登入عاد شاهين إلى المنزل مع اقتراب المساء، وقد بدت علامات الإرهاق واضحة على وجهه بعد يوم طويل في الشركة. وما إن وطئت قدماه الصالة حتى شعر بأن شيئًا غير مألوف يخيّم على المكان.كانت العائلة كلها مجتمعة، لكن الصمت كان سيد الموقف.توقف مكانه، ونظر إلى الجميع متسائلًا:"ما الذي حدث؟"تبادل أفراد العائلة النظرات، قبل أن تتقدم أمه خطوة إلى الأمام، وهي تشير إلى ظرف أبيض وُضع فوق الطاولة.قالت بهدوء:"وصل هذا الظرف ظهر اليوم... وهو موجه إلى ملاك."عقد شاهين حاجبيه، ثم تناول الظرف بين يديه، يتأمل الكتابة المنقوشة على واجهته، قبل أن يعيده إلى مكانه."ومن الذي أحضره؟"أجاب والد ملاك:"رجل لم نره من قبل. سلّمه وانصرف مباشرة، ولم يترك سوى عبارة واحدة... قال: «سلموه إلى الآنسة ملاك، فهي وحدها من يجب أن تفتحه.»"ساد الصمت مجددًا.وفي تلك اللحظة، نزلت ملاك من الطابق العلوي، وقد بدت الدهشة على وجهها حين رأت الجميع مجتمعين.ابتسمت بخفة وقالت:"يبدو أنني تأخرت... ماذا حدث؟"اقتربت منها أمها، وقدمت إليها الظرف قائلة:"إنه لكِ."اتسعت عينا ملاك بدهشة، ثم تناولته بحذر، وأخذت تقلبه بين يديها قبل أن تفتح الغلاف
مرّت الليلة ببطء شديد...ورغم التعب الذي أنهك جسدي، لم أستطع أن أغمض عيني.كلما أغلقتها، عادت إلى ذهني نظرات شاهين قبل مغادرته، وكلماته الأخيرة:"اعتني بنفسك."لا أعلم لماذا بقي صوته يتردد في رأسي، لكنه منحني شعورًا غريبًا بالأمان... شعورًا افتقدته منذ زمن.ومع اقتراب الفجر، غلبني النعاس أخيرًا.في الجهة الأخرى...كان شاهين لا يزال داخل مكتبه.جلس أمام الملفات التي وضعها مدير الشركة أمامه، يقلب صفحاتها واحدة تلو الأخرى، بينما كانت ملامحه تزداد صرامة.رفع رأسه نحو مدير الأمن وقال:— هل تأكدتم أن أحدًا لم يتمكن من سرقة أي ملف؟أجابه الرجل بثقة:— نعم، سيدي... لكن الغريب أن الشخص الذي حاول الاختراق كان يعرف النظام الداخلي للشركة بدقة.عقد شاهين حاجبيه.— أي أنه ليس شخصًا عاديًا...— هذا ما نعتقده.ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يقطع شاهين ذلك الصمت بقوله:— شددوا الحراسة على الشركة، ولا تسمحوا لأي شخص بالدخول دون إذني.— حاضر.مع شروق الشمس...استيقظت على صوت طرقات خفيفة على باب غرفتي.— ملاك... هل استيقظتِ؟كان صوت مريم.أجبتها:— نعم، ادخلي.دخلت وهي تحمل كوبًا من الحليب، ثم جلست بجانبي مبتس
بقيت أحدق في وجه شاهين، بينما كانت كلماته تتردد في أذني."يبدو أن مشاكلنا لم تنتهِ بعد."شعرت بانقباضٍ في صدري، وسألته بقلق:— ماذا حدث؟أعاد الهاتف إلى جيبه، ثم تنهد طويلًا قبل أن يجيب:— اتصل بي مدير الشركة.عقدت حاجبي باستغراب.— الشركة؟أومأ برأسه، ثم قال:— هناك مشكلة كبيرة... ويجب أن أذهب حالًا.نظرت إليه بصمت.كنت أشعر أن الأمر أكبر مما يحاول إظهاره، لكنني لم أشأ أن أضغط عليه.وفي تلك اللحظة، خرج إبراهيم إلى الشرفة بعدما لاحظ تأخرنا.نظر إلى شاهين، ثم سأله:— خير يا بني؟أجابه شاهين بهدوء:— لدي أمر عاجل في الشركة، وسأضطر للمغادرة الآن.بدت الدهشة على وجه إبراهيم.— في هذا الوقت؟— نعم... يبدو أن الأمر لا يحتمل التأجيل.اقترب مراد هو الآخر بعدما سمع الحديث، وقال:— هل حدث شيء؟تنهد شاهين، ثم قال:— سأخبركم عندما أتأكد من كل شيء.لم يزد على ذلك.كان واضحًا أنه لا يريد أن يقلق أحدًا قبل أن يعرف الحقيقة.اتجه نحو الباب، فأسرعت مريم وأحضرت له معطفه.تناوله منها وهو يشكرها، ثم التفت إلى الجميع مودعًا.أما أنا...فبقيت واقفة أراقبه بصمت.لا أعلم لماذا...لكن شعورًا غريبًا كان يخبرني
أُغلق الباب خلف العم ورجال الدرك، فعاد الصمت ليخيم على أرجاء المنزل.لم يكن صمتًا عاديًا...بل كان صمتًا ثقيلًا، كأن الجدران نفسها ما زالت تحتفظ بصدى الكلمات التي قيلت قبل لحظات.تنفس إبراهيم بارتياح، ثم مرر يده على وجهه وقال:— الحمد لله... انتهى الأمر.أجابه مراد وهو يهز رأسه:— انتهى اليوم فقط... أما ما حدث، فلن يُنسى بسهولة.أطرق الجميع رؤوسهم بصمت.أما أنا...فكنت لا أزال واقفة في مكاني، أحدق في الباب الذي خرج منه عمي، بينما كانت قدماي ترتجفان دون أن أشعر.لم أكن أصدق أن كل شيء انتهى بهذه السرعة.ولو لم يتدخل شاهين...لا أعلم كيف كان سيكون مصيري.رفعت رأسي ببطء...فوجدت عينَي شاهين معلقتين بي.ما إن التقت نظراتنا حتى خفضت بصري إلى الأرض.كنت أشعر بخجلٍ شديد.لم أجرؤ حتى على شكره.اقترب مني بخطوات هادئة، حتى توقف على مسافة قصيرة، ثم قال بصوت منخفض:— هل أنتِ بخير؟هززت رأسي بخفة.— نعم...لكن صوتي المرتجف فضح كذبتي.ظل ينظر إليّ للحظات، ثم قال:— لا... لستِ بخير.لم أعرف بماذا أجيب.وفي تلك اللحظة، اقتربت مريم وهي تضع يدها على كتفي وقالت بابتسامة لطيفة:— الحمد لله أن كل شيء انتهى
خيّم صمت ثقيل على أرجاء المنزل، حتى إن أنفاس الواقفين بدت مسموعة. كانت جميع الأنظار تتجه نحو الباب، في انتظار الرجل الذي أشعل فتيل كل ما حدث.حدّق مراد في شاهين لثوانٍ، ثم قال بعدم اقتناع:— شاهين... دع الأمر لي، لا داعي لأن تتحدث معه. نحن سنتولى الأمر.لكن شاهين لم تتغير ملامحه، ولم يرفع صوته، بل كرر طلبه بالنبرة الهادئة نفسها:— قلت لك... أدخله.تبادل مراد وإبراهيم النظرات، ثم تنهد مراد باستسلام، واتجه نحو الباب.لم تمضِ سوى لحظات حتى دخل العم بخطوات واثقة، وخلفه ثلاثة من رجال الدرك، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة توحي بأنه يعتقد أن الموقف أصبح في صالحه.وقف في منتصف الصالون، ثم نظر إلى شاهين وقال بنبرة لا تخلو من السخرية:— خيرًا يا شاهين؟ سمعت أنك تريد التحدث إليّ.كان شاهين يجلس بهدوء، وما إن سمع صوته حتى رفع رأسه ببطء، ثم أشار إلى المقعد المقابل له قائلاً:— تفضل... اجلس.استغرب العم من هدوئه، لكنه جلس وهو يعقد ذراعيه أمام صدره.أما رجال الدرك، فبقوا واقفين عند الباب، يراقبون المكان بصمت، بينما التف أفراد العائلة حول الصالون، وكل واحد منهم ينتظر ما سيقوله شاهين.أما أنا...فكنت أقف
ما إن سمع شاهين كلمات مريم، حتى عقد حاجبيه وهو يتأمل الوجوه من حوله. كان الجميع صامتًا، وكأن الخبر سلبهم القدرة على الكلام. أعاد سؤاله بنبرة أكثر حزمًا: — ماذا يحدث؟ ومن الذي يبحث عن ملاك؟ لم يجبه أحد. كانت نظرات الجميع تتنقل بيني وبين مراد، وكأن كل واحد ينتظر الآخر ليتكلم. وفجأة... ضرب مراد بقبضته الأرض بقوة، حتى ارتجّ الطاولة الصغيرة أمامه، ثم صاح بغضب: — أقسم بالله... كنت أعلم أنه سيفعلها! رفع رأسه نحوي، وكانت عيناه تشتعلان غضبًا. — ألم أقل لكِ إن هذا الرجل لن يسكت؟! من طلب منك أن تفعلي ما فعلته؟! لماذا ذهبتِ إلى بستانه؟ ولماذا أشعلتِ النار فيه؟ شعرت بأن الكلمات علقت في حلقي. لم أستطع الرد... ليس لأنني لا أملك جوابًا، بل لأن الجميع كان ينظر إليّ بصدمة، حتى شاهين. كان ينظر إليّ نظرةً لم أفهمها... دهشة؟ أم استغراب؟ أم أنه يحاول فقط أن يجمع خيوط ما يسمعه؟ اقترب خطوةً مني، وقال بصوت هادئ، لكنه أخافني أكثر من أي صراخ: — ملاك... رفعت عيني نحوه. — ما الذي يقصده مراد؟ ابتلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أن أتكلم، لكن الكلمات خانتني. كيف سأشرح له؟ ومن أين سأبدأ؟ هل أخبره بم
نظرت إلى حياة بثبات، بينما كانت تحاول للمرة الألف التقليل مني ومن التغيير الذي طرأ على حياتي. لم أكن بحاجة إلى من يدافع عني، فملامحها المتشنجة كانت كافية لتفضح ما يدور داخلها من غيرة وحقد.ارتشفت رشفة صغيرة من العصير أمامها، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة زادتها احتراقاً، وقلت:— يبدو أنكِ تعبتِ كثيراً وأ
ما إن وقع بصري على أمي حتى شعرت بأن روحي تُنتزع من بين أضلعي. كانت ممددة على الأرض بلا حراك، وقد غاب لون وجهها تمامًا. تناثرت شظايا المرآة أمامها كأنها بقايا كارثة، بينما كانت يدي تغرق في الدماء التي أخذت تتدفق بلا توقف.في تلك اللحظة المشؤومة، وقبل أن أفقد وعيي تمامًا، رأيتها تسقط أمام عيني، فاهتز
كنت أشعر أن الهواء من حولي أصبح أثقل من أن أتنفسه. الأصوات تتعالى داخل المنزل، والوجوه المتجهمة تحيط بي من كل جانب، بينما كنت عاجزة عن استيعاب ما يحدث. لكن أمي لم تعد قادرة على الصمت، فقد وقفت أخيرًا في وجه أبي بعد سنوات طويلة من الخضوع والصبر. قالت له بصوت ارتجف من شدة الألم والقهر: — لن أترك ا
وقفتُ بصمتٍ وأنا أراقب أمي وهي تجلس أمام شاهين، وقد بدت عليها علامات الإرهاق والانكسار. كانت عيناها حمراوين من كثرة البكاء، وصوتها يرتجف كلما حاولت أن تنطق بكلمة. شعرتُ أن سنوات طويلة من الألم كانت تتزاحم داخل صدرها، تنتظر هذه اللحظة لتخرج دفعة واحدة.مسحت دموعها بطرف حجابها، ثم قالت بصوت مخنوق:«ل
![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)






