الوريثة المفقودة

الوريثة المفقودة

last updateLast Updated : 2026-03-19
By:  H.E.DUpdated just now
Language: Arab
goodnovel12goodnovel
Not enough ratings
9Chapters
20views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

لم يكن قصر آل السيوفي يشبه البيوت التي تسكنها العائلات بقدر ما كان يشبه الذاكرة نفسها؛ ضخمًا، صامتًا، وممتلئًا بما لم يُقَل. في ذلك المساء، كانت السماء فوقه رمادية على نحو ثقيل، كأنها تعرف أن شيئًا ما انتهى بالفعل، وأن شيئًا آخر أكثر خطورة على وشك أن يبدأ. اصطفّت السيارات السوداء أمام البوابة الحديدية الواصلة إلى المدخل الرئيسي، ودخل المعزون وغادروا، لكن الحزن في داخل القصر لم يكن حزنًا خالصًا. كان ممزوجًا بترقب خفي، بشيء أقرب إلى الجوع. مات رائد السيوفي. الرجل الذي بنى اسمه من لا شيء، ثم شيّد من ذلك الاسم إمبراطورية كاملة، رحل أخيرًا بعد صراع قصير مع المرض. وبينما كانت الصحف تتحدث عن رجل الأعمال الكبير، وعن إرثه الاقتصادي، وعن عشرات المشاريع التي حملت توقيعه، كان ورثته مجتمعين في الصالون الكبير ينتظرون ما هو أهم في نظرهم: الوصية. جلست ناهد السيوفي على الأريكة المقابلة للمدفأة غير المشتعلة، مستقيمة الظهر، مرتبة المظهر، كأن الموت مرّ بجانبها فقط ولم يمسّها. كانت ترتدي الأسود من رأسها حتى قدميها، لكن عينيها لم تكونا حزينتين. كان فيهما شيء بارد، شيء لا يلين. عن يمينها جلس سليم، الابن الأكبر، بوجهه الحاد ونظرته الجامدة. لم يتحرك كثيرًا منذ دخوله، ولم يتبادل مع أحد كلمة لا ضرورة لها. بدا كتمثال صُنع ليحرس اسم العائلة لا ليحمل مشاعره. أما مازن، الأخ الأوسط، فكان يجلس بطريقة توحي باللامبالاة، لكن أصابعه التي تضرب ببطء على ذراع المقعد كانت تفضحه.

View More

Chapter 1

الفصل الأول: الوصية التي أوقفت الزمن

لم يكن قصر آل السيوفي يشبه البيوت التي تسكنها العائلات بقدر ما كان يشبه الذاكرة نفسها؛ ضخمًا، صامتًا، وممتلئًا بما لم يُقَل.

في ذلك المساء، كانت السماء فوقه رمادية على نحو ثقيل، كأنها تعرف أن شيئًا ما انتهى بالفعل، وأن شيئًا آخر أكثر خطورة على وشك أن يبدأ.

اصطفّت السيارات السوداء أمام البوابة الحديدية الواصلة إلى المدخل الرئيسي، ودخل المعزون وغادروا، لكن الحزن في داخل القصر لم يكن حزنًا خالصًا. كان ممزوجًا بترقب خفي، بشيء أقرب إلى الجوع.

مات رائد السيوفي.

الرجل الذي بنى اسمه من لا شيء، ثم شيّد من ذلك الاسم إمبراطورية كاملة، رحل أخيرًا بعد صراع قصير مع المرض.

وبينما كانت الصحف تتحدث عن رجل الأعمال الكبير، وعن إرثه الاقتصادي، وعن عشرات المشاريع التي حملت توقيعه، كان ورثته مجتمعين في الصالون الكبير ينتظرون ما هو أهم في نظرهم: الوصية.

جلست ناهد السيوفي على الأريكة المقابلة للمدفأة غير المشتعلة، مستقيمة الظهر، مرتبة المظهر، كأن الموت مرّ بجانبها فقط ولم يمسّها. كانت ترتدي الأسود من رأسها حتى قدميها، لكن عينيها لم تكونا حزينتين. كان فيهما شيء بارد، شيء لا يلين.

عن يمينها جلس سليم، الابن الأكبر، بوجهه الحاد ونظرته الجامدة. لم يتحرك كثيرًا منذ دخوله، ولم يتبادل مع أحد كلمة لا ضرورة لها. بدا كتمثال صُنع ليحرس اسم العائلة لا ليحمل مشاعره.

أما مازن، الأخ الأوسط، فكان يجلس بطريقة توحي باللامبالاة، لكن أصابعه التي تضرب ببطء على ذراع المقعد كانت تفضحه.

قرب النافذة، وقفت ياسمين، الأخت الصغرى، تحتضن ذراعيها وتراقب الجميع بصمت متوتر، كأنها تخشى أن يسقط شيء ثقيل فوق رؤوسهم جميعًا.

في مقدمة الغرفة، كان المحامي عادل مراد يرتب أوراقه داخل ملف جلدي بني. رجل خمسيني، أنيق، يضع نظارة رفيعة، ويتحدث دائمًا بنبرة هادئة حتى في أسوأ اللحظات. لكنه اليوم لم يبدُ مرتاحًا.

رفعت ناهد رأسها نحوه وقالت ببرود:

"أظن أن الوقت مناسب الآن."

تردد عادل جزءًا من الثانية، ثم جلس على المقعد المنفرد وفتح الملف.

"قبل أن أبدأ، أود أن أقدم لكم مرة أخرى خالص التعازي بوفاة الأستاذ رائد السيوفي."

قالها بصوت رسمي، فلم يرد أحد.

مرّ الصمت على الغرفة مثل خيط مشدود، ثم أردف:

"هذه هي النسخة الأخيرة من الوصية، وقد سُجّلت قبل وفاة المرحوم بثمانية أيام."

تبدلت نظرة سليم قليلًا.

ثمانية أيام.

كانت تلك الفترة تحديدًا هي أكثر فترة شعر فيها أن والده يخفي عنه شيئًا. شيئًا لم يرد أن يقوله حتى وهو على فراش الموت.

فتح عادل الورقة الأولى وبدأ القراءة بصوت واضح:

"أنا، رائد عبد الرحمن السيوفي، وبكامل قواي العقلية، أقرّ بأن جميع ممتلكاتي وأصولي وأسهمي وما أملك من أملاك منقولة وغير منقولة، تُجمّد مؤقتًا إلى حين تنفيذ الشرط الأول من وصيتي."

قطبت ناهد حاجبيها فورًا.

"تُجمّد؟"

لكن المحامي رفع يده قليلًا، مستأذنًا إكمال القراءة.

"الشرط الأول: لن يُوزّع أي جزء من إرثي، ولن تنتقل إدارة الحصة النهائية من المجموعة لأي وريث، حتى تعود ابنتي المفقودة إلى بيت السيوفي."

سقطت الجملة في الغرفة كما لو أن أحدهم كسر زجاجًا داخل الصمت.

تجمدت ياسمين في مكانها.

توقف مازن عن ضرب المقعد بأصابعه.

أما ناهد، فبقيت تنظر إلى المحامي لحظة طويلة دون أن ترمش، ثم قالت ببطء، كأنها تلفظ شيئًا سامًا:

"ماذا قلت؟"

خفض عادل الورقة قليلًا.

"هذا نص الوصية حرفيًا."

نهضت ناهد واقفة.

"هذا مستحيل."

رفع سليم نظره أخيرًا، وكانت عيناه أهدأ من الجميع، لكن ذلك الهدوء كان مرعبًا.

"أكمل."

تنحنح المحامي، ثم تابع:

"إذا ظهرت الابنة، أو ثبتت حياتها، أو قُدّمت أدلة معتبرة قانونيًا على أنها ما تزال على قيد الحياة، يتم الاعتراف بحقها أولًا، ثم تبدأ بقية إجراءات تقسيم الإرث وفق البنود التالية."

ضحك مازن ضحكة قصيرة جافة.

"الابنة المفقودة؟ بعد عشرين سنة؟"

قالت ياسمين بصوت خافت:

"لكن… الجميع يعرف أنها ماتت."

هنا فقط تحركت الجدة هدى، التي كانت جالسة في الركن البعيد كظل قديم لا يراه أحد إلا إذا تكلم. رفعت رأسها من فوق عصاها الخشبية ونظرت إلى الفراغ أمامها.

"ليس كل ما يعرفه الناس صحيحًا."

التفتت إليها الأنظار كلها.

لكن الجدة عادت إلى صمتها بنفس السرعة، كأنها لم تقل شيئًا.

اقتربت ناهد من المحامي خطوة.

"هذه الوصية مزورة أو أن رائد لم يكن في وعيه الكامل. ابنة رائد ماتت. ماتت منذ عشرين عامًا، وهذه الصفحة وحدها كافية لنسف أي قيمة قانونية لبقية الكلام."

رد عادل بنبرة محسوبة:

"الوصية موثقة، وأُعدّت بحضور شهود وأطباء. من الناحية القانونية لا يوجد ما يطعن فيها بسهولة."

"بسهولة؟" قالتها ناهد بحدة. "إذن يمكن الطعن فيها."

رفع سليم يده دون أن ينظر إليها، فأُسكتت الجملة في حلقها.

ثم سأل المحامي:

"هل كتب والدي اسمًا؟"

أجاب عادل:

"لا. لم يكتب اسمًا. فقط استخدم عبارة: ابنتي المفقودة."

تراجع سليم في جلسته قليلًا، بينما مرت في عينيه لمعة سريعة لم يفهمها أحد.

كان في البيت اسم لا يُقال منذ عشرين سنة. اسم اختفى كما اختفت الطفلة نفسها.

اسم أصبح كالشبح.

قال مازن:

"وهل نحن مطالبون الآن بالجلوس هنا وانتظار معجزة؟"

أغلق المحامي جزءًا من الملف وقال:

"هناك أمر آخر."

شعرت ياسمين بقشعريرة تسري في ذراعيها.

"ما الذي بقي أسوأ من هذا؟"

لم يجبها، بل أخرج ظرفًا صغيرًا مختومًا بالشمع من داخل الملف.

"هذا الظرف تركه المرحوم، وقال بالحرف: لا يُفتح إلا إذا اجتمعت العائلة بعد وفاتي لقراءة الوصية."

مدّ سليم يده.

"أعطني إياه."

لكن قبل أن يلمس الظرف، دوى صوت جرس الباب الرئيسي في القصر.

رنّة واحدة طويلة، اخترقت جو الغرفة كطعنة.

التفت الجميع نحو الباب في اللحظة نفسها.

في هذا الوقت؟ بعد انصراف معظم المعزين؟

تبادل الخدم النظرات في الممر الخارجي، ثم أسرع أحدهم ليفتح.

بقيت العائلة في أماكنها، لكن شيئًا تبدل.

الهواء نفسه صار مشدودًا.

حتى المدفأة الباردة بدت كأنها تنتظر.

بعد لحظات، سُمعت خطوات عند المدخل الرخامي الواسع، ثم ظهر كبير الخدم على باب الصالون، شاحب الوجه على غير عادته.

"سيدتي…" قالها موجّهًا كلامه إلى ناهد، لكن عينيه كانتا على سليم. "هناك شابة عند الباب."

قالت ناهد بنفاد صبر:

"ومن تكون؟"

ابتلع الرجل ريقه.

"تقول… إنها جاءت من أجل الوصية."

ساد الصمت مجددًا.

نهض سليم هذه المرة ببطء.

"ما اسمها؟"

أجاب الخادم بصوت بالكاد خرج:

"قالت إن اسمها لارا."

الاسم لم يكن مألوفًا لأحد، لكن الأثر الذي تركه بدا غريبًا، كأن الباب لم يفتح لامرأة، بل لخبرة قديمة لم يجرؤ أحد على استدعائها.

قالت ناهد بسرعة حادة:

"اطردها."

لكن قبل أن يتحرك الخادم، انفتح باب الصالون أكثر.

وقفت الشابة عند العتبة.

كانت في منتصف العشرينات تقريبًا، ترتدي معطفًا داكنًا بسيطًا، وشعرها الأسود منسدل على كتفيها بتعب السفر، لا بتأنق النساء في المناسبات. لم تبدُ خائفة، لكن التعب كان واضحًا في عينيها. أما الشيء الوحيد الذي شد أنظار الجميع فورًا، فلم يكن وجهها… بل الخاتم الذي كانت تمسكه بين أصابعها.

خاتم فضي قديم يحمل نقش شعار آل السيوفي.

اتسعت عينا ياسمين.

وقف مازن مستقيمًا أخيرًا.

أما الجدة هدى، فقد نهضت نصف نهضة، كأن عظامها استعادت عشرين سنة دفعة واحدة.

قالت الشابة بصوت ثابت رغم أنفاسها المتسارعة:

"أعتذر عن دخولي بهذا الوقت."

ثم نظرت إلى الوجوه واحدًا واحدًا حتى استقرت عيناها على سليم.

"لكن يبدو أنني وصلت في اللحظة المناسبة."

سألها سليم ببرود قاسٍ:

"من أنتِ؟"

رفعت الخاتم قليلًا، ثم أخرجت من حقيبتها ظرفًا قديما مهترئ الحواف.

"اسمي لارا."

توقفت لحظة، ثم أضافت:

"وجئت لأن الرجل الذي مات اليوم… كان والدي."

شهقت ياسمين.

صرخت ناهد:

"كاذبة!"

لكن الجدة هدى همست بصوت مرتجف بالكاد سمعه من كان قريبًا منها:

"يا إلهي…"

أما سليم، فلم يرمش.

نظر إلى الخاتم أولًا، ثم إلى الظرف في يدها، ثم إلى وجهها مليًا، وكأنه يبحث فيه عن جريمة أو عن معجزة.

وأخيرًا قال الجملة التي جعلت كل شيء يبدو كأنه بدأ الآن فقط:

"أغلِقوا الأبواب. لا أحد يخرج من هذا البيت."

وفي تلك اللحظة، أدركت لارا أن دخولها القصر لم يكن عودة إلى عائلة…

بل دخولًا إلى حرب.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
9 Chapters
الفصل الأول: الوصية التي أوقفت الزمن
لم يكن قصر آل السيوفي يشبه البيوت التي تسكنها العائلات بقدر ما كان يشبه الذاكرة نفسها؛ ضخمًا، صامتًا، وممتلئًا بما لم يُقَل.في ذلك المساء، كانت السماء فوقه رمادية على نحو ثقيل، كأنها تعرف أن شيئًا ما انتهى بالفعل، وأن شيئًا آخر أكثر خطورة على وشك أن يبدأ.اصطفّت السيارات السوداء أمام البوابة الحديدية الواصلة إلى المدخل الرئيسي، ودخل المعزون وغادروا، لكن الحزن في داخل القصر لم يكن حزنًا خالصًا. كان ممزوجًا بترقب خفي، بشيء أقرب إلى الجوع.مات رائد السيوفي.الرجل الذي بنى اسمه من لا شيء، ثم شيّد من ذلك الاسم إمبراطورية كاملة، رحل أخيرًا بعد صراع قصير مع المرض.وبينما كانت الصحف تتحدث عن رجل الأعمال الكبير، وعن إرثه الاقتصادي، وعن عشرات المشاريع التي حملت توقيعه، كان ورثته مجتمعين في الصالون الكبير ينتظرون ما هو أهم في نظرهم: الوصية.جلست ناهد السيوفي على الأريكة المقابلة للمدفأة غير المشتعلة، مستقيمة الظهر، مرتبة المظهر، كأن الموت مرّ بجانبها فقط ولم يمسّها. كانت ترتدي الأسود من رأسها حتى قدميها، لكن عينيها لم تكونا حزينتين. كان فيهما شيء بارد، شيء لا يلين.عن يمينها جلس سليم، الابن الأ
last updateLast Updated : 2026-03-18
Read more
الفصل الثاني: ضيفة… أم كارثة؟
أُغلقت أبواب القصر كما لو أن الريح نفسها مُنعت من الدخول.الصوت المعدني للمزلاج حين استقر في مكانه كان كافيًا ليجعل لارا تدرك أن الأمر لم يعد مجرد زيارة عابرة، ولا حتى مواجهة عائلية عادية.لقد أصبحت داخل دائرة مغلقة… وكل من فيها ينظر إليها كتهديد.وقفت في منتصف الصالون، لم تتحرك خطوة واحدة إلى الأمام، ولم تتراجع. كانت تعرف أن أي حركة الآن قد تُفسَّر ضعفًا.رفعت رأسها قليلًا، ونظرت حولها بهدوء محسوب، كأنها تحفظ الوجوه لا لتتعرف عليهم… بل لتتذكر من سيحاول كسرها أولًا.قالت ناهد بحدة:"من سمح لكِ بالدخول؟"لم ترد لارا فورًا.بل التفتت نحو الخادم الذي ما يزال واقفًا عند الباب، ثم عادت بنظرها إلى ناهد."لم يسمح لي أحد. أنا دخلت لأن هذا بيتي أيضًا."ارتفعت همهمة خافتة في الغرفة.تقدّم مازن خطوة، وابتسامة ساخرة ترتسم على وجهه:"واثقة جدًا… هذا يعجبني."ثم مال قليلًا، كأنه يدرسها عن قرب."لكن الثقة وحدها لا تعطيكِ الحق في ادعاء شيء بهذا الحجم."تدخلت ياسمين بصوت مرتجف:"من أعطاكِ هذا الخاتم؟"نظرت لارا إلى الخاتم بين أصابعها، كأنها تراه لأول مرة، ثم قالت بهدوء:"لم يعطني إياه أحد… كان مع أمي.
last updateLast Updated : 2026-03-18
Read more
الفصل الثالث: الغرفة التي لم تُنسَ
لم يكن الصمت الذي تلا قرار سليم عاديًا.كان صمتًا يشبه ما يحدث قبل أن تُفتح أبواب قديمة… أبواب لم تُغلق لأنها انتهت، بل لأنها كانت تخفي شيئًا لا يجب أن يُرى.وقف كبير الخدم مترددًا عند المدخل، وكأن الكلمات التي سمعها لم تُفهم بعد."سيدي… تقصد… الغرفة العلوية؟""نعم." قالها سليم دون أن يرفع صوته.لكن ناهد تقدمت بسرعة، كأنها تحاول الإمساك بشيء يفلت منها."سليم، هذا جنون. تلك الغرفة أُغلقت لسبب.""وأنا أريد معرفة السبب." ردّ بهدوء."السبب واضح! الماضي انتهى، ولا داعي لإعادة فتحه بسبب—"توقفت فجأة، ونظرت إلى لارا بنظرة حادة."—بسبب فتاة جاءت من الشارع."لم ترد لارا.لكن عينيها لم تبتعدا عن سليم.كان واضحًا أن القرار لم يعد بيد ناهد، مهما حاولت السيطرة.أخذ سليم نفسًا بطيئًا، ثم قال للخادم:"المفتاح."تردد الرجل، ثم أومأ برأسه وانسحب بسرعة.بقيت العائلة في أماكنها، لكن التوتر أصبح ملموسًا، كأنه يمكن لمسه باليد.حتى الجدران بدت أقرب، وكأن القصر نفسه يراقب ما سيحدث.قال مازن، وهو يمرر يده في شعره:"حسنًا… هذا أصبح ممتعًا أكثر مما توقعت."نظرت إليه ياسمين بقلق:"هذا ليس وقت المزاح."ابتسم بخف
last updateLast Updated : 2026-03-18
Read more
الفصل الرابع: الصوت الذي لا يُنسى
لم يتحرك أحد.كانت الجملة التي قالتها لارا لا تزال معلقة في الهواء، كأنها لم تُنطق بعد بشكل كامل."لم أكن وحدي في هذه الغرفة."نظر الجميع إليها، لكن كل واحد منهم سمعها بطريقة مختلفة.ياسمين شعرت بالخوف.مازن شعر بالفضول.الجدة… شعرت بشيء أقرب إلى اليقين.أما ناهد، فكان في عينيها شيء آخر تمامًا: إنكار… ممزوج بذعر حقيقي.لكن سليم…كان الوحيد الذي لم يكتفِ بالشعور."اشرحي." قالها بهدوء، لكنه كان أمرًا.وقفت لارا مكانها، يدها لا تزال قرب رأسها، كأن الألم لم يغادرها بالكامل.تنفست ببطء… مرة… ثم مرة أخرى."لا أرى صورة واضحة…" قالت بصوت متردد."لكن… هناك صوت."اقترب سليم خطوة."أي صوت؟"أغمضت عينيها.والغرفة… صمتت."كان هناك أحد يتحدث معي."قالتها ببطء، وكأنها تسحب الكلمات من مكان بعيد داخلها."صوت… قريب. ليس صوت خادمة… ولا صوت رجل كبير."فتحت عينيها فجأة."كان صوت شاب."تجمد سليم.لم يكن واضحًا لأي شخص آخر لماذا تغير وجهه قليلًا…لكن الجدة هدى لاحظت."شاب؟" قال مازن وهو يرفع حاجبه."كم كان عمرك حينها؟""لا أعرف… خمس سنوات ربما."ثم نظرت حولها، وكأنها تبحث عن شيء."لكنني كنت خائفة."اقتربت م
last updateLast Updated : 2026-03-18
Read more
الفصل الخامس: الرسالة التي لا يجب أن تُقرأ
لم تكن الجملة على الورقة عادية.لم تكن مجرد كلمات… بل كانت تحذيرًا."إذا فتحت هذه الغرفة… فهذا يعني أنني فشلت."ظلّت معلقة في أذهانهم، وكأنها لا تخص الماضي فقط… بل الحاضر أيضًا.وقف سليم في منتصف الغرفة، والورقة بين يديه، يقرأها مرة أخرى.نفس الخط… نفس الثبات… لا ارتعاش، لا تردد."ليست كتابة طفلة." كررها، لكن هذه المرة وكأنه يؤكد لنفسه.قال مازن، وهو يقترب أكثر:"إذن من كتبها؟"لم يجب سليم فورًا.بل نظر إلى الدمية… ثم إلى الخزانة المفتوحة… ثم إلى لارا."أين وجدتِها بالضبط؟"أشارت إلى التجويف خلف اللوح الخشبي."هنا."اقترب سليم، وانحنى قليلًا ليتفحص المكان بنفسه.أدخل يده… تحسس الأطراف… ثم أخرجها."كان مخبأ بإتقان." قالها بصوت منخفض."ليس شيء يمكن لطفلة أن تفعله."قالت ياسمين بصوت خافت:"ربما أحد أخفاها لاحقًا… بعد اختفائها."هزّ مازن رأسه."لكن لماذا؟ ولماذا يكتب جملة كهذه؟"رفع سليم الورقة مرة أخرى، وحدّق فيها."لأن الشخص الذي كتبها… كان يعرف أننا سنفتح الغرفة يومًا ما."شعرت لارا بشيء ينقبض في صدرها."فشلت في ماذا؟" سألت.نظر إليها سليم."هذا ما سنكتشفه."اقتربت الجدة هدى ببطء، وعين
last updateLast Updated : 2026-03-18
Read more
الفصل السادس: المفتاح الذي قاد إلى الظل
لم يعد أحد ينظر إلى المفتاح على أنه قطعة معدن قديمة.في الغرفة المغلقة منذ عشرين عامًا، وتحت هذا السقف الذي احتفظ برائحة طفلة اختفت دون وداع، بدا المفتاح وكأنه الكلمة الأولى في اعتراف طويل لم يبدأ بعد.كان صغيرًا نسبيًا، من النحاس الداكن، له رأس بيضاوي ونقش دقيق على طرفه العلوي يشبه زهرة رباعية أو ربما شعارًا قديمًا تآكل نصفه. لم يكن يشبه مفاتيح القصر الحديثة، ولا حتى المفاتيح الثقيلة الخاصة بالأبواب الداخلية والمخازن. كان مختلفًا… غريبًا… شخصيًا.وقف سليم قرب الجدار المفتوح، يمرر إصبعه على النقش الصغير، بينما كانت بقية العائلة تنظر إليه وكأنها تنتظر منه أن يحسم معنى كل شيء.قال مازن أخيرًا، بعدما طال الصمت:"حسنًا. وجدنا غرفة طفلة. دمية. رسائل مجهولة. والآن مفتاح. هل هناك صندوق كنز أيضًا أم نؤجله للفصل القادم من هذه الليلة المجنونة؟"لم يلتفت إليه سليم.قال بصوت منخفض، لكنه واضح:"هذا المفتاح لم يُخفَ هنا عبثًا."ردت ناهد بسرعة، وكأنها تريد قتل الفكرة قبل أن تكبر:"وحتى لو لم يُخفَ عبثًا، هذا لا يعني شيئًا. ربما هو مفتاح قديم لأي درج أو خزانة من ممتلكات القصر."رفعت لارا نظرها نحوها.
last updateLast Updated : 2026-03-18
Read more
الفصل السابع: الرجل الذي لم يكن يجب أن يكون هنا
لم يكن الصوت الذي سمعوه في الجهة الخلفية من البيت مجرد وهم سببه التوتر.كان واضحًا.خطوة… ثم أخرى.ثقيلة بما يكفي لتقول إن هناك أحدًا يتحرك فعلًا، وحذرة بما يكفي لتقول إن هذا الشخص لا يريد أن يُرى.تجمدت ياسمين مكانها، والتصقت عيناها بالممر الضيق المؤدي إلى مؤخرة المنزل.أما مازن، فرفع هاتفه أكثر، موجّهًا ضوءه إلى العتمة، وقال بصوت خافت أقرب إلى الهمس:"حسنًا… هذه ليست مصادفة جميلة."لم ترد لارا.كانت لا تزال ممسكة بالرسالة، تقرأ سطرها في ذهنها مرة بعد أخرى، كأن الكلمات تغيّر معناها كلما أعادت النظر فيها:"إذا وصلتِ إلى هذا البيت، فلا تثقي بسليم السيوفي… لأنه أقربهم إلى الحقيقة، وأقربهم إلى الخطر."أقربهم إلى الحقيقة؟وأقربهم إلى الخطر؟رفعت عينيها ببطء نحو سليم.كان واقفًا على بعد خطوات منها، ملامحه مشدودة، ونظره ثابت في اتجاه الصوت. لم يسألها عمّا تقرأ، ولم يحاول أخذ الرسالة منها مجددًا. وكأن وجود شخص آخر في البيت صار أكثر إلحاحًا من كل شيء.قال سليم بصوت منخفض، لكنه حاسم:"ابقوا هنا."رد مازن فورًا:"لن يحدث. إذا كان هناك أحد يراقبنا من الداخل، فلن أتركك تأخذ المشهد كله وحدك."ألقى
last updateLast Updated : 2026-03-18
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status