Share

قناع خلف قناع

last update publish date: 2026-05-07 16:42:18

كانت الممرات الضيقة داخل القصر الفينيسي تبدو وكأنها شرايين حجرية باردة تضيق على ليلى وهي تتبع الممرضة "مريم". لم تكن مريم هي تلك الفتاة الرقيقة ذات الملامح الهادئة التي كانت تغير ضمادات آدم في مستشفى بلجيكا؛ لقد تحولت الآن إلى ظل حاد، تتحرك بخفة قطة برية في الظلام، وتمسك بمسدسها كأنها ولدت وهي تحمل السلاح. كان صمتها يثير في نفس ليلى رعباً يفوق رعب المواجهة مع لورينزو.

"مريم.. توقفي!" همست ليلى وهي تحاول التقاط أنفاسها. "إلى أين نذهب؟ وكيف وصلتِ إلى هنا؟ هل كنتِ تعملين مع لورينزو منذ البداية؟"

ت
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • احببتك وأنتهى الامر    تراتيل الطين.. وبراعم النور في الوادي

    كانت زقزقة العصافير الصباحية تمتزج بخشخشة أوراق أشجار اللوز والزيتون، لتعزف لحناً يملأ أرجاء الوادي الريفي ببهجة افتقدتها ليلى لسنوات طويلة. في ذلك الصباح من أواخر شهر مايو، لم تستيقظ ليلى على صوت إنذار أو هاتف مشفر يحمل في طياته تهديداً جديداً، بل استيقظت على رائحة الخبز الطازج الذي كان يوسف يخبزه في الموقد الحجري بالأسفل، وعلى ضوء الشمس الدافئ الذي كان ينسكب من القبة الزجاجية لمرسمها ليغسل وجهها بنور ناصع وبكر.وقفت ليلى أمام المرآة الخشبية البسيطة، ورتبت خصلات شعرها بنعومة. ارتدت ثوباً قطنياً طويلاً بلون ترابي دافئ، وعلقت في رقبتها السلسلة الذهبية التي لم تعد تحمل رقاقات كريستالية أو أسراراً دولية، بل أصبحت مجرد تذكار من ماضٍ سحيق عبرته بقوة وثبات. نزلت الدرج الخشبي لتجد آدم ويوسف بانتظارها، وكان الحماس يملأ وجهيهما؛ فاليوم هو يوم افتتاح "مركز زنبق الوادي للفنون والترميم البسيط" لأطفال القرية."هل أنتِ مستعدة يا مديرة المركز؟" سأل آدم وهو يقدم لها كوباً من الحليب الدافئ المحلى بعسل الجبل. كانت عيناه تشعان بالفخر، فقد قضى الأسبوع الماضي بأكمله يساعد عمال القرية في طلاء القاعة القديم

  • احببتك وأنتهى الامر    ظلال الزيتون.. وفجر الألوان البكر

    كانت الحافلة الصغيرة تشق طريقها عبر التلال المتموجة لجنوب فرنسا، حيث بدأت ملامح باريس الصاخبة وأبنيتها الحجرية الباردة تتلاشى تدريجياً، لتحل محلها مساحات شاسعة من الخضرة والنور. ليلى كانت تسند رأسها إلى زجاج النافذة، تراقب أشجار اللوز التي بدأت براعمها تتفتح معلنة قدوم ربيع جديد، ربيع لم تكن رائحته تشبه رائحة الأصباغ الكيميائية أو غبار السراديب الرطبة، بل كانت تفوح بنقاء الأرض وبساطتها.في المقعد المجاور، كان آدم يمسك بمفكرة صغيرة، يخط عليها بعض الملاحظات حول التعديلات التي يرغب في إجرائها على منزلهما الجديد. كان يبدو أكثر ارتياحاً؛ فالخطوط المشدودة حول عينيه قد تلاشت، وحلت محلها نظرة هادئة تشبه زرقة السماء الصافية فوق التلال."نحن على وشك الوصول يا ليلى،" قال آدم وهو يلتفت إليها بابتسامة دافئة. "خلف هذه التلة المرتفعة، يقع وادي الياسمين، وهناك ينتظرنا بيتنا."عدلت ليلى من جلستها وامتدت يدها لتتشابك مع أصابعه. "أتعرف يا آدم؟ طوال حياتي كنتُ أظن أن مهمتي هي إعادة الحياة إلى اللوحات الميتة، لكنني اليوم أشعر أنني أنا من أُعيدت إليه الحياة. هذه أول مرة أسافر فيها دون أن أحمل في حقيبتي هوي

  • احببتك وأنتهى الامر    الضفاف الدافئة.. وبداية الطرس الجديد

    كان تدفق مياه نهر "الرون" في مدينة ليون يشبه إلى حد كبير تدفق الأيام من عمر ليلى؛ أيام كانت في الماضي مليئة بالاضطراب والدم والخوف، لكنها الآن بدأت تكتسي بوشاح من السكينة والوقار. في ذلك الصباح الشتوي الدافئ، كانت ليلى تجلس في شرفة مرسمها الجديد، تمسك بقلم رصاص بسيط، تخط به رسوماً أولية لوجه آدم وهو نائم. لم تكن بحاجة إلى ألوان معقدة أو أصباغ سرية لتبرز تفاصيل الأمان الذي تشعر به؛ فالبساطة هي أعلى درجات الفن التي تمنت الوصول إليها طوال حياتها.التفتت ليلى نحو الطاولة الخشبية الكبيرة التي توسطت الغرفة، حيث وضعت عليها أزاميل قديمة وفرشاة شعر ناعمة كانت قد اشترتها من سوق عتيق في أطراف المدينة. لم تعد طاولة المختبر الكيميائي التي تفوح منها رائحة الموت، بل أصبحت منبراً لترميم القطع الفخارية والخشبية البسيطة التي يجلبها لها سكان المدينة الطيبون.انفتح باب المرسم بهدوء، ودخل آدم يحمل في يديه كوبين من الشاي الساخن الذي تفوح منه رائحة النعناع البري. كانت حركاته خفيفة، كأنه يخشى أن يفسد هدوء اللحظة التي انتظرها لسنوات. وضع الكوبين أمامها وجلس على مقعد خشبي منخفض، يتأمل الخطوط التي رسمتها ليلى ل

  • احببتك وأنتهى الامر    صدى الأطياف.. ورماد الذاكرة

    لم يكن الخروج من سراديب باريس سوى انتقال من ظلام صخري إلى ظلام معنوي أشد وطأة. كانت ليلى تجلس في زاوية غرفتها بفندق "ليتيسيا" العريق، تنظر إلى يديها اللتين لم تعد تفرق فيهما بين آثار الحبر وبقايا الصبغة الزرقاء وبين ندوب التعب. الصمت الذي لفَّ المكان لم يكن هدوءاً، بل كان "هدوء ما قبل العاصفة" التي ستقتلع جذور كل ما ظنته حقيقة.آدم كان جالساً في الشرفة، يراقب سيارات الشرطة التي كانت تجوب الشوارع بحثاً عن أثر للانفجار الذي وقع في الأنفاق. التفت نحو ليلى، وكان وجهه يحمل علامات إرهاق تفوق سني عمره. "ليلى، 'الأستاذ' لم يمت في الانفجار. لقد وجدتُ رسالة مشفرة على هاتفي قبل قليل.. رسالة لا يرسلها إلا شخص يعرف كل تحركاتنا."فزعت ليلى من مكانها. "ماذا تقول يا آدم؟ لقد رأينا القاعة تنهار فوق رؤوسهم!""المكان كان مجهزاً بمخارج طوارئ هيدروليكية،" أوضح آدم وهو يريها الرسالة التي كانت عبارة عن صورة للوحة 'الموناليزا' لكن بعينين دامعتين بلون أزرق. "إنه يهددنا بالانتقام من يوسف. يقول إن الثمن الذي دفعناه لنشر السر لن يكفي لإخماد نيران 'أخوية اللون'."في تلك اللحظة، رن هاتف الغرفة الأرضي. كان صوتاً رخ

  • احببتك وأنتهى الامر    تراتيل الظل.. ومتاهة المرايا الباريسية

    لم تكن شمس باريس التي أشرقت لتعلن نهاية الصراع سوى خدعة بصرية أخرى في عالم المرممة ليلى. فبينما كان العالم يضج بخبر "المعجزة الكيميائية"، كانت ليلى تدرك أن كشف السر ليس سوى البداية لمطاردة من نوع آخر. ففي أروقة "معهد الفن النزيه" الذي أسسته، لم تكن الجدران صامتة، بل كانت تهمس بأسماء أولئك الذين لم يشملهم البث المباشر، أولئك الذين يقتاتون على الفراغات التي تتركها الحقيقة.كان آدم يجلس في مكتبه الصغير، يقلب في ملفات قديمة استعادها يوسف من قبو القلعة. كانت ملامحه مشدودة، وعيناه تعكسان قلقاً دفيناً. "ليلى، المعادلة التي نشرتِها ناقصة.." قالها وهو يشير إلى رسم بياني في المخطوطة. "هناك عنصر مفقود لا يظهر إلا في ظل ظروف مناخية معينة. والدتكِ ماري لم تكن تبحث عن اللون، كانت تبحث عن 'المحفز الزمني' الذي يجعل هذا اللون أبدياً."اقتربت ليلى من النافذة، وشاهدت تساقط أمطار الربيع على ساحة "الكونكورد". "المحفز الزمني يا آدم ليس مادة كيميائية، بل هو 'تفاعل حيوي'. إنها الأصباغ التي تتنفس. هل تذكر ما قاله جدي في مفكرته؟ 'اللون هو الحياة التي ترفض الموت'. الرمز الذي تركته أمي في اللوفر لم يكن مجرد إحدا

  • احببتك وأنتهى الامر    سديم الحقيقة.. والصبغة الأبدية

    كانت شمس باريس تشرق على استحياء من خلف غيوم رمادية كثيفة، وكأنها تخشى رؤية ما كشفته ليلة البارحة. في شرفة ذلك المبنى العتيق المطل على ساحة "الكونكورد"، كانت ليلى تقف صامتة، تراقب حركة المارة الذين لا يدركون أن العالم الذي استيقظوا فيه اليوم ليس هو العالم الذي ناموا فيه بالأمس. لقد تحولت ليلى من مجرد مرممة للوحات الزيتية إلى مفجرة لأكبر ثورة معرفية في العصر الحديث.آدم كان يقف خلفها، يضع معطفاً ثقيلاً على كتفيها ليحميها من لسعات البرد الصباحي. لم ينطق بكلمة؛ فصمتهما كان لغة بحد ذاتها، لغة عُجنت بالألم والمطاردات والدموع."هل تظن أنهم سيسامحونني؟" سألت ليلى وهي تنظر إلى هاتفها الذي لا يتوقف عن بث أصداء الانفجار المعلوماتي الذي أحدثته."المسألة ليست في المسامحة يا ليلى،" أجاب آدم بصوت هادئ يحمل بحة التعب. "المسألة في الحرية. لقد أعدتِ للألوان روحها، وللبشر حقهم في المعرفة. ما فعلتِه بنشر 'المعادلة الكونية' هو ترميم لعدالة مفقودة منذ قرون."في تلك اللحظة، دخل يوسف إلى الغرفة. كان يحمل في يده صحيفة الصباح التي تصدرت غلافها صورة لوحة "عرس قانا" مع عنوان عريض يتحدث عن "معجزة الطاقة الكيميائي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status