LOGINلمع الضوء فوق الطاولة الخشبية الباردة، شقَّ صمت الغرفة كأنّه نصلٌ صغير في جسد الليل. كنت مستلقية على ظهري، عيناي معلّقتان بالسقف، والسقفُ يُعيد عرض كوارث يومي كـ فلم محترق يتكرّر بلا رحمة. اهتزّ الهاتف برعشة خافتة، فمددتُ يدي بثقل من يسحب جسده من قاع بئر. كانت عينايا لا تزالان تحملان ملوحة دموع جفّت قبل ساعات، وحين استقرّت الشاشة أمام بصري، طفا اسم "تالا" فوقها كلعنة أعرف طعمها جيّداً.
فتحت الرسالة بأصابع مرتجفة. ليس خوفاً، بل من فرط غيظ مكبوت يبحث عن منفذ: «أرجوكِ تعالي اليوم إلى نفس المكان، المطعم. أريد أن أعتذر لكِ أمام الجميع عمّا حدث.» أرفقت العنوان بتفاصيل دقيقة، كأنّها تخشى أن أتوه عن مسرح الجريمة الذي تُعِدّه لي. ضحكت. ضحكة جافّة خَشِنَة لم يعترف بها حلقي. اعتذار أمام الجميع؟ تالا لا تعرف معنى الاعتذار، إنّما تعرف فنّ التمثيل على مسرح الإذلال. كانت تريد أن تراني مكسورة، مطرودة مجدّداً تحت أنظار كلّ من يعرفنا، لتثبت أنّها الضحيّة النبيلة وأنّني الجانية التي لا تستحقّ الرحمة. نهضت ووقفت أمام المرآة. وجه شاحب، هالات داكنة، وشفتان مطبقتان على صرخة لم تخرج بعد. همستُ لنفسي بصوت لم يتجاوز جدران الغرفة: «هل تظنّين أنّني سأهرب يا تالا؟» لم يجبني أحد. لكنّ شيئاً في داخلي استيقظ. ليس حزناً، ليس ضعفاً. كبرياء تلك الثعلبة التي تسكن روحي منذ الطفولة، التي ترفض أن تنحني ولو انكسر العالم حولها. فتحت الخزانة وأخرجت أفخر ما أملك: فستان أسود طويل يعانق القوام بوقار، وحذاء بكعب عالٍ يضرب الأرض كإعلان حرب. لم أتزيّن لأجلهم. لأجلي. لكي يعلموا أنّ سيلين لا تُهزَم بمكيدة سخيفة. حين وصلت، كان الضوء الذهبيّ ينبعث من زجاج المطعم كدعوة مغرية، بينما وقفت أنا في العتمة. تقدّمت بخطوات ثابتة ورأس مرفوع، لكنّ جسماً ضخماً سدّ الطريق ببرود حجريّ. الحارس نفسه الذي ابتسم لي بالأمس صار الآن جداراً لا يُخترق. مددت يدي نحو المقبض، فقال بصوت رفعه عمداً ليتسلّل إلى مسامع الواقفين: «المعذرة يا آنسة، اسمكِ مدرَج في قائمة الممنوعين بناءً على طلب الإدارة.» تجمّدت. لكنّني لم أنظر إليه. نظرت إلى الوجوه التي استدارت نحونا، والهمسات التي تزحف كأفاعٍ صغيرة: «إنّها هي...» «ممنوعة؟ لماذا؟» «سمعت أنّها سرقت...» التفتّ إلى الحارس وعيناي تقدحان، وقلت بصوت هادئ يكذبه نبضي المتسارع: «أنا مدعوّة رسميًّا. صاحبة الدعوة تنتظرني في الداخل.» ردّ دون أن يرمش، وكلماته تسقط كمسامير في نعش كرامتي: «الأوامر واضحة. ممنوع دخول السارقات.» لم تكن الكلمة وصفاً. كانت حكماً مُعلَناً أمام محكمة نظرات متلصّصة. شعرت بحرارة الخجل تحاول تسلّق عنقي، فدفعتها بعنف إلى الأسفل. لم أبكِ. لم أتوسّل. وقفت كالتمثال الأسود وسط دائرة الفضول والازدراء. ثمّ انفتح الباب الزجاجيّ ببطء مسرحيّ متقن، وظهرت تالا من خلف كتف الحارس. ترتدي الأبيض كحمامة سلام مزيفة، شعرها منسدل بنعومة محسوبة، وابتسامتها... تلك الابتسامة التي تُغلي الدم في العروق بينما تبدو للناظر نسيمًا. وضعت يدها على ذراع الحارس بنعومة متعمّدة، وقالت بصوت ناعم مسموم يكفي ليسمعه الجميع: «يا له من مسكينة... دعها تدخل يا حارس، أنا من دعاها لتتطهّر من أخطائها!» تتطهّر من أخطائي. كأنّني خطيئة تمشي على قدمين، وكأنّها القدّيسة التي تمنحني صكّ الغفران أمام جمهورها المتعطّش. رفعت عينيّ إليها. لم أبتسم. لم أغضب. لم أرتجف. نظرت إليها نظرة من يقرأ كتاباً يعرف نهايته مسبقاً، وقلت بصوت منخفض لا يسمعه سواها: «شكراً على الدعوة، تالا. لكن تذكري... الثعلبة لا تدخل القفص إلّا وهي تعرف أين مفتاحه.» اتّسعت حدقتاها للحظة. لحظة صغيرة لم يرها أحد غيري. ثمّ عادت ابتسامتها المصقولة كأنّ شيئاً لم يكن، ومدّت يدها نحو الباب وهي تقول للجموع بصوت ملائكيّ: «تفضّلوا، لا تدعوا هذه الحادثة الصغيرة تعكّر أمسيتكم.» سؤال:تالا دعت سيلين لتعتذر أمام الجميع.. لو كنتِ مكانها، هل كنتِ تذهبين لتكشفي المكيدة، أم تتجاهلينها وتتركيها تبدو كمجنونة وحيدة؟لترحب بها أمي بابتسامة دافئة قائلة: «أجل، من الجيد أن تجدي من يرافقك للتسوق!». تبدأ أمي وتالا في تبادل أطراف الحديث بأريحية تامة وسلاسة مرعبة. كأنهما تعرفان بعضهما منذ سنوات. كأنهما صديقتان قديمتان. تضحكان. تتكلمان. تميلان برأسيهما. وأنا واقفة مكاني. وقد تسلل الرعب الخالص إلى عروقي. وبدأ عقلي يعمل بسرعة فائقة. كأنني ثعلبة محاصرة. «عمتي، هل تبحثين عن شيء معين اليوم؟» تسأل تالا بصوتها العذب المسموم. «نعم يا بنيتي، نبحث عن ملابس لسيلين. موسم جديد وكل شيء.» «آه، جميل جداً! هذا المتجر ممتاز للملابس النسائية. هل أساعدكم؟» «هذا لطيف منك يا تالا. شكراً لكِ.» «لا تشكريني عمتي. أنا سعيدة أنني معكم.» سعيدة. سعيدة أنها معنا. سعيدة أنها ستقضي ساعتين معي ومع أمي. سعيدة أنها ستمشي بجانبي وتبتسم لأمي وتضحك. سعيدة أنها ستجلس معنا وتختار ألواناً وتقول: هذا جميل يا عمتي. وهذا لا يليق يا سيلين. وهذا أفضل. أقف. وأبتسم. وأبتسم. وأبتسم.
تسحبني أمي ورائها بعنف إلى قسم الألوان البنفسجية والزهرية المزركشة. أصابعها حول معصمي. تجرني كما تجر طفلة عنيدة بعيداً عن متجر الحلوى. وأنا ألتفت ورائي بخنوع. أودع فستاني الأسود بنظرات حزينة ومكسورة. «وداعاً يا فستان،» أقول بصوت خافت. «ماذا تقولين؟» تسأل أمي. «لا شيء. فقط.. وداعاً.» «وداعاً لماذا؟» «للفستان الأسود.» «انسِيه. انظري إلى هذا. بنفسجي جميل.» «لا أريد بنفسجياً.» «انظري فقط.» «لا أريد أن أنظر.» «سيلين.» «حسناً. أنظر.» أنظر. ولا أرى شيئاً. فقط أقمشة ملونة وعلاقات ملابس وأم تقلب كل شيء بسرعة. وألتفت مرة أخيرة نحو فستاني الأسود. نحو الواجهة. نحو الدانتيل الأسود الفاخر. لكن وداعي ا
نزلت الأم الدرج بخطوات ثابتة وحازمة، وتوقفت أمام الأريكة التي لا تزال سيلين ممددة عليها بلا حراك. نظرت إليها من فوق وقالت بجدية لا تقبل النقاش: «انهضي يا سيلين وتجهزي، سنذهب للتسوق معاً الآن!» أجابتها سيلين بكسل قاتل ووجه متبلد، دون أن تحرك حتى إصبعاً واحداً: «لا يا أمي.. اذهبي وحدك، لدي عطلة اليوم ولن أتحرك خطوة واحدة من هذه الأريكة!» رفعت الأم حاجبها ونظرت إليها نظرة طويلة. «ماذا قلتِ؟» «قلت لن أتحرك.» «سمعتكِ في المرة الأولى.» «إذاً لماذا تسألين؟» «لأنني أردتُ أن أسمعها مرة ثانية لأتأكد.» «حسناً، تأكدتِ. الجواب لا.» «سيلين...» «أمي...» «قومي.» «لا.» «سيلين، لا تجبريني.» «على ماذا؟ أنا راشدة. متزوجة. لا يمكنكِ إجباري على شيء.» * صمتت الأم للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة لم تر سيلين مثلها من قبل، ابتسامة أم تعرف شيئاً لا تعرفه ابنتها. التفتت ببطء وذهبت نحو زاوية المطب
وسط تلك الأفكار الإجرامية المشتعلة في رأسي، أضرب الصحون في مغطس غسل الأطباق بقوة وعنف شديدين. يداي ممتلئتان برغوة سائل التنظيف الثقيلة. الرغوة البيضاء تتطاير في كل مكان. على حافة المغطس. على ثيابي. على وجهي. لا أهتم. كل ما أهتم به هو هذا الصحن الذي بين يدي. هذا الصحن الذي يمثل وجه زياد. أفركه. أفركه بقسوة. بقسوة لم أفرك بها شيئاً في حياتي. كأنني أحاول أن أمحو وجهه من على سطحه. كأنني أحاول أن أكسره. ليس الصحن. زياد. زياد اللعين. صفار البيض. الرجل الذي أهدر سنة من عمري. أتحسر بمرارة على الفرصة الذهبية التي ضاعت من بين يدي للتخلص منه إلى الأبد. لو دعسته. لو فقط دعسته. لكان كل شيء انتهى. لكانت حياتي أسهل. لكانت الجامعة خالية من وجهه. لكانت هذه الصحون تغسل بهدوء. لكانت أمي لا تصرخ عليّ. «سيلين!» صوت والدتي الحاد والغاضب من الخلف يقطع أفكاري كسكين. «سيلين! انتبهي إلى الأطباق جيداً ولا تقومي بكسر صحوني الصينية العزيزة!»
أجزّت سيلين على أسنانها بغضب من غباء أخيها الصامت. يوسف الذي فتح برطمان المربى ونسي أن أخته تختنق بكذبة أمام والديها. عادت لتنظر إلى أمها بوجه ملائكي مبتسم، وقالت بسرعة واندفاع: «لقد اتصل بي البارحة وأخبرني أن العمل قد يطول لمدة لم يحددها بسبب تأخير بعض الاجتماعات المهمة!» أطالت أمها النظر إليها بانتظار التفاصيل، عيناها تبحثان عن شيء، عن أي تأكيد أو نفي. تحركت عينا سيلين بسرعة نحو أي شيء لتختلق كذبة إضافية، نحو النافذة، نحو الساعة، نحو طبق البيض. ثم تابعت: «وفي الواقع يا أمي.. هو الآن في بلد أوروبي، ولديهم موجة تساقط أمطار غزيرة! أعلم أن الفصل صيف، لكن كما تعلمين.. الوضع الجوي يختلف من بلد إلى آخر.. أليس كذلك يا يوسف؟!» ضربت كتف يوسف بقسوة تحت الطاولة، ضربة لا يراها والداها، ضربة تقول: تكلم، الآن، فوراً. هتف يوسف مذهولاً وهو يكاد يسقط ملعقته: «أجل، أجل يا أمي! كل ما تقوله سيلين صحيح مئة بالمئة!» ثم همس لنفسه بخفوت تام وهو ينظر إلى طبقه: «مع أنني لا أعلم بحق الجحيم عن أي هراء تتحدث أو عن أي بلد تتحدث به يتساقط فيه الأمطار في
«لا لكن! لا تفهم! أنت لا تفهم! أنا في الجامعة! الجامعة يا يوسف! محاضرات! امتحانات! أساتذة ينظرون إليك كأنك لا شيء!» «سيلين، أنتِ تبالغين.» «لا أبالغ! أنا أصف الواقع! الواقع المرير!» «الواقع المرير أنكِ ستدرسين.» «نعم! وهذا مرير!» «هناك من يقتل ليحصل على مقعد جامعة.» «لا أريد أن أسمع هذا الكلام الآن يا يوسف!» زفر يوسف، ثم نظر إليها نظرة طويلة، نظرة أخ يرى أخته تنهار على شيء تافه لكنه يعرف أنه لا يستطيع أن يقول ذلك. «حسناً،» قال أخيراً، «الجامعة. فهمت. والآن؟» «والآن؟ والآن سأذهب وأحضر الفطور. لأنني جائعة، ولأنني لا أستطيع أن أنهار على معدة فارغة.» «جيد. هذا قرار حكيم.» «اصمت.» «حسناً. سأصمت. لكن تعالي. الفطور يبرد.» رمت سيلين الوسادة عليه. أمسكها في الهواء وابتسم ابتسامة أخ صغير يعرف أن أخته مجنونة لكنه يحبها رغم ذلك. * لكنه لم يذهب، لم يتحرك من مكانه، وقف في إطا







