ANMELDENلم تنم ريم جيدًا تلك الليلة.
كانت كلما أغمضت عينيها، عادت إليها الومضة نفسها. العشب.. ضحكة طفلة.. ذراعان تحملانها.. وصوت امرأة يصرخ باسم غير واضح..ثم لا شيء. عند حلول السادسة صباحًا، فتحت عينيها، وجلست على السرير، وأسندت ظهرها إلى الحائط، ثم وضعت يدها على جبينها. — «مجرد حلم.» قالتها بصوت منخفض. لكنها لم تصدق شيئا. لما صوت المرأة بدى مألوفا كثير، لم تكن تعرف من تكون، لكنها شعرت بأن ذلك الصوت خرج من مكان عميق جدًا داخل ذاكرتها. نهضت وارتدت ملابس العمل وعدساتها كعادتها وحين خرجت من الغرفة، كانت سارة تمر بالممر حاملة مجموعة من المناشف. ابتسمت لها. — «صباح الخير.» ردت سارة : «صباح النور.» ترددت ريم للحظة، ثم سألت: «سارة؟» • «نعم؟» — «ما ذلك المبنى الموجود خلف الحديقة؟» توقفت يد سارة. لم تسقط منها المناشف، لكنها كادت. رفعت عينيها إلى ريم. • «أي مبنى؟» — «المبنى الصغير خلف الأشجار.» صمتت سارة، ثم قالت: «لا شأن لك به.» كانت الإجابة أسرع من اللازم. لاحظت ريم ذلك. — «أنا فقط أسأل.» • «وأنا أقول لكِ ألا تسألي.» ثم تجاوزتها، لكن ريم التفتت خلفها. — «هل هو جزء من القصر؟» توقفت سارة دون أن تستدير. • «كان.» ثم تابعت سيرها. كانت تلك الكلمة وحدها كافية لإثارة فضول ريم أكثر. *كان؟ ماذا يعني ذلك؟* مرّ الصباح ببطء وحاولت ريم التركيز في عملها، لكنها لم تستطع. كانت عيناها تعودان باستمرار إلى النوافذ المطلة على الحديقة. المبنى الصغير كان بالكاد يظهر بين الأشجار. كان بابه مغلق ونوافذه مغطاة بستائر باهتة وكأن أحدًا لم يدخله منذ سنوات. لم تعرف لماذا كان هذا المكان يثير فيها ذلك الإحساس الغامض بالألفة. وكأنها رأته من قبل، لكن أين؟ لم تستطع أن تتذكر. تنفست ببطء، ثم عادت إلى عملها. --- بعد الظهر، خرجت ريم إلى الحديقة تحمل سلة من المناشف النظيفة، كانت في طريقها إلى غرفة الغسيل عندما توقفت. نظرت إلى المبنى الصغير بين الأشجار. ترددت، ثم نظرت حولها.. لم يكن هناك أحد. وضعت السلة على المقعد الحجري القريب. — «سألقي نظرة فقط.» دخلت بين الأشجار، وكانت كلما اقتربت، شعرت بأن قلبها يخفق أسرع. حتى وصلت إلى الباب. كان الخشب قديمًا، والطلاء متشققًا، والمقبض مغطى بطبقة خفيفة من الغبار. مدت يدها.وحين لمست المقبض.. توقفت..تذكرت ومضة خاطفة. عشب أخضر.. سماء زرقاء.. طفلة صغيرة تركض بين الأشجار.. ضحكة بريئة. ثم صوت فتى صغير: «أميرة! انتظري!» فتحت ريم عينيها بسرعة فسحبت يدها من المقبض ووضعت يدها على صدرها. كان قلبها يخفق بعنف. — «أميرة...؟» همست بالاسم دون أن تعرف لماذا. نظرت إلى الباب، شعرت أنها تعرفه. وفجأة... سمعت صوتًا عميقا ذو بحة لا تخفى عليها. • «ماذا تفعلين هنا؟» تجمدت ريم واستدارت ببطء. كان آدم يقف على بعد خطوات منها، لم يكن يحمل ذلك الهدوء البارد الذي اعتادته. كانت عيناه غاضبتين، ونظراته تنتقل من وجهها إلى يدها التي كانت لا تزال قريبة من مقبض الباب. ثم عاد ينظر إليها. • «سألتكِ، ماذا تفعلين هنا؟» ابتلعت ريم ريقها. — «كنت أريد أن أرى المكان.» تقدم نحوها. • «ومن سمح لكِ؟» — «لا أحد.» توقف أمامها. • «إذن عدتِ إلى مخالفة القواعد؟» عبست. — «أنا لم أدخل.» • «لكنني حذرتكِ من الاقتراب منه.» — «لم تقل لي شيئًا عن هذا المكان.» نظر إليها بحدة. • «كان يجب أن تعرفي من نفسك ألا تقتربي.» شعرت ريم بالضيق من نبرته. — «ولماذا؟» لم يجب. — «ما الموجود هنا؟» • «لا شيء يخصك، عودي إلى القصر.» استدارت لتغادر، لكن صوته أوقفها. — «هل لمستِ الباب؟» تجمدت والتفتت إليه. — «لا...لم أفعل.» عاد وجهه إلى بروده المعتاد. • «غادري.. الٱن» استدارت فورا — «حسنًا.» بدأت تمشي، لكنها لم تكن قد ابتعدت سوى خطوات قليلة عندما جاءها صوت آدم: «ريم.» عضت على شفتيها بغيض ثم توقفت. • «لا تقتربي من هذا المكان مرة أخرى.» أومأت ثم غادرت. أما آدم... فبقي واقفًا أمام الباب، ينظر إلى المقبض الذي لمسته يدها. ثم أغلق عينيه للحظة. تذكر طفلة صغيرة كانت تقف أمام الباب نفسه، كانت في الخامسة تقريبًا. شعرها الأسود الطويل مربوط بشريط أبيض، وعيناها الزرقاوان تلمعان وهي تضحك. — «آدم، افتح!» فتح عينيه. تراجع خطوة، ثم نظر إلى الباب وكأنه يخشى أن يرى الماضي واقفًا أمامه. --- في المساء، جلست ريم أمام المرآة. نزعت عدساتها البنية، فظهرت عيناها الزرقاوان، ووضعت يدها على شعرها وفكته. انسدل شعرها الأسود الطويل المجعد على كتفيها، وحدقت في انعكاسها. ثم جاءتها تلك الومضة من جديد. فتحت ريم عينيها وبقيت تنظر إلى نفسها في المرآة. — «من أنتِ؟» لم تعرف لماذا سألت نفسها هذا السؤال. لكنها شعرت للمرة الأولى أن هناك فتاة أخرى تعيش في مكان ما داخل ذاكرتها. فتاة تحمل اسمًا لا تعرفه. --- في تلك الليلة، كان آدم في مكتبه. فتح الدرج القديم كعادته وأخرج الصورة، وظل ينظر إليها طويلًا. ثم رفع صورة جديدة بجانب القديمة... صورة لأميرة وصورة لريم في سيرتها الذاتية. ملامح مختلفة.. تسريحة مختلفة.. وعينان مختلفتان. لم يستطع فهم ذلك الشعور الذي لازمه منذ اللحظة الأولى التي رآى فيها لأول مرة. قال بصوت خافت: «كفاك هوسا يا أدم، ليست هي!»في صباح اليوم التالي... استيقظت ريم وهي تشعر بثقل في جسدها.فتحت عينيها ببطء، وظلت للحظات تحدق في السقف دون أن تتحرك.كان رأسها لا يزال يؤلمها قليلًا.وضعت يدها على جبينها، ثم حاولت الجلوس وتوقفت للحظة عندما تذكرت ما قاله الطبيب.نوبة مفاجئة.إرهاق.راحة.لكنها لم تكن معتادة على الراحة ولم تكن تريد أن تتأخر عن عملها.ارتدت ملابسها ببطء، وربطت شعرها الأسود، ثم وضعت عدساتها البنية كعادتها.نظرت إلى نفسها في المرآة.لثوانٍ، لم تعرف لماذا شعرت بانقباض في صدرها.كانت هناك صورة لا تزال عالقة في ذهنها.فتاة صغيرة.. شعر أسود مجعد وعينان زرقاوان.تلك الصورة التي رأتها في غرفة آدم.وضعت يدها على صدرها.• من تكونين؟لم تجد جوابًا.-------------------------بدأت ريم عملها كالمعتاد.كانت تحمل بعض الملابس وتعيد ترتيب إحدى الغرف، ثم انتقلت إلى الممرات، لكنها لم تستطع التركيز.كانت يداها تعملان، بينما عقلها بقي في مكان آخر.وبعد فترة، وجدت سارة في المطبخ.كانت سارة ترتب بعض الأشياء فوق الطاولة.اقتربت منها ريم.• سارة؟التفتت إليها.- نعم؟ترددت ريم للحظة.• أريد أن أسألك عن شيء.- اسألي.خفضت ريم صو
في الجناح الشرقي للقصر.كانت الليلة هادئة على غير عادتها.خفتت أصوات العاملين في الممرات، وانطفأت معظم أضواء القصر، بينما بقي ضوء خافت يتسلل من غرفة الوالدين؛ سلمى وأحمد.كانت سلمى تستند إلى صدر أحمد وهي ترتدي رداء نوم أبيض حريري.كانت امرأة فائقة الجمال في خمسيناتها، بشعر أشقر وعينين بلون العسل،جلس أحمد أمامها، يطبع قبلات رقيقة على كتفها ويُداعب شعرها، مستمعاً في صمت. وضعت سلمى هاتفها على الطاولة، ثم تنهدت بعمق.• تحدثت مع مراد.رفع أحمد عينيه إليها.— ماذا قال؟ابتسمت ابتسامة حزينة.• كالعادة... لن يعود.خفض أحمد نظره.قالت سلمى:• أنا حقا لا أفهمه يا أحمد، منذ سنوات وهو يعيش في إيطاليا وكأنه لا يملك عائلة هنا، لا يريد العودة، لا يريد أن يتحدث معنا، وحتى عندما أتصل به أشعر وكأنني أزعجه.سكتت للحظة، ثم أضافت:• إنه ابني، ومع ذلك أشعر أنني فقدته وهو لا يزال حيًا.ظل أحمد صامتًا.تابعت سلمى بصوت أكثر انكسارًا:• مراد كان مختلفًا قبل كل شيء.نظر إليها أحمد— كلنا تغيرنا يا سلمى.هزت رأسها.• لا... ليس بهذه الطريقة.أطرقت عينيها.• منذ اختفاء أميرة، لم يعد أحد كما كان.تغيرت ملامح أحمد
في مكان بعيد، وتحديدًا في إيطاليا...كانت ميلانو غارقة في المطر.خلف النوافذ الزجاجية، كانت أضواء المدينة تنعكس على الشوارع المبللة، بينما خيّم داخل الشقة صمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت المطر.وقف مراد أمام النافذة.كان في منتصف الثلاثينات، طويلًا، عريض الكتفين، بملامح قاسية جعلت وجهه يبدو أكبر من عمره.كان قميصه الأسود مفتوحًا عند عنقه، وأكمامه مرفوعة إلى ساعديه، بينما كانت الندبة الممتدة على جانب وجهه تزداد وضوحًا تحت الضوء الخافت.كانت هناك امرأة في الغرفة.امرأة أو بالأحرى عاهرة، لم تكن تعرف عنه سوى اسمه.أما هو، فلم يكن يعرف عنها شيئًا تقريبًا، ولم يكن يريد أن يعرف.كانت تفوح منها رائحة عطر فرنسي نفاذ يختلط برائحة السجائر، حاولت أن تضع يدها على كتفه، في حركة تحمل من الدلال ما لا يطيقه مراد، لكنه أمسك معصمها فجأة وأوقفها.تغيرت ملامحه.كان في عينيه شيء جعلها تتراجع خطوة.قال بصوت منخفض: ــــ قلت لكِ... لا تقتربي.ساد الصمت.تنفس مراد ببطء، ثم أمرها بالرحيل فورا ونظر إلى انعكاس وجهه في الزجاج.إلى الندبة.إلى الرجل الذي أصبحه.وفجأة...عاد إليه الماضي.لم يعد في ميلانو.كان هناك.في ال
وصل الطبيب بعد دقائق قليلة.كانت خطواته سريعة وهو يدخل إلى الممر برفقة أحد العاملين، بينما كانت سارة لا تزال جاثية بجانب ريم، تراقب جسدها الذي بدأ يهدأ تدريجيًا بعد النوبة.أما آدم، فكان واقفًا بالقرب منها، وجهه شاحب على غير عادته، وعيناه لا تفارقانها.اقترب الطبيب منها فورًا.- ابتعدوا قليلًا من فضلكم.تراجعت سارة، بينما بقي آدم مكانه للحظات قبل أن يتحرك ببطء.انحنى الطبيب لفحص ريم، راقب تنفسها، نبضها، وحركة عينيها، ثم فتح حقيبته وأخرج بعض أدواته.مرّت دقائق بدت طويلة على الجميع.وأخيرًا، رفع الطبيب رأسه.- إنها بخير.تنفسَت سارة براحة واضحة.أما آدم فسأله مباشرة:— ماذا حدث لها؟أعاد الطبيب ترتيب أدواته وقال بنبرة هادئة: يبدو أنها تعرضت لنوبة صرع مفاجئة.تغيرت ملامح آدم.— صرع؟- نعم، قد تحدث مثل هذه النوبات بشكل مفاجئ، خصوصًا مع الإجهاد الشديد، قلة النوم، الضغط النفسي أو الإرهاق.نظر آدم إلى ريم، كانت مستلقية على الأرض، شاحبة وهادئة الآن، وشعرها مبعثر حول وجهها.قال الطبيب:— لا أستطيع تحديد السبب الدقيق من نوبة واحدة فقط، لكنها في الوقت الحالي مستقرة، تحتاج إلى الراحة، والنوم الكا
حلّ الصباح على القصر بعد ليلة طويلة من الاحتفال.اختفت الموسيقى، وغادرت معظم الضيوف، لكن القصر لم يستعد هدوءه بعد.منذ الساعات الأولى، بدأ العاملون في تنظيفه بالكامل.كانت الطاولات تُفرغ من بقايا الطعام، والأكواب تُجمع، والشموع التي ذابت أطرافها تُستبدل بأخرى جديدة.وفي الممرات، كان صوت المكانس وحركة العاملين يملآن الصمت الذي خلّفته ليلة رأس السنة.كانت ريم تعمل منذ الصباح.تشعر بالإرهاق، لكنها لم تتوقف.كانت تحمل سلة صغيرة بيدها، وتسير في الممرات حاملة بعض الأشياء التي طلبت منها سارة التخلص منها.وحين وصلت إلى الطابق العلوي، مرّت بجانب جناح آدم.توقفت للحظة.كان الباب مفتوحًا.عبست باستغراب.لطالما كان آدم شديد الحرص على إبقاء جناحه مغلقًا، وسبق أن حذرتها أكثر من مرة من الاقتراب منه.نظرت حولها.لم يكن هناك أحد.ثم لمحت شيئًا داخل الغرفة.سلة نفايات، كانت ممتلئة بالأوراق.ترددت.قالت لنفسها إنها لن تدخل سوى لثوانٍ.ستأخذ السلة وتفرغها، ثم تغادر.خطت إلى الداخل بسرعة.كانت الغرفة مرتبة بشكل مثالي، كما توقعت.كل شيء في مكانه.. الأثاث الفخم، الستائر الثقيلة، المكتب الواسع، والسرير المرت
حلّت ليلة رأس السنة.ومنذ ساعات الصباح، كان القصر مختلفًا، الأضواء تملأ الممرات، والشموع موزعة فوق الطاولات، بينما كانت القاعة الكبرى تستعد لاستقبال الضيوف.أصوات العاملين لا تتوقف.. ضحكات متقطعة.. أطباق تُنقل إلى المطبخ وموسيقى هادئة تأتي من القاعة.كل شيء كان يوحي بأن الليلة لن تكون عادية.أما ريم... فقد وقفت أمام المرآة في غرفتها.للمرة الأولى منذ وصولها إلى القصر، لم ترتدِ ملابس العمل.كان الثوب الأحمر طويلًا وأنيقًا، ينساب على جسدها ويبرز قوامها الأنثوي الممتلئ بطريقة أنيقة.نظرت إلى نفسها للحظات وشعرت بأنها مختلفة، أكثر ثقة وأكثر جمالا وأنوثة.رفعت شعرها الأسود في تسريحة مرتبة، وتركت بعض الخصلات تنسدل برقة حول وجهها، ثم وضعت عدساتها البنية كعادتها.تأملت انعكاسها في المرآة وابتسمت ابتسامة صغيرة.— هل هذه أنا فعلًا؟لم تكن معتادة على رؤية نفسها بهذه الصورة، لكنها لم تكن تعرف أن شخصًا آخر سيراها بطريقة مختلفة تمامًا.---في القاعة الكبرى، بدأ الضيوف بالوصول.رجال ببدلات أنيقة ونساء بفساتين فاخرة، ضحكات وأحاديث.وفي وسط كل ذلك، كان آدم يقف بجانب والديه.كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة،