضحكان. تتكلمان. تميلان برأسيهما. وأنا واقفة مكاني. وقد تسلل الرعب الخالص إلى عروقي. وبدأ عقلي يعمل بسرعة فائقة. كأنني ثعلبة محاصرة. «عمتي، هل تبحثين عن شيء معين اليوم؟» تسأل تالا بصوتها العذب المسموم. «نعم يا بنيتي، نبحث عن ملابس لسيلين. موسم جديد وكل شيء.» «آه، جميل جداً! هذا المتجر ممتاز للملابس النسائية. هل أساعدكم؟» «هذا لطيف منك يا تالا. شكراً لكِ.» «لا تشكريني عمتي. أنا سعيدة أنني معكم.» سعيدة. سعيدة أنها معنا. سعيدة أنها ستقضي ساعتين معي ومع أمي. سعيدة أنها ستمشي بجانبي وتبتسم لأمي وتضحك. سعيدة أنها ستجلس معنا وتختار ألواناً وتقول: هذا جميل يا عمتي. وهذا لا يليق يا سيلين. وهذا أفضل. أقف. وأبتسم. وأبتسم. وأبتسم.

  • اتهمني بالسرقة... فأصبح زوجي   الفصل 158

    تسحبني أمي ورائها بعنف إلى قسم الألوان البنفسجية والزهرية المزركشة. أصابعها حول معصمي. تجرني كما تجر طفلة عنيدة بعيداً عن متجر الحلوى. وأنا ألتفت ورائي بخنوع. أودع فستاني الأسود بنظرات حزينة ومكسورة. «وداعاً يا فستان،» أقول بصوت خافت. «ماذا تقولين؟» تسأل أمي. «لا شيء. فقط.. وداعاً.» «وداعاً لماذا؟» «للفستان الأسود.» «انسِيه. انظري إلى هذا. بنفسجي جميل.» «لا أريد بنفسجياً.» «انظري فقط.» «لا أريد أن أنظر.» «سيلين.» «حسناً. أنظر.» أنظر. ولا أرى شيئاً. فقط أقمشة ملونة وعلاقات ملابس وأم تقلب كل شيء بسرعة. وألتفت مرة أخيرة نحو فستاني الأسود. نحو الواجهة. نحو الدانتيل الأسود الفاخر. لكن وداعي ا

  • اتهمني بالسرقة... فأصبح زوجي   الفصل 157

    نزلت الأم الدرج بخطوات ثابتة وحازمة، وتوقفت أمام الأريكة التي لا تزال سيلين ممددة عليها بلا حراك. نظرت إليها من فوق وقالت بجدية لا تقبل النقاش: «انهضي يا سيلين وتجهزي، سنذهب للتسوق معاً الآن!» أجابتها سيلين بكسل قاتل ووجه متبلد، دون أن تحرك حتى إصبعاً واحداً: «لا يا أمي.. اذهبي وحدك، لدي عطلة اليوم ولن أتحرك خطوة واحدة من هذه الأريكة!» رفعت الأم حاجبها ونظرت إليها نظرة طويلة. «ماذا قلتِ؟» «قلت لن أتحرك.» «سمعتكِ في المرة الأولى.» «إذاً لماذا تسألين؟» «لأنني أردتُ أن أسمعها مرة ثانية لأتأكد.» «حسناً، تأكدتِ. الجواب لا.» «سيلين...» «أمي...» «قومي.» «لا.» «سيلين، لا تجبريني.» «على ماذا؟ أنا راشدة. متزوجة. لا يمكنكِ إجباري على شيء.» * صمتت الأم للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة لم تر سيلين مثلها من قبل، ابتسامة أم تعرف شيئاً لا تعرفه ابنتها. التفتت ببطء وذهبت نحو زاوية المطب

  • اتهمني بالسرقة... فأصبح زوجي   الفصل 156

    وسط تلك الأفكار الإجرامية المشتعلة في رأسي، أضرب الصحون في مغطس غسل الأطباق بقوة وعنف شديدين. يداي ممتلئتان برغوة سائل التنظيف الثقيلة. الرغوة البيضاء تتطاير في كل مكان. على حافة المغطس. على ثيابي. على وجهي. لا أهتم. كل ما أهتم به هو هذا الصحن الذي بين يدي. هذا الصحن الذي يمثل وجه زياد. أفركه. أفركه بقسوة. بقسوة لم أفرك بها شيئاً في حياتي. كأنني أحاول أن أمحو وجهه من على سطحه. كأنني أحاول أن أكسره. ليس الصحن. زياد. زياد اللعين. صفار البيض. الرجل الذي أهدر سنة من عمري. أتحسر بمرارة على الفرصة الذهبية التي ضاعت من بين يدي للتخلص منه إلى الأبد. لو دعسته. لو فقط دعسته. لكان كل شيء انتهى. لكانت حياتي أسهل. لكانت الجامعة خالية من وجهه. لكانت هذه الصحون تغسل بهدوء. لكانت أمي لا تصرخ عليّ. «سيلين!» صوت والدتي الحاد والغاضب من الخلف يقطع أفكاري كسكين. «سيلين! انتبهي إلى الأطباق جيداً ولا تقومي بكسر صحوني الصينية العزيزة!»

  • اتهمني بالسرقة... فأصبح زوجي   الفصل 155

    أجزّت سيلين على أسنانها بغضب من غباء أخيها الصامت. يوسف الذي فتح برطمان المربى ونسي أن أخته تختنق بكذبة أمام والديها. عادت لتنظر إلى أمها بوجه ملائكي مبتسم، وقالت بسرعة واندفاع: «لقد اتصل بي البارحة وأخبرني أن العمل قد يطول لمدة لم يحددها بسبب تأخير بعض الاجتماعات المهمة!» أطالت أمها النظر إليها بانتظار التفاصيل، عيناها تبحثان عن شيء، عن أي تأكيد أو نفي. تحركت عينا سيلين بسرعة نحو أي شيء لتختلق كذبة إضافية، نحو النافذة، نحو الساعة، نحو طبق البيض. ثم تابعت: «وفي الواقع يا أمي.. هو الآن في بلد أوروبي، ولديهم موجة تساقط أمطار غزيرة! أعلم أن الفصل صيف، لكن كما تعلمين.. الوضع الجوي يختلف من بلد إلى آخر.. أليس كذلك يا يوسف؟!» ضربت كتف يوسف بقسوة تحت الطاولة، ضربة لا يراها والداها، ضربة تقول: تكلم، الآن، فوراً. هتف يوسف مذهولاً وهو يكاد يسقط ملعقته: «أجل، أجل يا أمي! كل ما تقوله سيلين صحيح مئة بالمئة!» ثم همس لنفسه بخفوت تام وهو ينظر إلى طبقه: «مع أنني لا أعلم بحق الجحيم عن أي هراء تتحدث أو عن أي بلد تتحدث به يتساقط فيه الأمطار في

  • اتهمني بالسرقة... فأصبح زوجي   الفصل 154

    «لا لكن! لا تفهم! أنت لا تفهم! أنا في الجامعة! الجامعة يا يوسف! محاضرات! امتحانات! أساتذة ينظرون إليك كأنك لا شيء!» «سيلين، أنتِ تبالغين.» «لا أبالغ! أنا أصف الواقع! الواقع المرير!» «الواقع المرير أنكِ ستدرسين.» «نعم! وهذا مرير!» «هناك من يقتل ليحصل على مقعد جامعة.» «لا أريد أن أسمع هذا الكلام الآن يا يوسف!» زفر يوسف، ثم نظر إليها نظرة طويلة، نظرة أخ يرى أخته تنهار على شيء تافه لكنه يعرف أنه لا يستطيع أن يقول ذلك. «حسناً،» قال أخيراً، «الجامعة. فهمت. والآن؟» «والآن؟ والآن سأذهب وأحضر الفطور. لأنني جائعة، ولأنني لا أستطيع أن أنهار على معدة فارغة.» «جيد. هذا قرار حكيم.» «اصمت.» «حسناً. سأصمت. لكن تعالي. الفطور يبرد.» رمت سيلين الوسادة عليه. أمسكها في الهواء وابتسم ابتسامة أخ صغير يعرف أن أخته مجنونة لكنه يحبها رغم ذلك. * لكنه لم يذهب، لم يتحرك من مكانه، وقف في إطا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status