เข้าสู่ระบบظل آدم واقفًا أمام مكتبه لوقت طويل.
كان ينظر إلى صورتين موضوعتين أمامه بتمعن. صورة قديمة لطفلة صغيرة ذات شعر أسود طويل وعينين زرقاوين. وصورة حديثة لريم. نظر إلى الأولى، ثم إلى الثانية، ثم عاد إلى الأولى. • «ليست هي...» قالها بصوت منخفض، وكأنه يحاول إقناع نفسه أكثر مما يحاول إقناع أي شخص آخر. أميرة اختفت منذ سنوات؛ طفلة صغيرة اختفت بعد حادث أودى بحياة والديها. أما ريم.. فهي فتاة في العشرين من عمرها، جاءت إلى قصره للعمل. لا علاقة بينهما، لا يمكن أن تكون هي. أغلق الدرج بقوة، ثم أخذ نفسًا عميقًا وعاد إلى عمله، لكنه لم يستطع التركيز. كلما حاول قراءة الأوراق أمامه، عادت إلى ذهنه صورة ريم وهي تقف أمام باب بيت الحديقة. وطريقتها في لمس المقبض وتلك النظرة التي ظهرت في عينيها قبل أن تلتفت إليه. فتح عينيه بضيق. • «مجرد مصادفة.» --- في الصباح التالي، استيقظت ريم قبل موعدها بقليل. جلست على حافة السرير، تحدق في يديها. لم تحلم بشيء هذه المرة. ومع ذلك... كان اسم واحد لا يزال يدور في رأسها. "أميرة." لم تكن تعرف من أين جاء. ولا لماذا شعرت عندما نطقت به بالأمس وكأنها تنادي شخصًا تعرفه منذ زمن طويل. هزت رأسها. — «لا أعرف أحدًا بهذا الاسم.» وقفت أمام المرآة. وضعت العدسات البنية، ثم رفعت شعرها الأسود وربطته كما تفعل كل صباح، فتغيرت ملامحها قليلًا، وأصبحت عيناها الزرقاوان داكنتين. وخرجت من غرفتها لتبدأ عملها. مرّ الصباح هادئًا. كانت ريم منشغلة بتنظيف الصالة وترتيب بعض الغرف، بينما كانت سارة تتابع بقية أعمال المنزل. وفي حوالي الظهر، سمعت ريم صوت سيارات تتوقف أمام القصر. رفعت رأسها. اقتربت سارة من النافذة ثم ابتسمت. ~ والدا السيد آدم. توقفت ريم للحظة. — والديه؟ ~ نعم. ثم أسرعت سارة إلى المدخل. كانت سيارة سوداء قد توقفت أمام الدرج، نزل منها رجل في أواخر الخمسينات، طويل القامة، أنيق المظهر، بعيون زرقاء وملامح صارمة لكنها هادئة. وبجانبه نزلت امرأة أنيقة في الخمسينات، بعيون بنية دافئة، تحمل حقيبة صغيرة. استقبلهما آدم عند الباب. • أبي... أمي. احتضنته والدته سريعًا. « اشتقت إليك.» ابتسم آدم ابتسامة خفيفة. • وأنا أيضًا. أما والده فاكتفى بمصافحته قبل أن يقول: تبدو منشغلًا أكثر من المعتاد. • العمل، كما تدري أبي. دخلوا إلى القصر. كانت ريم تقف بعيدًا وهي تحمل بعض الأكواب، فخفضت رأسها باحترام عندما مروا بجانبها. لكن والدة آدم توقفت، ونظرت إليها للحظة. ثم سألت سارة: من هذه؟ ~ إنها ريم، العاملة الجديدة. ابتسمت المرأة لها. « أهلًا بكِ يا ريم.» — أهلًا وسهلًا سيدتي. أومأت لها ثم تابعت طريقها، لكن والد آدم ظل ينظر إلى ريم لثانية إضافية، لم يقل شيئًا، ثم لحق بزوجته وابنه. جلس الثلاثة في الصالة، كانت والدة آدم تتحدث عن بعض شؤون العائلة، بينما ظل والده أكثر صمتًا. أما آدم فكان يستمع دون اهتمام كبير. حتى قالت والدته فجأة: بالمناسبة، مررتُ اليوم بجانب منزل زوجة عمك القديم. توقفت يد آدم ونظر إليها. • لماذا؟ « كنت مع والدك في الخارج، وقررنا المرور من هناك.» ظل آدم صامتا، فقد كانت تتحدث عن عمته تاليا، والدة أميرة. خفض والد آدم عينيه. ـ عزيزتي لم يكن من الضروري أن تفتحي هذا الموضوع. تنهدت زوجته. «مرّت سنوات طويلة.» لكن آدم قال ببرود: سنوات لا تعني أنني نسيت. ساد الصمت. قال والده: آدم، علينا أن نتوقف عن العودة إلى الماضي. رفع آدم عينيه إليه. • أنت تعرف أنني لا أستطيع. ـ كانت طفلة. • كانت ابنة أخيك. ساد الصمت. خفض والده رأسه. ـ أعرف. ضغط آدم على فكه. • مات والداها في ذلك الحادث. ـ نعم. • لكنها لم تكن في السيارة عندما وجدوها. رفع والده عينيه إليه. ـ آدم... • وهذا يعني أنها ربما كانت لا تزال حية. تدخلت والدته بهدوء: بحثنا عنها طويلًا. • ليس بما يكفي. نظر والده إليه بصرامة. ـ مرّ وقت طويل جدًا. • وهذا لا يغير شيئًا. ثم أضاف آدم بصوت منخفض: اسمها لا يزال موجودًا في ذاكرتي. لم يجب والده. كانت ذكرى أميرة ثقيلة على العائلة كلها. طفلة اختفت. والداها ماتا. ولا أحد يعرف أين انتهى بها المطاف. --- بعد قليل، خرج آدم من الصالة، ووجد ريم في الممر ترتب الأكواب. مر بجانبها، لكن فجأة توقّف ونظر إليها. كانت واقفة بطريقة جعلته يتذكر شيئًا غامضًا. طفلة صغيرة كانت تقف في المكان نفسه تقريبًا... ترفع رأسها إليه وتقول: آدم، انظر! رمش، ثم اختفت الصورة. نظر إلى ريم مرة أخرى، كانت مشغولة بترتيب الأكواب، ولم تنتبه إلى اضطرابه. قال ببرود: يمكنكِ الانصراف. رفعت رأسها. — انتهيت تقريبًا. • قلت لكِ يمكنكِ الانصراف. — حسنًا. حملت الصينية وغادرت وظل آدم يتابعها بعينيه حتى اختفت خلف الباب، ثم أغمض عينيه. • ليست هي. كررها مرة أخرى. لكن هذه المرة... لم يكن صوته واثقًا كما كان بالأمس. في المساء، غادر والدا آدم القصر. وقف آدم أمام السيارة يودعهما، وقبل أن يدخل والده، أمسك بذراعه. ـ آدم. • نعم؟ نظر إليه طويلًا. ـ دع أميرة ترتاح حيث هي الآن... إن كانت ما تزال حية. تجمد آدم. • ماذا تقصد؟ تنهد والده. ـ أقصد أننا فعلنا كل ما نستطيع. ابتعد آدم خطوة. • أنا لم أفعل كل ما أستطيع. صعد والده إلى السيارة، وبعد لحظات تحركت السيارة مبتعدة عن القصر، وبقي آدم واقفًا أمام البوابة. وفي رأسه سؤال واحد: إذا كانت أميرة ما تزال حية... فأين هي؟ في مكان آخر من القصر، كانت ريم تعود إلى غرفتها. أغلقت الباب خلفها ووضعت يدها على صدرها دون سبب واضح. منذ الصباح...كان هناك شعور غريب يرافقها. كأن شيئًا في هذا المنزل يقترب منها أكثر مما ينبغي. استلقت على السرير ثم أغمضت عينيها واستسلمت للنوم.في صباح اليوم التالي... استيقظت ريم وهي تشعر بثقل في جسدها.فتحت عينيها ببطء، وظلت للحظات تحدق في السقف دون أن تتحرك.كان رأسها لا يزال يؤلمها قليلًا.وضعت يدها على جبينها، ثم حاولت الجلوس وتوقفت للحظة عندما تذكرت ما قاله الطبيب.نوبة مفاجئة.إرهاق.راحة.لكنها لم تكن معتادة على الراحة ولم تكن تريد أن تتأخر عن عملها.ارتدت ملابسها ببطء، وربطت شعرها الأسود، ثم وضعت عدساتها البنية كعادتها.نظرت إلى نفسها في المرآة.لثوانٍ، لم تعرف لماذا شعرت بانقباض في صدرها.كانت هناك صورة لا تزال عالقة في ذهنها.فتاة صغيرة.. شعر أسود مجعد وعينان زرقاوان.تلك الصورة التي رأتها في غرفة آدم.وضعت يدها على صدرها.• من تكونين؟لم تجد جوابًا.-------------------------بدأت ريم عملها كالمعتاد.كانت تحمل بعض الملابس وتعيد ترتيب إحدى الغرف، ثم انتقلت إلى الممرات، لكنها لم تستطع التركيز.كانت يداها تعملان، بينما عقلها بقي في مكان آخر.وبعد فترة، وجدت سارة في المطبخ.كانت سارة ترتب بعض الأشياء فوق الطاولة.اقتربت منها ريم.• سارة؟التفتت إليها.- نعم؟ترددت ريم للحظة.• أريد أن أسألك عن شيء.- اسألي.خفضت ريم صو
في الجناح الشرقي للقصر.كانت الليلة هادئة على غير عادتها.خفتت أصوات العاملين في الممرات، وانطفأت معظم أضواء القصر، بينما بقي ضوء خافت يتسلل من غرفة الوالدين؛ سلمى وأحمد.كانت سلمى تستند إلى صدر أحمد وهي ترتدي رداء نوم أبيض حريري.كانت امرأة فائقة الجمال في خمسيناتها، بشعر أشقر وعينين بلون العسل،جلس أحمد أمامها، يطبع قبلات رقيقة على كتفها ويُداعب شعرها، مستمعاً في صمت. وضعت سلمى هاتفها على الطاولة، ثم تنهدت بعمق.• تحدثت مع مراد.رفع أحمد عينيه إليها.— ماذا قال؟ابتسمت ابتسامة حزينة.• كالعادة... لن يعود.خفض أحمد نظره.قالت سلمى:• أنا حقا لا أفهمه يا أحمد، منذ سنوات وهو يعيش في إيطاليا وكأنه لا يملك عائلة هنا، لا يريد العودة، لا يريد أن يتحدث معنا، وحتى عندما أتصل به أشعر وكأنني أزعجه.سكتت للحظة، ثم أضافت:• إنه ابني، ومع ذلك أشعر أنني فقدته وهو لا يزال حيًا.ظل أحمد صامتًا.تابعت سلمى بصوت أكثر انكسارًا:• مراد كان مختلفًا قبل كل شيء.نظر إليها أحمد— كلنا تغيرنا يا سلمى.هزت رأسها.• لا... ليس بهذه الطريقة.أطرقت عينيها.• منذ اختفاء أميرة، لم يعد أحد كما كان.تغيرت ملامح أحمد
في مكان بعيد، وتحديدًا في إيطاليا...كانت ميلانو غارقة في المطر.خلف النوافذ الزجاجية، كانت أضواء المدينة تنعكس على الشوارع المبللة، بينما خيّم داخل الشقة صمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت المطر.وقف مراد أمام النافذة.كان في منتصف الثلاثينات، طويلًا، عريض الكتفين، بملامح قاسية جعلت وجهه يبدو أكبر من عمره.كان قميصه الأسود مفتوحًا عند عنقه، وأكمامه مرفوعة إلى ساعديه، بينما كانت الندبة الممتدة على جانب وجهه تزداد وضوحًا تحت الضوء الخافت.كانت هناك امرأة في الغرفة.امرأة أو بالأحرى عاهرة، لم تكن تعرف عنه سوى اسمه.أما هو، فلم يكن يعرف عنها شيئًا تقريبًا، ولم يكن يريد أن يعرف.كانت تفوح منها رائحة عطر فرنسي نفاذ يختلط برائحة السجائر، حاولت أن تضع يدها على كتفه، في حركة تحمل من الدلال ما لا يطيقه مراد، لكنه أمسك معصمها فجأة وأوقفها.تغيرت ملامحه.كان في عينيه شيء جعلها تتراجع خطوة.قال بصوت منخفض: ــــ قلت لكِ... لا تقتربي.ساد الصمت.تنفس مراد ببطء، ثم أمرها بالرحيل فورا ونظر إلى انعكاس وجهه في الزجاج.إلى الندبة.إلى الرجل الذي أصبحه.وفجأة...عاد إليه الماضي.لم يعد في ميلانو.كان هناك.في ال
وصل الطبيب بعد دقائق قليلة.كانت خطواته سريعة وهو يدخل إلى الممر برفقة أحد العاملين، بينما كانت سارة لا تزال جاثية بجانب ريم، تراقب جسدها الذي بدأ يهدأ تدريجيًا بعد النوبة.أما آدم، فكان واقفًا بالقرب منها، وجهه شاحب على غير عادته، وعيناه لا تفارقانها.اقترب الطبيب منها فورًا.- ابتعدوا قليلًا من فضلكم.تراجعت سارة، بينما بقي آدم مكانه للحظات قبل أن يتحرك ببطء.انحنى الطبيب لفحص ريم، راقب تنفسها، نبضها، وحركة عينيها، ثم فتح حقيبته وأخرج بعض أدواته.مرّت دقائق بدت طويلة على الجميع.وأخيرًا، رفع الطبيب رأسه.- إنها بخير.تنفسَت سارة براحة واضحة.أما آدم فسأله مباشرة:— ماذا حدث لها؟أعاد الطبيب ترتيب أدواته وقال بنبرة هادئة: يبدو أنها تعرضت لنوبة صرع مفاجئة.تغيرت ملامح آدم.— صرع؟- نعم، قد تحدث مثل هذه النوبات بشكل مفاجئ، خصوصًا مع الإجهاد الشديد، قلة النوم، الضغط النفسي أو الإرهاق.نظر آدم إلى ريم، كانت مستلقية على الأرض، شاحبة وهادئة الآن، وشعرها مبعثر حول وجهها.قال الطبيب:— لا أستطيع تحديد السبب الدقيق من نوبة واحدة فقط، لكنها في الوقت الحالي مستقرة، تحتاج إلى الراحة، والنوم الكا
حلّ الصباح على القصر بعد ليلة طويلة من الاحتفال.اختفت الموسيقى، وغادرت معظم الضيوف، لكن القصر لم يستعد هدوءه بعد.منذ الساعات الأولى، بدأ العاملون في تنظيفه بالكامل.كانت الطاولات تُفرغ من بقايا الطعام، والأكواب تُجمع، والشموع التي ذابت أطرافها تُستبدل بأخرى جديدة.وفي الممرات، كان صوت المكانس وحركة العاملين يملآن الصمت الذي خلّفته ليلة رأس السنة.كانت ريم تعمل منذ الصباح.تشعر بالإرهاق، لكنها لم تتوقف.كانت تحمل سلة صغيرة بيدها، وتسير في الممرات حاملة بعض الأشياء التي طلبت منها سارة التخلص منها.وحين وصلت إلى الطابق العلوي، مرّت بجانب جناح آدم.توقفت للحظة.كان الباب مفتوحًا.عبست باستغراب.لطالما كان آدم شديد الحرص على إبقاء جناحه مغلقًا، وسبق أن حذرتها أكثر من مرة من الاقتراب منه.نظرت حولها.لم يكن هناك أحد.ثم لمحت شيئًا داخل الغرفة.سلة نفايات، كانت ممتلئة بالأوراق.ترددت.قالت لنفسها إنها لن تدخل سوى لثوانٍ.ستأخذ السلة وتفرغها، ثم تغادر.خطت إلى الداخل بسرعة.كانت الغرفة مرتبة بشكل مثالي، كما توقعت.كل شيء في مكانه.. الأثاث الفخم، الستائر الثقيلة، المكتب الواسع، والسرير المرت
حلّت ليلة رأس السنة.ومنذ ساعات الصباح، كان القصر مختلفًا، الأضواء تملأ الممرات، والشموع موزعة فوق الطاولات، بينما كانت القاعة الكبرى تستعد لاستقبال الضيوف.أصوات العاملين لا تتوقف.. ضحكات متقطعة.. أطباق تُنقل إلى المطبخ وموسيقى هادئة تأتي من القاعة.كل شيء كان يوحي بأن الليلة لن تكون عادية.أما ريم... فقد وقفت أمام المرآة في غرفتها.للمرة الأولى منذ وصولها إلى القصر، لم ترتدِ ملابس العمل.كان الثوب الأحمر طويلًا وأنيقًا، ينساب على جسدها ويبرز قوامها الأنثوي الممتلئ بطريقة أنيقة.نظرت إلى نفسها للحظات وشعرت بأنها مختلفة، أكثر ثقة وأكثر جمالا وأنوثة.رفعت شعرها الأسود في تسريحة مرتبة، وتركت بعض الخصلات تنسدل برقة حول وجهها، ثم وضعت عدساتها البنية كعادتها.تأملت انعكاسها في المرآة وابتسمت ابتسامة صغيرة.— هل هذه أنا فعلًا؟لم تكن معتادة على رؤية نفسها بهذه الصورة، لكنها لم تكن تعرف أن شخصًا آخر سيراها بطريقة مختلفة تمامًا.---في القاعة الكبرى، بدأ الضيوف بالوصول.رجال ببدلات أنيقة ونساء بفساتين فاخرة، ضحكات وأحاديث.وفي وسط كل ذلك، كان آدم يقف بجانب والديه.كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة،